القصة الكاملة للهجوم على قاعدة عين أمناس
في حدود الساعة العاشرة ليلا من يوم الأربعاء انقطعت كل شبكات الإتصال ولم يعد بمقدور أي أحد من الرهائن الجزائريين الإتصال بالعالم الخارجي، سوى عن طريق شبكة “الثريا” التي لم تكن بمتناول إلا عدد محدود من الإطارات.
وفي صباح يوم الخميس أدرك الخاطفون أن نجاح مهمتهم أصبح مستحيلا وخروجهم آمنين سالمين برفقة الرهائن الأجانب لم يعد ممكنا.
لذلك منعوا الجزائريين من التوجه إلى الغرف ثانية وتم جمعهم بالقرب من الخاطفين الذين طلبوا من الجزائريين المحتجزين المكوث غير بعيد عن عناصر الكتيبة الإرهابية، وكان واضحا أن محمد الأمين بن شنب قائد المجموعة أراد أن يجعل من الرهائن الجزائريين جدارا بشريا في مواجهة أية عملية محتملة للجيش الجزائري.
كان عدد الرهائن الجزائريين يقارب 250 شخصا بينما يتراوح عدد الأجانب المحتجزين في الساحة الرئيسية للقاعدة بحوالي 30 شخصا من مختلف الجنسيات “من بريطانيا واليابان والفلبين وأمريكا واسكتلندا ورومانيا والنرويج وهولندا وفرنسا”.
في حين بقي عدد آخر من العمال الجزائريين والأجانب عالقين في غرفهم التي لم يصل إليها الخاطفون ولم يقوموا بتفتيشها في بداية الهجوم على القاعدة.
لم تكن المفاوضات التي بدأها الإرهابيون مع قوات الأمن التي تحاصرهم تسير بالإتجاه الذي خططت له الجماعة الإرهابية، فبدأت في هذه الأثناء تلعب أوراقها الأخيرة في محاولة للضغط على السلطات الأمنية الجزائرية لتسمح لهم بالخروج الآمن رفقة الرهائن الغربيين باتجاه شمال مالي مثلما كان مخططا له من البداية.
وبحث الخاطفون بين الرعايا الجزائريين عن مختصين في الإعلام الأمني، لأنهم كانوا يريدون إرسال شريط مصور لقناة الجزيرة الفاضائية يظهر فيه الرهائن وهم مكبلون وملتحفون بالبطانيات والديناميت على رقابهم، والهدف من بث هذا الشريط هو فك الحصار على الخاطفين من خلال الضغط على السلطات الجزائرية عن طريق استفزاز الدول الغربية التي تملك رهائن، لكن الوقت لم يكن كافيا ورفض العديد من العمال الجزائريين القيام بالمهمة بحجة أنهم مجرد عمال بسطاء لا علاقة لهم بتقنيات الإعلام الآلي.
كان قائد المجموعة محمد الأمين بن شنب المدعو “الطاهر” يتموقع بالقرب من الرهائن الغربيين في حين انتشر أفراد المجموعة الإرهابية على أماكن أخرى بالقاعدة منهم قناصة كانوا يتمركزون فوق المباني.
في حدود الساعة 11 من صباح يوم الخميس، بدأ الخوف يتسرب إلى مجموعة الخاطفين واليأس من إمكانية الوصول إلى أي حل تفاوضي مع الأمن الجزائري، لهذا بدأوا يستعدون لأسوأ السيناريوهات الممكنة.
فقاموا بحمل الرهائن الأجانب داخل السيارات استعدادا للهروب بهم خارج القاعدة، وفي هذه الأثناء بدأ إطلاق نار كثيف بين قوات الجيش التي كانت تحاصر المكان وبعض القناصة الإرهابيين الذين كانوا فوق المباني.
في حدود الساعة الحادية عشر والربع مروحة الجيش الجزائري تستهدف قائد الكتيبة بن شنب المدعو الطاهر بصاروخ أرداه قتيلا.
وبعد أن قُتل قائدهم على مرأى منهم ومسمع تأكد عناصر المجموعة الإرهابية أن العملية العسكرية ضدهم بدأت فامتطوا 4 سيارات كانوا قد وضعوا فيها عددا من الرهائن الغربيين وانطلقوا بها خارج القاعدة محاولين كسر الطوق المفروض عليهم والفرار، لكن قوات الجيش قامت بقصف السيارة الأولى عن طريق مدفعية “دوشكا” محمولة على ظهر دبابة.
في حين قصفت مروحية الجيش سيارتين أخريتين فتفحمت الأولى في حين انقلبت الثانية وخرج منها رهينتان على قيد الحياة، وتم القبض على 2 من الإرهابيين كانوا بداخل هذه السيارة أحدها ينحدر من ولاية أدرار والآخر من وهران.
أما السيارة الرابعة فتمكنت من التقدم أكثر على مسافة 100 إلى 150 مترا باتجاه مصنع الغاز الذي كان الإرهابيون يريدون الوصول إليه للتحصن به رفقة بقية أفراد المجموعة الإرهابية التي تحصّنت به منذ بدء الهجوم.
