المساجد بدل المحاكم لحل الخلافات
يخوض كثير من الجزائريين المتخاصمين حروبا لا تضع أوزارها إلا باستصدار أحكام نهائية، تقضي بها المحاكم بعد أشواط من الجلسات والاستئنافات والطعون، وقد يستغرق ذلك شهورا وسنوات، لكن ما بادرت إليه بعض المساجد في الآونة الأخيرة بتخصيص قاعات لعقد جلسات صلح قضى على الشحناء والبغضاء وأصلح بين كثير من “الخلطاء” الذين بغى بعضهم على بعض.
يعترف الكثير ممن يلجؤون إلى وساطة أمام المسجد بأنهم تعبوا من المحاكم وإجراءاتها الطويلة، فضلا عن رغبتهم في حفظ سرية خلافاتهم العائلية تجنبا للفضائح، كما أنهم انبهروا بوقع هذه الحلول على قلب خصومهم، حيث ارتضوها لأنفسهم نظرا لحنكة وخبرة ومكانة الأئمة الذين قادوها.
جلستان كافيتان لحل صراع سنتين
أجمع من تحدثنا إليهم من أئمة ومصلحين على أن معظم جلسات الصلح التي يقودونها لا تستغرق منهم أكثر من جلستين وعلى أكثر تقدير 3 جلسات لحل صراعات وخلافات دامت سنتين وأحيانا أكثر من ذلك.
وقال موسى إسماعيل، أستاذ التعليم العالي وعضو لجنة الفتوى في حديثه للشروق “بالنسبة للمشاكل الاجتماعية الخفيفة لا يستغرق الأمر أكثر من جلسة، ننصح فيها الطرفين ونرشدهما إلى الصواب وفي بعض القضايا المستعصية الأخرى يتطلب الأمر جلستين، لا سيما ما تعلق بالخلافات المالية، أما أصعب القضايا التي قد تستغرق 3 جلسات فتخص قضايا الميراث لا سيما المتجذرة منها والممتدة إلى أجيال متعاقبة من الورثة الأصليين على غرار الأبناء والأحفاد”، وأضاف الإمام “تستغرق تلك الجلسات وقتا معتبرا وتكون عادة من صلاة العصر إلى المغرب أو من المغرب إلى العشاء ونادرا ما نفشل في إيجاد الحل”.
وفي السياق، أكّد تواتي كمال، إمام مسجد الإرشاد بالمدنية “نحتاج أحيانا إلى 3 جلسات لفض الأمور العالقة، أمّا ما دونها فغالبا ما تقضى في جلستين لا سيما بعض الخلافات الزوجية أو المشاكل الخفيفة التي تكون نتاج سوء تفاهم أو طيش شباب أو لحظة غضب”.
وأضاف “بفضل هذه الجلسات هناك من كان قاب قوسين أو أدنى من الطلاق وبفضل الله تجنّبه وعاد الزوجان إلى بعضها، فبعد أنّ أخرجها بالضرب من بيته ألبسها الخاتم من جديد وقبّلها ليعيد العلاقة بها إلى سابق عهدها”.
من جهته، سليم محمدي إمام المسجد الكبير بالعاصمة، قال إنه لا شك أن المسجد بقداسته وروحانيته وهيبته يجلب إليه الكثير من المتخاصمين الراغبين في حل خلافاتهم ومعرفة رأي الدين فيه، حيث يرضى الغالبية بما يحكم بينهم في بيت الله.
وركّز الإمام على ضرورة قدوم المتخاصمين أو أحد الطرفين على الأقل طوعا إلى الإمام وأن لا يجعله هؤلاء كآخر ورقة يلجؤون إليها بل على العكس أن قصد المسجد في هذه الأمور من شأنه توفير المتاعب على المتخاصمين وتقليل الكلفة المالية بدل الذهاب إلى المحاكم، موضحا أنه يتوجب على الإمام الاستقطاب العام للمواطنين المختلفين من خلال النداءات المتكررة على المنابر والإشارة إلى وجود جلسات صلح تناقش مختلف القضايا الشائكة تجنبا لأي حرج طالما أنّ الخصوصية والسرية محفوظتان.
الخبرة والحكمة والذكاء شروط أساسية لجلسة صلح مثمرة
من بين أهم الصفات والميزات التي يجب توفرها في الإمام الذي يقود جلسة الصلح هي الحكمة والرزانة والذكاء واستيعاب الجميع وعدم تحميل أي طرف الخطأ.. هذا ما استقصيناه من حديث مختلف الأئمة الذين استطلعنا رأيهم، حيث قال تواتي كمال “يجب أن يتمتع الإمام بمهارة التواصل والإقناع والتحاور وأن لا يكذّب أي طرف ويجب أن يكون ذكيا في الوصول إلى بيوت وقلوب هؤلاء”. وقال كذلك “عمري ما أكذب شخص أو أقول له أحشم أنت غالط.. دائما دائما أحاول فك العقد واحدة تلو الأخرى خيطا بخيط إلى أن يأذن الله”.
