-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جبهة التّحرير الوطني.. ما دَهَاكِ؟

لمباركية نوّار
  • 1287
  • 0
جبهة التّحرير الوطني.. ما دَهَاكِ؟

جبهة التحرير الوطني.. أيتها الملكة البطلة المتوجة بتاج الجلال المحسن بالزمرد الأخضر والعقيق الأحمر.. يا من سطرت ولادتك في الليالي الحالكات، وجئت إلى الحياة متمردة على قوانين المستعمِر العنيد البليد.. ويا من كتبت أجمل قصائدك بزخات الرصاص، ورددت مواويلك مع دوي المدافع وأزيز الطائرات في الجبال والوهاد والسفوح.. ويا صاحبة التاريخ الطويل العريق وربة المجد الأثيل والأنيق.

جبهة التحرير الوطني.. يا سنبلة الغمر الجامعة.. ويا من استطعت أن توحدي تحت جناح برنوسك الأبيض الناصع أشتات شعب فرضت عليه الظروف التعيسة التفرق في أشد الأزمنة التي مرّ بها، وبعد أن ران على القلوب انطباع استحالة جمعه.. ويا من جعلت من تشرذمه وحدة ومن اختلافه وتشعبه توافقا والتقاء.. ويا من كنت أكبر عامل لزرع الوعي والإنقاذ.. ما دهاك؟.. وما أصابك؟.

بالأمس كنت تستوحين أفكارك حتى من العدم، وكأنها ترمى في روعك وحيا، فترسمين بها معالم طريق السير وتلهمين بها أبناءك ومعجبيك والمتعاطفين معك، وتمضين بهم نحو أهدافك وقلوبهم مرتاحة.. فهل جفّ اليوم معينُك واحتقن جريان مائه؟ وهل شح عطاؤك وانقطع؟ يا بنت النسب الشريف ووريثة الحسب الغالي، أي بلوى وقعت على رأسك؟.

من وصم جبهة تشبه الجوهرة النادرة النائمة في قوقعتها، ووردة الصباح الزاهية الندية، وذات القاموس الاستثنائي، من وصمها بالعجز والهوان، والقحولة والجدب، وأفقدها المقدرة على ابتكار شعار انتخابي تنافس به غيرها. فهل أصاب داء الانفصام النضالي عقول من يتولون أمرها، وزرع فيها أورام الضعف ومثبطات الخيبة؟.. أي رزية غادرة نزلت بحمى هذه الجبهة؟.

ماذا جرى لك، يا جبهة التحرير، حتى أمسيت عاجزة عن صياغة أو اصطفاء شعار متوهِّج الشعلة، طاغي المعنى، يملأ العيون، ويغري القلوب، ويغيظ مناوئيك، ويؤلم منكري أفضالك، ويحرك بهجة أوفيائك؟ هلا وجدت شعارا يشفي الغليل في مجرى نهر تاريخك الأزلي؟.

يا جبهة التحرير الوطني.. يا أم الجهادين الأعظمين الأصغر والأكبر، هل جف ضرعك، وهزل عضلك، وضعف عظمك، وخمدت شعلة التفكير في ذهنك، وتلعثم لسانك، وأصبحت مشتتة الفكر، ولا تقتاتين إلا من البقايا والفتات المتساقط؟.

يا جبهة التحرير الوطني التي فرضت الإدبار والركوع على أساطين الفكر السياسي والعسكري في فرنسا، ورددت لهم الصاع صاعين، وفرضت عليهم نكبة النزول واضعين قلانس الهزيمة على رؤوسهم من قصورهم العاجية التي كانوا يهرعون إليها للبكاء والاختفاء كلما خططت خطوة نحو تحقيق النصر.. ما دهاك؟ وماذا أصابك، أيتها المنيعة والعتيدة؟.

من أفتى لك، يا جبهة العز والأمجاد، أن تقتبسي شعارك من كلمات فتى متمرد، قالها بعد أن سكنته نزوة معارضة طائشة مرت مرور سحابة الصيف؟. هل نسي القوم الذين يركبون ظهرك أن كلماته المتذببة كانت خنجرا مسموما في شغاف قلبك، وسما زعافا أرادك أن تتجرعيه بعد أن هفا في خيلاء كلمات غادرة أن يسقط عنك كل أمجادك وما صنعتيه؟ ما دهاك أيتها الجبهة التي سمت سمو النجم في السماء؟ وكيف قبِل هؤلاء الأذلاء الارتشاف من كأس فيها تهديد ووعيد وهجاء لك؟ هل طافت بهم لعنات من سقم، وأصابتهم طعنات من عقم؟.

كيف رضيتم النزول بجبهة التحرير من العلياء إلى الأسافل، أليس اسمُها الخالد مذكورا في نشيدنا الوطني، ويتردد في كل النوادي، ويُتغنى به في كل المناسبات، وينشده الصغار في كل المدارس صباحا ومساء؟ هل عبثت الأيام بجبهة التحرير، واستخفت بها الزمان؟.

