-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المرجعية المالكية صمامُ أمان الجزائريين

بقلم: كريمة بداوي
  • 788
  • 3
المرجعية المالكية صمامُ أمان الجزائريين

لا يماري أحدٌ في أن أساطين المذهب المالكي من علماء أفذاذ وإلى جانبهم فقهاء وجهابذة من المذاهب الفقهية الأخرى، قد ساهموا جميعا في بناء تراكم معرفي لم تعرف له الإنسانية نظيرا. ولا شك في أن هذا البناء لم يكن معطى جاهزا ولا صرحا مسبقا، إنما تم تشييده على مراحل وعبر أجيال.

وفي الجزائر، كما في سائر بلاد الغرب الإسلامي، كان الفقه المالكي يمثل المرجع الأول والرصيد الفكري الأوحد المؤطر لجميع مناحي الحياة الاجتماعية. وتزخر مؤلفات المذهب المتمثلة في الشروح والحواشي والتذييلات بفتاوى وأقضية كان لها الأثر البارز في بناء مجتمعات مسلمة مستقرة سياسيا واجتماعيا، تغيب فيها القلاقل الطائفية المذهبية التي ابتليت بها بلادٌ عديدة في المشرق.

مفهوم المرجعية الفقهية:

المرجعية في الاصطلاح الفقهي كما جاء في كتب الفن تأتي بمعنى الأصل الذي يُرجع إليه في علم أو أدب أو شأن من الشؤون، وعندما يُطلق مصطلح المرجعية فإنه يعم الإطار الكلي والأساس المنهجي في المذهب، وكذا المصادر والأدلة التي يعتمد عليها، والأشخاص الذين يرجع إليهم في الشؤون العلمية أو العملية .

وبنسبة المرجعية إلى الفقه الذي هو في الاصطلاح العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية، تكون المرجعية الفقهية إذن هي الأساس المنهجي والاختيار المذهبي، الذي يتم في إطاره تنظيم التعامل مع الأدلة والنصوص وتنزيلها على أرض الواقع.

أسباب الالتزام بمرجعية موحدة:

إن التطواف بين مختلف المدارس والمذاهب الفقهية، قد ينجم عنه الوقوع في أخطاء جسيمة، والخروج بأقوال وآراء غريبة شاذة، قد تكون آراء مهجورة سابقة، أو جامدة مرهِقة لا تعتدُّ بأعراف الناس وعاداتهم، والتعدد والاختلاف بين مختلف بيئاتهم.

كما أن التمذهب الفقهي يمكّن من اعتماد منهجية مطردة في التعامل مع النوازل والمستجدات، ويضمن عدم انزلاق أفراد المجتمع إلى الوقوع في منازعات ومشكلات، بسبب اختلاف الممارسات الفقهية بينهم، وبصيغة أخرى فإن المرجعية الفقهية تدعم التماسك الاجتماعي بفضل الانسجام الذي يعم كافة أطياف المجتمع، لأنه يعدّ نتيجة حتمية وأثرا واقعيا ملموسا لها.

المذهب المالكي مرجعيتنا:

ارتبط المذهب المالكي منذ عهد مؤسسه بواقعية الفقه؛ فقد كان الإمام مالك ينفُر من المسائل المفروضة ولا يلتفت إليها، وإنما يجيب عن المسائل الواقعة.

كما أن أصول المذهب المتعددة، أضفت عليه صفة المرونة والتجدد، والتكيف مع مختلف البيئات، بإيجاد حلول لما استجد من قضايا العصر (كقاعدة سد الذرائع، والمصالح المرسلة، وعمل أهل المدينة، وإعمال دليل المخالف، ومراعاة العرف وما جرى به العمل وغيرها…) مما هو مبسوط في كتب أصول الفقه، وليس هذا موضع تفصيله.

يجزم القارئ المتأني للأحداث بأن ضعف تأثير المذهب المالكي وكذا غياب فقهائه عن الساحة أو ظهورهم الباهت، أدى إلى تسلل أفكار ومذاهب شاذة وغريبة عن مجتمعنا، عصفت بوحدته وأمانه لولا لطف الله سبحانه وتعالى ورحمته. إن حالة الاستقطاب الفكري التي مهدت لما حدث بعدها من أحداث جسام، درسٌ بليغ  يدعونا إلى الحفاظ على مرجعيتنا الفقهية المالكية وإحيائها وأن نعضّ عليها بالنواجذ.

بالإضافة إلى طبيعة المذهب التي تمزج بين الرواية والدراية، وهي عناصر ترفع وتعلي من مقام المذهب، لأنها تؤهّله للتفاعل الدائم مع الأحداث ومواكبة التطورات.