وكذلك الخطاب، يستطرد محدثنا “أحيانا يعتقد هؤلاء أننا سنخاطبهم خطابا كلاسيكيا جامدا غير أننا نستعمل الحنكة والذكاء والمرونة والبشاشة ولا أستعمل التشدد في النصح وأختار ألفاظ المحبة والود والإخاء”.
90 بالمائة من القضايا المعالجة في المسجد تجد طريقها إلى الحل
أوضح كمال تواتي، أنّ الضغوطات الأسرية المطبقة عل المتخاصمين هي التي تؤزم الخلافات وتعمقها وتملأ عقول المتخاصمين بأفكار غريبة مسمومة، فهي في الغالب تفرق أكثر مما تجمع وربما طابع جلسات الصلح التي تتم في المسجد وفي سرية لا يحضرها غير الإمام المؤتمن على أقوال الطرفين بعيدا عن أجواء المحاكم هو ما عزز الثقة، قال تواتي “لما يصعب عليّ الأمر أتصل بالأستاذ سعيد بويزري عندما تكون في الأمر جوانب قانونية وتحتاج إلى دقّة الخبرة”.
وختم تواتي، بالقول “اكتشفت أن كثيرا من المشاكل سببها كبار من في البيت، فأعقد المشاكل هي التي يكون الكبار طرفا فيها فالصغار لهم عاطفة غضب قوية لكن الباقي صعاب جدا”.
الميراث والمال والخلافات الزوجية أهم مواضيع جلسات الصلح
تعد قضايا الميراث “مادة دسمة” في جلسات الصلح التي عجزت المحاكم عن إيجاد حل جذري يرضي جميع أطرافها.
وحسب تجربة الإمام تواتي التي نقلها إلينا، فإن قضايا الميراث تتصدر القضايا المعالجة في جلسات الصلح تليها القضايا التجارية وقضايا الطلاق والخلافات الزوجية.
وهو نفس ما ذهب إليه موسى إسماعيل، الذي قال إنّ معظم المشاكل المعالجة هي في قضايا الميراث تتبعها الخلافات الزوجية وقضايا الطلاق والإهمال الأسري، بالإضافة إلى المشاكل المالية بين التجار والشركاء ومشاكل الديون وحتى مشاكل بين الجيران. أما سليم محمدي، فأكد أنّ قضايا الإرث والمال وكذا الخلافات الزوجية والطلاق هي أكثر ما يدفع بالمتخاصمين إلى عقد جلسات صلح مسجدية.
مسجد الإرشاد بالمدنية يقود تجربة رائدة في الصلح
يعتبر مسجد الإرشاد بالمدنية من ضمن رواد جلسات الصلح في العاصمة، حيث يخوض تجربة مثمرة منذ سنوات سبقتها تجربة لإمام المسجد في بلدية الكاليتوس، ويقول كمال تواتي، إمام المسجد “وبعد التحاقي بالإمامة في المدنية كررت المبادرة السابقة التي أطلقتها في الكاليتوس لكن على نطاق أوسع وأكثر تنظيما وأطلقتها بصبغة مسجدية تجنبا لأي حساسيات سياسية أو حزبية”.
ويضيف تواتي “أخبرنا الناس بمدى فظاعة انتشار المشاكل الاجتماعية في المجتمع ومنها الطلاق والخلع ومشاكل الآباء والجوار والوصية الباطلة والمخطوبين والخاطبات وقلنا إنه عوض الذهاب إلى المحكمة نسعى إلى الصلح في المسجد لما له من هيبة وقداسة في نفوس الجزائريين”.
نجاح تجربة مسجد الإرشاد في جلسات الصلح بلغ مسامع أغلب مواطني البلدية وضواحيها وباتوا يقصدونها لفض نزاعاتهم التي رأت طريقها إلى الحل بما “لم يفقد للود قضية”.
وعن هذا، يقول الإمام تواتي “في كل مرة تصلنا رسائل إلى المسجد.. زوجي ضربني، طلقني، هددني، أو زوجتي لا تطيعني أو تخرج من دون إذني.. وبناء عليه نحاول توعية الناس بالقضايا التي مرت علينا وحققت نتائج طيبة وحتى من يرفض التنقل إلى المسجد لحضور الصلح نتنقل أحيانا إلى بيوتهم لإقناعهم بالحق والحمد لله الذي أدخل الفرحة على قلوب كثير من الناس.