لكن على بعد 100 إلى 150 متر بعد انطلاق السيارة كانت مروحية الجيش قد قصفتها مما أدى إلى تفحمها بالكامل.
في هذه الأثناء عاد العمال الجزائريون إلى غرفهم داخل قاعدة الحياة وتحصنوا بها، إلى غاية السادسة مساء حيث تبين أن القاعدة قد تم تحريرها بالكامل من أيدي الجماعة الإرهابية، واستمرت العملية العسكرية فقط في مصنع الغاز الذي يتحصن به 10 إرهابيين وبرفقتهم مجموعة كبيرة من الرهائن الغربيين.
وفي تلك الليلة تم نقل جميع العمال إلى قاعدة حياة أخرى بعين أمناس تابعة للشركة سوناطراك وهي تمثل المركز الجهوي لسوناطراك بمنطقة عين أمناس.
في صباح اليوم الموالي، الجمعة، تم تشكيل خلية أزمة ميدانية من إطارات المجمع الغازي الذي يضم 3 شركات..
وقد عاد أفراد المجمع إلى قاعدة الحياة للبحث في الغرف عن مصابين أو ضحايا أو عمال ما يزالون مختبئين هناك، والذين التزموا بقواعد السلامة التي تلقوها في مثل هذه الحوادث الخطيرة.
وقد مكنت عملية البحث من العثور عاملين جزائريين كانا مختبئين في غرفهم وأيضا 4 عمال أجانب لم يصل الإرهابيون إلى غرفهم وأنقذت العناية الإلهية حياتهم.
ليلة الخميس إلى الجمعة كانت العملية العسكرية بمصنع الغاز بتقنتورين لا تزال متواصلة لتحرير بقية الرهائن المحتجزين لدى عناصر المجموعة الإرهابية، حيث استمر إطلاق النار بين قوات الأمن الخاصة والإرهابيين لفترة طويلة.
وفي نفس الليلة تمكن عدد كبير من العمال الجزائريين الذين كانوا متواجدين بالمصنع من الهروب عبر السياج وقد هرب معهم الكثير من الغربيين أيضا.
ومن الهاربين من مشى حوالي 10 كلمترات في الصحراء قبل أن يتقاطع مع حاجز لقوات الأمن حيث تم التكفل بهم ونقلهم إلى أماكن آمنة.
وفي حدود الرابعة والنصف تقريبا من مساء الجمعة سُمع دوي انفجارين داخل المصنع، وتبين فيما بعد أن الإنفجار الأول ناجم عن تفجير سيارة كان الإرهابيون قد قاموا بتلغيمها في حين الإنفجار الثاني استعمل فيه بعض الرهائن كوقود حيث تم تفجيرهم داخل إحدى وحدات الإنتاج بعدما لغموهم بأحزمة ناسفة أُجبروا على ارتدائها، وقد تم العثور على جثث متطايرة ومتناثرة للكثير منهم فيما بعد عند نهاية العملية العسكرية وتحرير المصنع بالكامل.
عندما سمع دوي الإنفجارين عم الهلع لدى الجميع بمن فيهم من كانوا متواجدين بقاعدة الحياة، لأنهم كانوا متخوفين أن يكون الإنفجار قد استهدف وحدة التخزين بالمصنع، لأن الإنفجار لو استهدف تلك الوحدة كانت الكارثة الكبرى لأن مفعوله حسب الخبراء سيكون أضعاف مفعول قنبلة ذرية وقد يأتي على الأخضر واليابس لمساحة قد تتعدى عشرات الكيلومترات.
يوم السبت صباحا واصل أفراد خلية الأزمة الميدانية عملية البحث داخل الغرف بقاعدة الحياة، حيث تم العثور أيضا على 4 عمال غربيين مختبئين في غرفهم 3 بريطانيا وآخر من الكاميرون، تم تسليمهم جميعا لقوات الأمن للتكفل بهم.
وعند تفقد الجهة التي كان يقيم بها العمال اليابانيون والتي كانت أول جهة تتعرض للهجوم الإرهابي تم العثور على 5 جثث ملقاة على الأرض لعمال يابانيين يبدو أنهم حاولوا الفرار من الخاطفين فتم إطلاق النار عليهم.
في المساء كانت القوة الخاصة للجيش الجزائري قد تمكنت من تحرير المصنع من بقايا الخاطفين الذي قاموا بتلغيم الكثير من الرهائن الغربيين وتفجيرهم، وقد تم العثور على جثث الكثير منهم.
فيما بدأت فرقة خاصة بالكشف عن المتفجرات في البحث عن ألغام محتملة يكون قد زرعها الإرهابيون في مختلف زوايا المصنع، وقد تم فيما بعد تفكيك قنبلتين تم العثور عليهما بالمصنع.
وتم تشكيل لجنة وطنية لتقييم الخسائر والتي سوف تقدم تقريرها للوزارة يتضمن الاحتياجات المطلوبة من أجل بعث العمل في المصنع من جديد واستئناف الإنتاج.
.
.
طالع أيضا
الحلقة الأولى