جزائريون يقترضون لاقتناء كباش العيد
يستعد الجزائريون في هذه الأيام لاستقبال عيد الأضحى المبارك، ليكون الشغل الشاغل للأسر الجزائرية هو أسعار الأضاحي والتي تشير مؤشرات السوق إلى أنها ارتفعت في الأيام الأخيرة بشكل رهيب.
وبالرغم من التطمينات الروتينية للحكومة لمحاربة المضاربة وجشع التجار إلا أن الأسعار هذه السنة تتراوح مابين 3 إلى 6 ملايين سنتيم على أقل تقدير للكبش، لكن وككل سنة ومناسبة يسارع المواطنون إلى الأسواق للشراء بالرغم من ارتفاع الأسعار تفوق رواتب العديد من ذوي الدخل البسيط خاصة من موظفي القطاع العام وحتى القطاع الخاص، لتنشأ بذلك ظاهرة جديدة لدى الجزائريين والذين “يشتكون ويشترون”، وهي الظاهرة التي تتكرر في كل المناسبات وعلى مختلف السلع الاستهلاكية؛ ففي عيد الفطر ترى المواطنين يشتكون من ثقل ميزانية شهر رمضان والتي تفوق رواتب أغلب العائلات البسيطة وتدفع بهم للاقتراض، ولكن رغم ذلك لا تجد محل ملابس ولا سوقا إلا وكان ممتلئا عن آخره في الأيام الأخيرة لشراء ملابس العيد، وإن سألت أي أب أو أم عن الأسعار يردّد بأنها “غالية”، لكن السلع تنفد في المحلات بسرعة، ومنهم حتى من يستلف لشراء ملابس فاخرة لابنه ليتباهى بها أمام أقرانه.
وغير بعيد عن عيد الفطر يأتي الدخول المدرسي مباشرة بعد العيد بأيام، لكن نفس السيناريو يتكرر فتجد طوابير على محلات الأحذية والملابس وعلى المكتبات لشراء اللوازم المدرسية، وهاهو الآن عيد الأضحى يقترب ليكون اهتمام الأسر منصبا على شراء الأضحية والتي رغم ارتفاع أسعارها في السنوات الأخيرة إلا أن المواطن الجزائري لم يُبدِ أي استعداد للمقاطعة ولا يزال يتدافع نحو الأسواق للشراء، وطبعا تعمد بعض العائلات حتى إلى شراء لوازم الحلوى وملابس جديدة للأولاد رغم ميزانيتها الضعيفة، وكل هذه الظواهر التي تدخل ضمن الرياء والزيف الاجتماعي للجزائريين والذين أثبت الواقع أنهم يعيشون بإمكانيات أكبر منهم، إلى درجة أن كل جزائري من أسرة بسيطة يملك دفتر “الكريدي” في جيبه ولديه ديون في كل المحلات من المواد الغذائية وحتى مواد استهلاكية أخرى.
الجزائريون يستهلكون أكثر من رواتبهم
وفي هذا السياق يقول الخبير الدولي في الاقتصاد مالك سراي بأن هذه الظاهرة ترجع إلى ثقافة وشخصية الفرد الجزائري غير العادية، والتي تجعله يرتبط بمواقف استهلاكية غير معقولة أحيانا، وهو ما يفسر _ يقول محدثنا- طبيعة الناس الذين يقلدون من حولهم ليجدوا أنفسهم يستهلكون أكثر من إمكانياتهم.
ويرى مالك سراي بأن قضية الجوار تلعب دورا كبيرا في تحديد الثقافة الاستهلاكية، فالآن كل شخص يريد أن يظهر لجاره أنه أقوى من الآخرين وأنه يعيش في رفاهية ونعيم، لكن الحقيقة تبيِّن العكس فتجد الزوجة تصرف أكثر من قدرات زوجها والعكس صحيح.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أشكال الاستهلاك تغيرت بتغير المجتمعات والفرد الجزائري دخل بدون أن يدري في الشكل الجديد للاستهلاك وبدون أن يراقب نفسه، ليجد نفسه ينصاع وراء الأفكار الاشهارية والتسويقية إلى درجة يشتري دون أن يستهلك.