وينبغي الإشارة إلى أن هذه الخصائص، كانت متلائمة ومناسبة لطبيعة المجتمع الجزائري وبيئته، المشابهة للبيئة الحجازية أول انتشاره، وهي طبيعة تنبذ الغموض والتعقيد، وتميل إلى الواقعية والتيسير والاعتداد بالأعراف، وهو ما يفسِّر قوة التحام جميع أطياف أهل الجزائر والتفافهم حول المذهب، كما أن الأثر الكبير لعلماء المالكية وتمسُّكهم بالمذهب ودفاعهم عنه في فترات تاريخية حسمت فتيل النزاع لصالحه، فاستقرّ المذهب المالكي في الجزائر في القرن الخامس الهجري بعد سيادة المذهب الحنفي قبله، كما قضت على آثار ورواسب المذهب الشيعي الموروث عن الدولة الفاطمية.

مخاطر التخلي عن المرجعية المالكية

المرجعية الفقهية الموحدة كما تقدم هي المبادئ الجامعة الحاسمة لكل خلاف في المجتمع، إذ أنها تقوم ببناء وتنظيم شؤونه وصياغة اتجاهاته، لذلك فإن الخلاف حولها يفتح الباب واسعا أمام فوضى المنهجيات المتنافرة التي تجمع تياراتٍ أو مذاهبَ متباعدة.

ولقد كان الفقه المالكي لقرون طويلة مضت عاملا أساسيا في استقرار المجتمع الجزائري، لخلوِّ المذهب من البدع والعقائد المنحرفة الضالة، وكذا مقاومة علمائه وصدّهم لها.

وغنيٌّ عن البيان أن أئمة المذهب المالكي عملوا قدر جهدهم لأجل تنزيل فهمهم للأحكام الشرعية على واقع الحياة العامة، فجاءت الفتاوى والاستشارات العلمية حافلة بالقضايا التي تشغل الناس، وتضمنت حلولا واقعية لها، نذكرعلى سبيل المثال لا الحصر “المعيار المعرب” للونشريسي، و”نوازل مازونة” لأبي زكريا المغيلي المازوني. هؤلاء الفقهاء كانوا صانعي الحياة الاجتماعية قرونا طويلة بكل نواحيها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، ولقد كان لوقوفهم في وجه الاستعمار الفرنسي وتصديهم له بالغُ الأثر في إحياء عقيدة وقيم الشعب الجزائري المناهضة للاستعمار منذ عهد الأمير عبد القادر وانتهاء بجمعية العلماء المسلمين على يد مؤسسيها العلامتين الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي.

وبعد استقلال الجزائر انبرى فقهاء المالكية لمحاربة الأمية بتعليم اللغة العربية، ومبادئ الدين الحنيف، بسبب الدمار الهائل الذي ألحقه الاستعمار الفرنسي بالعملية التعليمية التي أثرت إلى حد بعيد في الشخصية الجزائرية.

قد تحتاج فترة ما بعد الاستقلال والتحديث السريع الذي باشرته الدولة الجزائرية إلى مقالات مفصّلة، تحاول الإجابة عن أسئلة محورية كالسؤال عن سبب الضعف والجمود الذي لحق المذهب المالكي في بلادنا في أيامنا المعاصرة، وعن وسائل تجديده وإحيائه وكيفية الإعداد الجيّد لفقهائه، وعن سبب غياب الشخصية الكاريزمية للفقيه المالكي وهي شخصية كانت دائما تصدح بالحق عبر التاريخ الإسلامي، ولكن لا تنازع السلطة الأمر ولا تدعو إلى الخروج عليها، بل تسلك المسلك التعاوني مع ولاة الأمر.

ويجزم القارئ المتأني للأحداث بأن ضعف تأثير المذهب المالكي وكذا غياب فقهائه عن الساحة أو ظهورهم الباهت، أدى إلى تسلل أفكار ومذاهب شاذة وغريبة عن مجتمعنا، عصفت بوحدته وأمانه لولا لطف الله سبحانه وتعالى ورحمته.

ولا نبالغ إذا قلنا إن حالة الاستقطاب الفكري التي مهدت لما حدث بعدها من أحداث جسام، درسٌ بليغ  يدعونا إلى الحفاظ على مرجعيتنا الفقهية المالكية وإحيائها وأن نعضّ عليها بالنواجذ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • خديجة صيد

    الدولة ملزمة باعتماد و حماية المذهب باعتباره ضمان للسلم الاهلي و الاستقرار الاجتماعي شكرا على هذا البيان المختصر

  • حماده

    الرجوع لمذهب مالك شيء والرجوع للسادة المالكية شيء آخر والرجوع للمتأخرين الذين يدّعون المالكية بعقيدة أشعرية شيء آخر تماما لأن مالك لم يكن أشعريا ولم يكن صوفيا بل كانت عقيدته سلفية قحة ولماذا لا ترجعون للمالكية في إعطاء زكاة الفطر طعاما لا نقدا؟ ولماذا لا ترجعون للمالكية في قص الشارب وإعفاء اللحية؟ ولماذا لا ترجعون للمالكية في تقصير الثياب إلى نصف الساق؟

  • حماده

    لا للتعصب لا للتعصب لا للتعصب لأي مذهب كان