هل نسيتم المقطع الخالد الذي تمزِّق كلماته عنان السماء كلما صاحت الألسن وارتفعت الأصوات: “جبهة التحرير أعطيناك عهدا”؟. فأين صون العهد، يا من تدعون حماية العهود والوفاء لتراث جبهة التحرير وإرث الشهداء؟ أين الوفاء، يا من نسجتم شعارا من كلمات غريم لم يهادن أحدا لما قال، وربما بجسم مرتعد وشفاه مرتعشة، قال:

(أيها الحزب الوحيد
أدرك الشيب الصغار
أيها الحزب الوحيد
غزت النار الديار
أيها الجالس كالفقر علينا
أيها الواحد كالقفر فإنّا
نرفض النزهة في السجن والإنجاب في المنفى
أيها الحزب المحجر..
إننا نطلب شيئا واحدا منك: تجدد، أو تبدد، أو تعدّد
فأنا القائل: لا واحد إلا الشعب والباقي زبد
آه، يا أطفال البلد
البسوا أحلامنا الحافية
ثم صيحوا: يسقط القيد وظل الطاغية).

أيها الضالون المضللون، كان يكفيكم أن تعودوا إلى أدبيات جبهة التحرير التي يحقّ لها أن تُكتب بماء الذهب، وتستصدروا منها شعارا مناسبا يموج بالصدق والدقة، والدفء والمحبة، والولاء والوفاء، والصراحة والمكاشفة، وخال من الكذب والمهانة، ومتحلل من الزيف والمراوغة، وتجعلوا من حروفه كلمات سوية منتقاة يجتمع حولها الناس في طوع وطلاقة، ويتفاعلون معها بخواطر طيبة، ويتجاوبون مع معانيها تجاوبا يشغل العقل والروح، فكيف سمحتم لأنفسكم أن تنزلقوا في هاوية بلا قعر، وتسلموا  ظهوركم عارية للجلد بألف سوط وبألف لسان؟.

يا للفضيحة الهزلية، إنه السقوط الحر، إذ كيف تبلغ جبهة التحرير هذا المستوى المتدني من الانحدار والسفه)، هكذا قال لي جبهويٌّ من طينة الكبار، وأردف مواصلا حديثه: (لم تختلج صدري فكرةُ إيداع جبهة التحرير الوطني ركنا من أركان المتحف مثل هذه المرة بعد أن أعيتني قراءاتُ هذا الشعار للوقوف على شيء من المماثلة والتقاطع والتشابه بين ماضي جبهة التحرير وحاضرها.

إن تكلست عقولكم، وعقرت الأفكار فيها؛ فإن في ما تركه بعض من سبقوكم ما يغنيكم عن السؤال كمن يطلب صدقة من كتابات من أساؤوا إلى جبهة الأحرار، والبحث في سطورها عن شبه شعار حتى وإن كان بالأمس سكينا حادا وحاقدا مغروسا في جسمها الناعم.

(يا للفضيحة الهزلية، إنه السقوط الحر، إذ كيف تبلغ جبهة التحرير هذا المستوى المتدني من الانحدار والسفه)، هكذا قال لي جبهويٌّ من طينة الكبار، وأردف مواصلا حديثه: (لم تختلج صدري فكرةُ إيداع جبهة التحرير الوطني ركنا من أركان المتحف مثل هذه المرة بعد أن أعيتني قراءاتُ هذا الشعار للوقوف على شيء من المماثلة والتقاطع والتشابه بين ماضي جبهة التحرير وحاضرها. والتجديد، كما أراه، لا يكون ذاتيا أو وافدا في الحزب، وإنما يجري كسنّة من سنن العمل النضالي من طرف المناضلين المؤهلين الذين يدركون مصالح حزبهم).

إن الشعار الانتخابي هو رسالة وإشارة، رسالة ترغيب وإشارة تحبيب، وهو دعوة فيها ودّ ومحاولة لكسب الولاء والمناصرة، وبواسطته ينفذ الحزب إلى عقول المواطنين فيثيرها ويجذبها عن ورغبة وانقياد، ويقع على قلوبهم، فتميل إليه في حنوٍّ واشتهاء. ولكن هذا الشعار محلّ النقد والطعن، والذي لا أريد ذكره، هو قطعة باردة من صقيع القطب.

قرأتُ في أحد القواميس الجملة الموالية: (تبدّدت شخصيته يعني شعوره بأنه لم يعد هو ذاته، وبأن إحساساته ورغباته وأفكاره غريبة). وإسقاطا، فإن هذا الشعار المسلوب والمعطوب يصلح عنوانا لمن اختاروه، وأما جبهة التحرير الوطني الأسطورة بكنوزها وإرثها وتراثها وعظمة رسالتها فهي أكبر منه.. أيها المتكرمشون عقليا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!