واعتبر الأستاذ سراي بأن غالبية الجزائريين يعيشون في السنوات الأخيرة تحت ثقل المديونية وهو ما يفسر استهلاكهم لبضائع غالية وخاصة في المناسبات مثل شراء اللحم والمواد الغذائية الغالية في شهر رمضان، وكذا اقتناء ألبسة العيد بأسعار غالية وحتى كبش العيد الذي ارتفعت أسعاره بشكل جنوني وفاقت حتى أجور العديد من الموظفين من الطبقة الوسطى، ليقول “لا توجد عائلة متوسطة أو بسيطة لا تعيش تحت ثقل المديونية”؛ فالجزائري الآن يشتري دون أن يأخذ بعين الاعتبار الجانب المادي أو قدرته الشرائية وهو ما يفسر انتشار ثقافة “الكريدي” من المواد الغذائية حتى مواد استهلاكية أخرى كالأدوات الكهرومنزلية وحتى أجهزة الهواتف النقالة والألبسة.. وحتى كبش العيد أصبح يشترى بـ”الكريدي” بغض النظر عن الجانب الديني الذي لا يقبل ذلك.
وكشف مالك سراي بأن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن العامل البسيط، وليعيش عيشة عادية، من المفروض أن يتقاضى من 25 ألف حتى 28 ألف دينار جزائري شهريا، والتي لا تكفي حسب مؤشرات السوق لمصاريف الأكل والتنقل والأشياء الضرورية فقط دون ذكر بقية المتطلبات، ولكن إذا أراد أن يعيش بإمكانيات متوسطة فيجب أن يكون أجره على أقل تقدير مابين 40 ألف دينار حتى 45 ألف دينار، ليقول إن المشكل كله في الأجور التي يجب أن تتغير وفقا للمعايير العالمية ليستطيع الجزائريون العيش بكرامة.
الجزائري يستهلك لتحقيق وجوده الاجتماعي
ومن جهته، علّق أستاذ علم الاجتماع يوسف حنطابلي على الظاهرة قائلا “القضية ليست قضية استهلاك بضائع وقدرة شرائية بل إن الاقتناء والشراء لدى الفرد الجزائري مرتبطٌ بأيام ومناسبات عندها ميزتها الاجتماعية التي تطغى على قدراته المالية”، ويضيف في هذا السياق “المجتمع الجزائري يعتبر من المجتمعات التي يكون تحقيق الوجود الاجتماعي فيها من الأولويات وأكثر من أي شيء آخر”، وأشار محدثنا إلى أن هناك مواسمَ يشعر فيها الفرد أن لديه قيمة اجتماعية لتحقيق وجوده وهي التي تتزامن مع الأعياد الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى وكذا المناسبات الدينية مثل شهر رمضان، وبالتالي إذا امتنع على الشراء والاستهلاك فيها بسبب ظروفه المادية فسيرى نفسه ناقصا وسيشعر أن قيمته الاجتماعية متدنّية.
ويرى الأستاذ حنطابلي بأن الاستهلاك لدى الجزائريين تحوَّل إلى طقوس وعادات فنجد في عيد الأضحى ضرورة شراء كبش العيد تحولت إلى عادة وطقوس استهلاك اللحم بالنسبة للعائلة الجزائرية والذي لا يكون إلا في العيد بالرغم من أنه في الإسلام “الأضحية لمن استطاع”، لكن قوة الخطاب الاجتماعي أقوى من الخطاب الديني لدى الجزائريين والذين يرددون عبارة “نذبح لأجل الأطفال” ليكون الأشكال الذي يطرح نفسه “يشتكي ويشتري” ولذا _يقول الأستاذ- فالشراء لدى الجزائريين يرتبط بالقيم الاجتماعية أكثر من أي شيء آخر، ليصبح المشكل في ذهنية الفرد الجزائري ليس مشكلا ماديا بل مشكلة إثبات وجود اجتماعي ما يدفع بالكثيرين للاقتراض لشراء المواد الغذائية واللحم في رمضان ولاقتناء ألبسة العيد وحتى شراء الأضحية وإن تعد ثمنها الراتب الشهري.