حُجَّاج يُهدرون الملايين للاحتفال بعودتهم
بدأت العائلات في مختلف أصقاع العالم الإسلامي تستقبل الأفواج الأولى من حجيجها القادمين من البقاع المقدسة، وقد جرت العادة أن يقيموا الحفلات والأفراح وتتم دعوة الأقارب والأحباب لمشاطرتهم الأجواء الاحتفالية فرحا بقدوم حجيجها سالمين من بيت الله الحرام بعد تأديتهم الركن الخامس من الإسلام. وكغيرهم من المسلمين، تحظى هذه المناسبات بأجواء خاصة عند الجزائريين فيجتمعون حول الطعام والذي يسمى “النقيعة”، ويتبادلون أحاديث في ذكر الله ووصف بيته الحرام وقبر نبيِّه الكريم لمن لم يتمكن من زيارته، كما يتم تبادل الهدايا. غير أن هذه المظاهر مؤخرا طغت عليها الماديات، فأصبحت عائلات الحجاج تتكلف وتلجأ إلى التبذير والإسراف في محاولة منها لإبراز مظاهر الترف والرفاهية.
يختص الحجاج بحفلات واستقبالات مباشرة بعد قدومهم من بيت الله الحرام، وهي المناسبة التي يبدأ الاستعداد لها منذ يوم النحر أي يوم العيد الأضحى، فتقوم العائلات بتزيين المنزل بعد غسله أو طلائه بالأضواء والأشجار إعلاناً بأن في البيت حاج، وإن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام مثل هذه الأفعال، وكان الفقهاء قد أجمعوا على “كراهتها” كونها “بدعة محدثة” وفيها “شبهة الرياء وإسراف المال”، فالحج من العبادات الخفية التي يجب عدم إظهارها، لكنها تعرف انتشارا كبيرا في مجتمعنا وفي زمننا هذا، فتذبح الذبائح ويدعى كبار العائلة وصغارها لـ”النقيعة” وهو الطعام الذي يُقام عند القدوم من السفر التي تكون على شرف الحاج الذي يعود سالما إلى أرض الوطن، زيادة على الحلويات والمشروبات التي تقدّم للضيوف، وهو ما يعتبره الحجاج وعائلاتهم عادة متأصلة لا يمكن الاستغناء عنها.
حيث تصرح “ف. مريم” قائلة: “لقد سافرت والدتي لأداء فريضة الحج رفقة شقيقي الأكبر في هذه السنة، وأنا أنتظر عودتهما سالمين إلى أرض الوطن بفارغ الصبر كي أقيم احتفالا كبيرا أدعو إليه جميع الأقارب، وقد حجزت قاعة حفلات لأطعمهم فيها نظرا لضيق منزلنا، وهو أمر عادي فالجميع يحتفل بهذه الطريقة كما سأجلب فرقة مختصة في الأناشيد الدينية والمدائح كي تكون حفلة كاملة، وقدمت طلبية حلوى بالجوز واللوز”. مستطردة “لا يوجد حكم شرعي يمنع الاحتفال بعودة الحجيج خاصة وأنهم كانوا محرمين وقد ابتعدوا عن أمور الدنيا، فالحفل الذي ستقيمه سيكون خالصا لذكر الله والطعام صدقة”.
في حين أوضحت “لامية” أن بعض الحجيج أصبحوا يقيمون الحفلات من أجل التفاخر والتباهي، فهم يملكون المال واستطاعوا زيارة بيت الله الحرام، لذا لا ينفكون في المجلس يعدّون عدد الأضاحي التي نحروها والمصاريف التي صرفوها، حتى في الهدايا يميزون بيننا فتجدهم يمنحون بعض الأقارب ماء زمزم، المسبحات وزرابي الصلاة، بل حتى هناك من يهدوهم الذهب. وتضيف لامية: تصوَّري عندما ذهبت حماتي وزوجها إلى الحج جلبت الذهب والملابس لبناتها ووزعتها أمامنا، بينما منحتني أنا والكنة الأخرى القليل من الحناء وخمارين فقط.
من جهته، اعتبر “عبد الله” هذه الاحتفالات والمجالس “مجالس لغو ونميمة”، ففيها ينشغل الحجاج رفقة المدعوين وبالأخص النساء في الحديث عن بعضهن وعن ثيابهن فيهدرون حسناتهم حتى أنك تخالهن في حفل زفاف وذلك يبدو من خلال ثيابهن وترددهن على الحلاقة والزينة التي يضعنها، مواصلا “لقد منعت زوجتي من ارتياد هذه المجالس ففي كل مرة تريد شراء فستان جديد بألف دينار أو عباءة ب 5 آلاف دينار لحضور حفل سلامة أحد أقاربها، إنها مجرد مصاريف زائدة ومظاهر نسوية لا أكثر ولا أقل”.
وكان جمهور العلماء قد أكدوا على أنه لا بأس بالاحتفاء بالحجاج عند أدائهم فريضة الحج وتبادلهم الهدايا والتهاني، لأن ذلك يشجع غيرهم على الحج ولكن من الضروري جدا الابتعاد عن التبذير والإسراف الذي نهانا ديننا الإسلامي عنه في مثل هذه المناسبة أو غيرها، لقوله تعالى: “ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين” الأنعام 141. وقال تعالى: “إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين” الإسراء 27، فيجب أن تكون الوليمة بقدر المدعوين، وهي محبذة من الناحية الشرعية والاجتماعية إذا تم الالتزام بأحكامها لكونها تقوي روابط المحبة وتزيد صلة الرحم بينهم.