المُخدّرات في أماكن العمل… خطر صامت يهدد بحوادث خطيرة
في الوقت الذي تتزايد فيه الجهود لتحسين شروط السلامة والصحة المهنية داخل أماكن العمل، يظل تعاطي المخدرات واحدا من أخطر التحديات الصامتة التي تهدد حياة العمال واستقرار المؤسسات، ممّا يحتاج إلى نقاش كاف ومعالجة جدّية.
ولا يقتصر تعاطي المخدرات في الوسط المهني على كونه سلوكا فرديا معزولا، بل يتحول سريعا إلى خطر جماعي يمس سلامة العاملين كافة. فالعامل الذي يؤدي مهامه تحت تأثير المخدرات أو الكحول يكون أقل تركيزا، أبطأ في ردّ الفعل، وأكثر عرضة لارتكاب أخطاء قد تؤدي إلى حوادث خطيرة، خاصة في القطاعات التي تتطلب يقظة دائمة مثل البناء، النقل، المصانع، والمناجم.
ويشير البروفسور سعيد فراقة، رئيس مصلحة طب العمل في مستشفى رويبة، وعضو مجلس خبراء طب العمل بوزارة الصحة، أن الكثير من التقارير وشهادات بعض المختصين في الصحة المهنية تؤكد أن نسبة ملحوظة من حوادث العمل الخطيرة تعود لتعاطي المخدرات، وهي أحد أسبابها المباشرة أو غير المباشرة.
البروفسور سعيد فراقة: ضرورة التقليل من مصادر الضغط في الوسط المهني
غير أن غياب الإحصاءات الدقيقة يعود في كثير من الأحيان إلى عدم إجراء تحاليل طبية في الوسط المهني، وبعض الأحيان يتستر المتعاطي، خوفًا من المتابعة القانونية أو من تشويه سمعة المؤسسات.
ضغط العمل… بوّابة نحو الإدمان
وبحسب بعض الأطباء الذين التقت بهم “الشروق” في ملتقى وطني حول الصحة في الوسط المهني بهدف التنسيق بين مختلف القطاعات لضمان سياسة وطنية متكاملة من أجل إعداد المخطط الوطني الاستراتيجي للصحة في الوسط المهني 2026-2030، أكدوا أن ظروف العمل القاسية، مثل الضغط المستمر، ساعات العمل الطويلة، انعدام الاستقرار الوظيفي، وضعف الدعم النفسي داخل المؤسسات، فقد يؤدي في هذه البيئة، ببعض العمال إلى تعاطي المخدرات كوسيلة للهروب المؤقت من القلق والتعب، لتتحول لاحقًا إلى إدمان يؤثر على صحتهم وحياتهم المهنية.
وقال البروفسور فراقة، إن تعاطي المخدرات في الوسط المهني أصبحت ضمن الأمراض المهنية التي لا يمكن أن تؤثر فقط على الفرد، بل على الجماعة، وعلى أداء العمل أو الوظيفة، ويمكن أن تتسبب في تعرض المتعاطي وغيره لحوادث عمل خطيرة، خاصة أن الكثير من المهن تتعلق بالبناء أو المصانع والمناجم، أو التحاليل الكيمائية، وغيرها من النشاطات المختلفة.
مسؤولية المؤسسة قبل العقاب
وتعتمد العديد من المؤسسات مقاربة عقابية بحتة تجاه تعاطي المخدرات، تصل أحيانا إلى الطرد الفوري.
ويرى البروفسور سعيد فراقة، عضو مجلس خبراء طب العمل بوزارة الصحة، أن هذه السياسة، رغم أهميتها في الردع، تبقى غير كافية إذا لم ترافق بإجراءات وقائية، مثل برامج توعوية حول مخاطر التعاطي، وفحوصات دورية للكشف عن تعاطي المخدرات، خاصة بعد إصدار قرار هذا الكشف قبل التوظيف.
وركز في سياق حديثه، عن ضرورة الدعم نفسي واجتماعي للعمال، مع الكشف المبكر والتكفل الصحي، وتحسين ظروف العمل وتقليل مصادر الضغط، فالهدف، بحسبه، ليس فقط معاقبة العامل، بل حماية حياته وحياة زملائه وضمان سلامة المؤسسة.
إدماج العمال المُتعافين بدل إقصائهم
وأوضح محدثنا، أن دور الطب والصحة المهنية، يلعب دورا مهما في الوقاية من ظاهرة تعاطي المخدرات في وسط العمل، وذلك من خلال الفحوص الدورية، التوعية، والتدخل المبكر، مضيفا، أن الأطباء المختصين يمكن مساهمتهم في إعادة إدماج العمال المتعافين بدل إقصائهم نهائيًا من سوق العمل.
وبحسب بعض الأطباء المختصين في طب العمل، فإن تعاطي المخدرات في أماكن العمل ليس مشكلة أخلاقية فقط، بل قضية صحة وسلامة عامة تتطلب تضافر جهود الدولة، المؤسسات، النقابات، والمجتمع المدني، فبيئة العمل الآمنة لا تتحقق بالمعدات وحدها، بل بالاهتمام بالإنسان، جسديا وعقليا.
وقال هؤلاء، إن مكافحة تعاطي المخدرات في الوسط المهني تبدأ بالاعتراف بوجود المشكلة، وتستمر بالوقاية، التوعية، والدعم، قبل الوصول إلى العقاب. لأن سلامة العمل تبدأ دائمًا من سلامة الإنسان.
وللإشارة، فإن الملتقى الوطني حول الصحة المهنية أكد على اعتماد مقاربة وطنية متكاملة تتلاءم مع التحولات السريعة في عالم الشغل وترتكز على التكامل والتنسيق بين وزارة الصحة وباقي القطاعات المعنية لضمان سياسة وطنية متكاملة ومستدامة، قائمة على الوقاية. مع التشديد على ضرورة تعزيز ثقافة الوقاية، الاستثمار في التكوين والتوعية وحماية صحة العمال وتحسين ظروف العمل. والصحة المهنية تشمل الوقاية من الحوادث والأمراض المزمنة، كما تشمل حماية الصحة النفسية والجسدية والحد من المخاطر الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية.