دور علمائنا المهاجرين في بناء برامج التدريس
وضعُ مناهج جديدة للمدراس في مراحلها الثلاثة؛ شأنٌ تربوي اجتماعي، يشغل المجتمع بكل أطيافه وطبقاته. يلاحَظ في هذه المرحلة المرتقبة قلة المساهمات فيه، من خلال بوابات الإعلام الوطني التقليدي على وجه الخصوص.
تنوعت الإسهامات بين العموميات والانطباعيات والبكائيات، والخبرات الرصينة ذات الإضافات الحصيفة، وبين إسهامات “التحليل النهائي”. ومن القضايا المشتركة بين المساهمات: حجم البرنامج الحالي، وإدخال العنصر التكنولوجي.
كما بنى كثيرٌ من أفاضل المعلمين والأساتذة إسهاماتهم على رؤى من بنات أفكار وحِكَمِ واستنتاجات وخبرات المسار المقدس قداسة العلم ورفعة أهله. وهي المساهمات التي يجب الإصغاء إليها بالجد والفطنة المتناسبة مع الطبيعة الميدانية التي صدرت عنها، والإنسانية الفريدة في نوعها من العلاقات الاجتماعية الأخرى. والحفاظ على مركزها الرئيس في أي مشروع بناء أو تجديد البرامج التعليمية.
من البديهي القول إن ذاك البناء الخطير ، عمل هيئات ولجان على أعلى مستويات الخبرة العلمية المتخصصة، والميدانية الواعية. يمنع بطبيعته أسلوب “الكلمات الأخيرة” و”الفتاوى الجازمة”. في إطار هذه البديهية، يُلتفت للأفكار والمقترحات والإسهامات التي تدرك منزلتها ودورها. أضرب مثلًا لها بمقالات الدكتور أبو بكر سعد الله في “الشروق” التي يطرح عبرها عناصر في التجديد والبناء، بمنهجية علمية، وخبرة مكينة، ومعرفة موثوقة، ومقارنات مفيدة، ونقد علمي بناء.
ونود لفكرة المقال أن تكون على هذا السَّنَنِ الحكيم، ينطلق من معطيات وطنية في الثروة البشرية المعرفية، يعيها أبناء الجزائر قاطبة؛ فإذا كنا قبل عقد التسعينيات نتلقى أخبارا مجملة عن وجود باحثين وعلماء وعقول مهاجرة في مراكز البحث والعلم في الغرب، فقد انبهر المواطن لمّا عرض التلفزيون الجزائري حصة فريدة من نوعها؛ حينما أنتج المخرج الكبير ، صاحب الأفلام الوثائقية الكبرى السعيد عولمي “بلاتو” حضره نخبة هائلة من تلك العقول الكبيرة، تحدثوا عن أعمالهم ومشاريعهم العلمية، وأبدوا استعدادا كبيرا لإفادة الوطن بها، فكانت تلك إشراقة أمل بهيج هزت المشاعر والعواطف الوطنية، وعززت أحلام الفرص المواتية لبعث نهضة علمية بحثية وطنية يشارك فيها أبناء الجزائر الباحثون والطلاب في الداخل والخارج.
المتوقع من العقول المهاجرة أن يستثمروا خبراتهم وإقامتهم بالغرب من بوابتي: الممارسة العلمية الأكاديمية البحثية والتعليمية المباشرة وغير المباشرة من خلال تواصل المسارات بين التعليمين الجامعي وما قبل الجامعي. والروح التي تطبع العلائق بين المرحلتين بحسب الأنظمة والتقاليد، ومن البوابة الاجتماعية من خلال دراسة أبنائهم في مدارس دول إقاماتهم، وما تستدعيه من اطِّلاع واحتكاك بأنظمتها التدريسية.
لكن فيما أذكر، والله أعلم،أننا شهدنا بعده أعمالا تعرض تطورات هذا الكنز الفريد في مراكز العلم والبحث والابتكار في العالم من أبناء الجزائر ، إلى أن بزغت في بعض قنواتنا الوطنية الخاصة والعمومية برامج زاخرة بالتعرف على عقول جزائريين في تلك المراكز على تنوع تخصصاتهم، وجَمّ ابتكاراتهم، وسمو منازلهم فيها.
أحسب أن كثيرا من المتابعين تمنّوا أن يكون لهؤلاء العلماء والباحثين الأكفاء أيادي على التعليم في الجزائر . فقد طافت بفكري منذ أشهر فكرة بهذا الصدد، وللأمانة العلمية أنوه بالإشارات المفيدة التي وَجَّه بها الدكتور سعد الله للاستفادة من عقول باحثينا المهاجرين في إعادة بعث برامج تدريس جديدة.
إذن الفكرة المطروحة هي المبادرة لوضع مشروع بناء برامج التعليم بين أيديهم وأيدي صفوة من إخوانهم وأخواتهم من الباحثين ذوي الصلة في الوطن؛ من المزاولين للمهنة المقدسة في الجامعات والذين تقاعدوا، ونخب مختارة من أفاضل المعلمين والأساتذة والمفتشين والمستشارين التربويين والنفسيين والاجتماعيين الذين أشرفوا على التلاميذ في مدارسهم.
