حمّى “الريفيون” تجتاح البيوت و”البابا نوال” حاضر بقوة
ساعات معدودات وتحل علينا السنة الميلادية الجديدة، والغريب أن بعض الأسر الجزائرية أصيبت بحمى أعياد الميلاد، فهي تسابق الزمن للتحضير ليوم الاحتفال، ولن يقتصر الأمر على إعداد الحلوى و”الرشتة” بالدجاج و”الدْراز” كما تعوّد أسلافنا، فاحتفال بعض العائلات هو نسخة طبق الأصل عن الاحتفالات الغربية، والدليل على ذلك، ما تعرضه كثير من محلات بيع الورود والحلويات ومراكز التسوق الكبرى من منتجات “البابا نوال” بالعاصمة والمدن الكبرى…
فشجرة الميلاد المزينة بالأضواء، معروضة في أكثر من محل بالعاصمة، فشاهدناها بحي “الكالفار” بالقبة ووسط بلدية حيدرة وبشارع ديدوش مراد، وداخل مركز التسوق بباب الزوار، فيما تلقت المخابز عشرات الطلبات لإعداد كعكة الميلاد “لابيش”، إلى درجة أن مخبزة بالعاصمة ولكثرة الطلبات التي تلقتها، علّق صاحبها لافتة على باب محله مكتوبا عليها: “لا أعدُّ كعكة الميلاد لأنني مسلم”، وآخرون عوّضوا لحم الدجاج بـشراء “داند” كبير، سيزينون به مائدة الاحتفال على غرار المسيحيين، ويتبادلون أثناءها الهدايا، فكيف يقرأ علماء الاجتماع والأئمة هذا التحول في سلوك الجزائريين؟
في الموضوع، أكدت أستاذة علم النفس الاجتماعي، زهرة فاسي لـ “الشروق”، أن ظاهرة احتفال الجزائريين بأعياد الغرب، لم تقتصر على السنة الجديدة فقط، فبعدما “اختلط الحابل بالنابل” صرنا نحتفل بـ “الهالوين” وعيد الحب “سانت فالونتان” وعيد الألوان، وهي جميعها أعياد بعيدة كليا عن أصول وتقاليد وديانة الجزائريين، والغريب أنهم يحتفلون بها بكل تفاصيلها الدقيقة، والسبب في ذلك هو نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية، فالتعب النفسي والفراغ الروحي والروتين الذي يتخبط فيه البعض، وانفصال الأسر عن بعضها في المسكن، تجعلهم يستغلون أي فرصة للالتقاء والفرح والبهجة، حتى وإن كانوا غير مقتنعين بها، وكما أن العولمة جعلت العالم قرية صغيرة، فانتشار الأفلام الغربية، والمسلسلات التركية، والحصص والبرامج التي تشجع هذه الاحتفالات، مع استعمال الغرب تقنيات الإبهار والإغراء للترويج لأفكارهم وطقوسهم الدينية، عبر مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، يقع ضحيتها كثير من الجزائريين، على حدّ تعبيرها.
كما ترى المتحدثة أن الوجود الكبير لجاليات أجنبية بالجزائر مؤخرا، وبخاصة الصينية منها، أسهم في انتشار مثل هذه الاحتفالات.
ومن جهة أخرى، يؤكد إمام مسجد الفتح بالشراقة محمد الأمين ناصري، وجود نوعين من الاحتفالات في بلادنا، منها احتفالات تمارسها العائلات على أساس العادة، ويتعلق الأمر مثلا عند الاحتفال بدخول السنة الميلادية أو بـ “يناير” فيعدون طبقا معينا، كـ “الرشتة” أو الكسكسي، ويلتقي الأقارب والأصدقاء في منزل واحد لتبادل الفرحة والهدايا، فهذا النوع من الاحتفال، يقول ناصري: “إذا لم يتضمن ما ينافي الشرع من سلوكات خارجة عن الضوابط الشرعية، كشرب الخمر أو السلوكات المحرمة، فهو جائز شرعا”، أما إذا كان الاحتفال على أساس العبادة، والقيام بالطقوس المسيحية، وعلى أن المسيح هو ابن الله، فهذا محرم شرعا.
ويتأسف الإمام لظاهرة تقليد الغير التي صارت غاية لدى بعض الأسر، وحسب تعبيره: “يقلدون الغرب فقط في الأمور السلبية كالاحتفالات والمجون وشرب الخمر، فلماذا لا يقلدونهم في أمور تنفعهم وتنفع غيرهم، مثل تنظيف الشوارع، احترام الجار، تقديس العمل، حسن استقبال المرضى في المستشفيات… فحتى المسيح عليه السلام لا يقبل المجون في الاحتفال بمولده”، معتبرا أن البعد عن الدين وعن تعاليم الإسلام، هو ما يحول الأنظار إلى مثل هذه الاحتفالات “الماجنة”.