“العولة” تختفي من منازل الجزائريين
كانت العائلات الجزائرية تحرص مطلع كل شتاء على تجهيز منزلها بكافة المستلزمات الضرورية كالأغطية، والأفرشة والمؤن الغذائية أو ما كانوا يصطلحون عليه بالعامية “العولة”، تحسبا لأي طارئ يحدث خلال فصل الشتاء والمعروف بندرة المواد الغذائية وغلق الطرق الرئيسية بسبب كميات الأمطار، وتساقط الثلوج وانخفاض درجة الحرارة، وهو ما يقي المواطنين عناء رحلة البحث عن تأمين غذائهم اليومي. إلا أن هذه العادات تلاشت في السنوات الأخيرة، لتجد بعض العائلات نفسها تكابد مرارة الجوع من جهة والبرد من جهة أخرى.
تواجه العائلات المقيمة في المناطق النائية والبعيدة عن المدن الكبرى أزمة تموين حقيقية في بداية كل فصل شتاء، فيجدون أنفسهم في صراع بين الطبيعة والبحث عن المواد الأساسية في غذائهم كالدقيق والفرينة وبعض المواد الأساسية كالطماطم والحبوب وغيرها، فيقطعون مئات الأمتار يوميا بحثا عن سوق قريب للتزود بالغذاء.
ورغم أن سكان هذه المناطق كانوا لغاية الأمس القريب يعملون على التجهيز لمواجهة فصل الشتاء وبرودته طوال فصل الربيع، فكانت نسوة العائلة الواحدة أو الجارات يجتمعن في منزل إحداهن ثم يقمن بإعداد “العولة” والمتمثلة في الكسكس والشخشوخة بمختلف أنواعها: السيار، الموس، الظفر، البساكرة، ثم الرشتة والبركوكس… ليجففوها تحت أشعة الشمس، ثم اقتسامها بالتساوي فيما بينهن وتكون كذخيرة لهن في فصل الشتاء، كما كنَّ يقمن في فصل الصيف بطحن القمح ليحصلن على دقيق يصلح عجنه في أيام البرد، وينتهزن الفرصة لتحضير الفريك ليطبخن به الشربة و”البسيسة” لصناعة الطمينة.
ولم يكن يتوقف عملهن إطلاقا فحتى الطماطم التي نشتريها الآن مركَّزة في علب كن يحضِّرنها في البيوت ثم يضعنها في علب خاصة ويحفظنها في أماكن باردة وبعيدة عن الرطوبة، وقد شملت الاستعدادات الشتوية جوانب مختلفة كتجفيف الفلفل الحار وإعداد مختلف أنواع المربى، ومع اقتراب فصل الشتاء يقتنين ما يحتجنه من الضروريات ليجنِّبن عائلاتهن مشقة البحث عن الغذاء. لكن هذه العادات انقرضت وتغيرت بتغير الزمن والمفاهيم السائدة، فقد أضحت جل العائلات الجزائرية تفضل التوجه مباشرة إلى المحلات التجارية لاقتناء كل ما هي بحاجة إليه.
تتحسر السيدة “خداوج” من حي القصبة بالعاصمة، على أيام زمان عندما كانت السيدات يتفنن في الصناعة المنزلية ولم يكن الأكل يعرض في البيع في الشوارع مثلما هو الحال عليه اليوم، لتكمل لو توقف الأمر عن ابتعادهن على الصناعات المنزلية لكان الأمر يسيراً، لكنهن لا يجدن تدبير أمورهن، إنهن لا يشترين ما يحتجنه لمدة شهر كامل، فكل يوم تجدهن في المحل يقتنين علبة من الطماطم أو كيس من المقرونة أو علبة من البقوليات.
وان كانت سيدات العاصمة قد هجرن القصاع والجفون منذ زمن طويل فالحال سيان في المدن الداخلية، حيث تسرد لنا خالتي “وردة”، وهي سيدة تقيم ببلدية الخروب بولاية قسنطينة، أن الزمن تغير كثيرا فالسيدات في الماضي كن حريصات على الإبداع والتفنن في الطبخ وفي الأعمال المنزلية ولا شيء كان يُطهى داخل مطابخهن ولم يكن من صناعة أيديهن، مضيفة أن طبيعة المنطقة أي قسنطينة والمعروفة ببرودتها الشديدة وتساقط الثلوج وغلق الطرقات المؤدية إليها يدفعهن لأخذ احتياطاتهن تحسبا لتقلبات الطقس أو أي طارئ كوفاة أحد أفراد الأسرة أو الأقارب والجيران، أو مرضهم، وازدياد مولود..
فكل هذه المناسبات يأخذونها بعين الاعتبار، أما حاليا فالنساء لا يكترثن بـ”العولة” إطلاقا متحججات أنهن لسن بصدد خوض حرب وأن المحلات التجارية تعرض مختلف المنتجات المنزلية، متناسيات أن الطرقات تغلق والمحلات ليس بإمكانها جلب البضاعة في فصل الشتاء فقد عايشنا الجحيم الشتاء الماضي.
ورغم أن المشكلة تتجدد في كل فصل شتاء وسعي النساء كبار السن لإقناع ربات البيوت من الجيل الحالي بضرورة أخذ الاحتياطات، إلا أنهن يرين في ذلك “تخلفا” ويرفضن اتباع نصائحهن.