المتوقع من العقول المهاجرة أن يستثمروا خبراتهم وإقامتهم بالغرب من بوابتي: الممارسة العلمية الأكاديمية البحثية والتعليمية المباشرة وغير المباشرة من خلال تواصل المسارات بين التعليمين الجامعي وما قبل الجامعي. والروح التي تطبع العلائق بين المرحلتين بحسب الأنظمة والتقاليد، ومن البوابة الاجتماعية من خلال دراسة أبنائهم في مدارس دول إقاماتهم، وما تستدعيه من اطِّلاع واحتكاك بأنظمتها التدريسية. يُتوقع أن تأتي إسهامهم -بحسب تخصصاتهم- على المستويات الآتية: المحتويات والأساليب والمهارات والوسائل.
وماهي خصوصية هذه المساهمة المتوقعة؟ يمكن رصدها من خلال الآتي:
1. كشفت الحوارات الممتعة الشيقة مع الأدمغة المهاجرة عن عناصر عالية القيمة في موضوعنا أبرزها:
أ. أغلبهم تخرجوا في المدرسة الجزائرية أو الجامعة الجزائرية. وأثرُ هذا العنصر سيكون من خلال استحضار الخلفية التربوية والتعليمية الجزائرية لديهم في مساهماتهم، عند الانتقال والنقل والفرز والتمحيص.
ب. سيكون لهذا أثرٌ جوهري في تكييف البرامج مع الخصوصيات التربوية والاجتماعية والنفسية للتلاميذ الجزائريين.
جـ. تفادي النقل الأعمى المباشر للبرامج المصمَّمة خصيصا لبيئتها؛ أي كسر حاجز كبير أرَّق الفكر العربي، وهو معادلة النقل عن الغرب وفق الخصوصيات الحضارية للمجتمعات العربية. إن من شأن هذه المبادرة، إن سارت بحكمة ودراسة متأنية، أن تنقلنا نقلا آمنا.
2. كشفت المحاورات أيضا عن الارتباط الشديد بالوطن والأسرة والدفء الاجتماعي والأسري الجزائري.
3. كشفت أيضا عن أصالة مذهلة لدى إخواننا في مختلف وجوهها: الارتباط الاجتماعي الشديد بالبيئة الاجتماعية، وخاصة مسقط الرأس، أما الأسرة فتحظى لديهم بمشاعر جيَّاشة، وأخلاقيا البرّ بالوالدين في أنبل وأرقى صوره. وهذا الارتباط غير منكور أثره في التحوط في النقل، وبذل أقصى الجهود لنجاحه.
4. من أبرز المواصفات أيضا الالتزام الديني المعتدل المتوازن، والرقي الأخلاقي.
إذن هذه الخصوصيات سيكون لها الدور الجوهري في التعاطي مع البرامج التعليمية في مختلف بيئاتهم، فتتحرى تكييفها ما أمكن مع الخصوصيات الثقافية والنفسية والقيمية والدينية والتاريخية لمجتمعها الأصلي، فنربح بهذا عاملا وقيمة مضافة عالية الأهمية في البيئة، والخلفيات المتوارية وراء البرامج التعليمية في بيئتها الأصلية، وخلفياتها الحضارية. يضاف لما سبق أن كثيرا من علمائنا الآن في تواصل تعليمي وإشرافي وبحثي مع جامعاتنا ومخابرنا ومؤسساتنا الاقتصادية والصناعية، مثل اتفاق شراكة وتعاون بين الديوان الوطني للبحث الجيولوجي والمنجمي (ORGM)، والبروفيسور كريم زغيب، الخبير الدولي، الذي كلفه السيد الرئيس بمسؤولية إنشاء في مجال بطاريات الليثيوم، حديد، فوسفات (LFP) وتخزين الطاقة. ومعهد نوميديا للتكنولوجيا للعالم صاحب 1500 اختراع، بلقاسم حبة.
ما هي الأركان التي ستُأسس عليها مساهماتهم؟ هي:
أ. المواد التدريسية بتفاصيل محتوياتها، حسب جدواها للرؤية الوطنية، مع مراعاة استهدافها الثروات الوطنية الطبيعية والبشرية.
ب. طرائق التدريس ومهاراتها، وأشكال الاختبارات ومتطلبات الانتقال وكيفياته وهكذا…
جـ. الوسائل التعليمية.
وأحسب أنّ شخصية أكاديمية مرموقة مثل الدكتور مصطفى عشوي حريٌّ أن يولى رئاسة اللجنة المذكورة؛ نظرا لمؤهلاته البحثية والعلمية، وتنوع تجاربه في التدريس بالجامعة الجزائرية ثم بجامعات عربية وإسلامية كبرى، فضلا عن تخصصه الدقيق، واستمرار عطائه الآن في المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي.