-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رحلة مرّبية في الحج والعمرة مع والدي المغفور له

الشروق أونلاين
  • 3389
  • 0
رحلة مرّبية في الحج والعمرة مع والدي المغفور له

حججني أبي فقال لي في كتاباته:من بين الأشهر الحرم التي كرمها اللّه في كتابه الكريم شهر ذي الحجة، أقسم الله بعشر ليال بهن في محكم التنزيل “والفجر وليال عشر”.قال لي والدي طيب الله ثراه؛ يا بني “رأيت رؤيا، سمعت أذانا لم أسمع مثله قطّ في أرض بطحاء فاستغفرت الله مرات ومرات واستخرت الله وقلت في نفسي وكأنني في يقظة والله ما هذا النداء إلا نداء إبراهيم الخليل فالتفت خلفي فوجدتك تمشي رويدا فقلت هذا هو صاحبي وخادمي في البقاع المقدسة” انتهى كلامه.. وما إن بزع فجر اليوم الموالي قصّ علي الرؤيا، قائلا لي ستكون مرافقا لي في حجي وعمرتي إن كتب الله، ويسافر معنا حامل القرآن إمام الزاوية منذ سنة 1951 إلى سنة 1991 الشيخ الفقيد الوحشي بن ثامر وكذا أحد المريدين كان يبكي شوقا إلى زيارة البيت الحرام السيد عطية العربي من دالي إبراهيم بالعاصمة.

قال في كتاباته استعد واتخذ الإجراءات اللازمة القانونية لأن الأمر قد حان، ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه خبرا وأمرا وذكرا فأطعت أمره، ثم قال متردفا إنني أنوي الحج عن شيخي سيدي بلعموري وأتباعه من المريدين واليتامى والمساكين وأنت ستحج عن نفسك وانو العمرات لأحبة المقام وصلة الأرحام وأوصيك بتقوى الله سرا وعلانية واستفتح بالذي هو خير قول الله “فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج” الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وكان ذلك بمثابة أمر مطاع من والدي وحكم نافذ ومقرر في نفسي لا أفارقه ولا أقول كلمة “لا” ولا أعرفها في قاموس مذكرتي.

قال في كتاباته عاهدت الله والرسول ومشايخي ألا ينقطع صوت الحق في الزاوية وإطعام الطعام للطلبة والفقراء وهذا سر بيني وبين الله، وتلاوة القرآن حزبا راتبا.

قال اسمع يا بني الفرق شاسع بين هذا وذلك هذا الركن الخامس في الإسلام والكعبة المشرفة والبيت الحرام والروضة الشريفة، أشرف من أي شيء في الوجود.

لأن الحج هو الانطلاقة السريعة للإسلام يجذب المسلمين من كل فج عميق بأجسامهم وأرواحهم وقلوبهم يجذبهم إلى نور الحق الرباني متعارفين متعاهدين على النية الصادقة بالبر والتقوى.

يا بني لا تظن كما يظن ضعاف النفوس أن الحج أمر ثانوي أنسيت قول رسول الله “تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب.. وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة”.

حان موعد شدّ الرحال في رحلة الطهر والعبادة وقال في كتاباته “كن لي صاحبا” فأدركت المعنى واللبيب بالإشارة يفهم، بدأ  بدعاء السفر “سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والولد”.

استوفت قافلة الحجاج صعودا، بدأ يتلو القرآن مطأطئا رأسه، يواصل، يستغفر، يلتفت إلي شارحا لي مناسك الحج، يوصيني بالصبر وعدم الاشتغال بالدنيا، يا بني إنها رحلة الحق مربية، يروي لي حجته الأولى سنة 1964 كيف كانوا يطوفون فوق الحصى وكيف يمكنك أن تحصل على شربة ماء زمزم من البئر الحقيقي بالدلو وسط الجموع الزاحفة من ضيوف الرحمن، يستغفر يواصل تلاوة القرآن يقول لي هذا مطار الحجاج جدة عروس الحرمين الشريفين، نزول الحجيج في لطف وتراحم رباني لا فرق بين هذه وذاك التوجه يا ولدي إلى زيارة المدينة المنورة طيبة المطيابة مقام المصطفى الأمين والروضة الشريفة، مرتع الصحابة، البقيع، مسجد قباء، المساجد الأثرية حط الرحال واتبعني لأداء صلاة الفجر وتوجه صلى ركعتين في الروضة الشريفة وكنت حارسا له مخاطبا إياي قول رسول الله “ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة” ثم يتوجه صوب مقام المصطفى داعيا والدموع تنهمر من عينه المتواضعتين، يسلم على رسول الله قائلا وداعيا ألا يخيب مقصدنا وعهدي بك بالعودة، كن يا صاحب الشفاعة كفيلا لليتامى اشفع لأمتك اشفع لطلبة أنوار القرآن بالزاوية العمورية والأحبة والجيران والأهل وصلة الأرحام وللمسلمين كافة، يتنحى قليلا يسلم على أبي بكر صاحب رسول الله وخليفته ثم الفاروق ابن الخطاب “لو كان نبي بعدي لكان عمر” يستدير ويخرج متوجها صوب البقيع يسلم على فاطمة الزهراء ريحانة رسول الله وأنا أؤمن بعد دعائه يتجه لزيارة مسجد قباء ومسجد القبلتين والمساجد الأثرية ثم مقام حمزة أسد الإسلام بجبل أحد “جبل أحد يحبنا ونحبه” وكلما زار مكانا مقدسا إلا وشرح لي قصة ذلك المعلم المقدس. وقال لي في كتاباته “أوصاني والدي لا تنس إذا كتب الله لك الحج أمانة كل من أوصاك واستوصاك بالدعاء المستجابين”.

يتذكر وصايا والده كن وفيا نقيا طاهرا صادقا فما رأيته يتأفف أو يطلب شيئا من أمور الدنيا يتذكر الإخوان والطلبة يقول لي كنت شاهدا ما قصرت طرفة عين من وصايا والدي، هنا يتذكر جده الحاج حماني دفين منطقة الينبوع أشهد يا بني فيما تكتب من أمانة الكتابة أن تتقي الله فيما تشاهد فليس من المعقول أن يكتب الكاتب فيجره قلمه ليرضى شهوة رياء أو يسعى إلى هدف على حساب أمانة الكلمة، فالحكمة تقتضي أن تكون مخلصا يجنب قلمك مفاسد طرق هوى النفس مصداقا لقوله تعالى “فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه”، وقوله تعالى “نون والقلم وما يسطرون”.

يا بني أقسم بالله بالقلم لما فيه من إظهار الحقيقة ونشر أمانة الكلمة بين الناس على مدى مرور الأزمنة والزمان.

يا بني أوصيك والوصية للجميع ممن له قلب أو ألقى السمع عليك بحسن الأخلاق والخلق وحسن الأدب والتواضع فأهل الإصلاح صفتهم السكون والوقار لأن الانفعال والحماقة والنميمة تولد الفتنة وإياك وقطع صلة الأرحام فستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ثبتك الله على النية الصادقة والقلب الرحوم والسريري الصافية إذا ضاق عليك أمر فقل يا الله وستحكي لك الأيام بعد الممات وهذا حتم مقضي عليك بالعقل والتعقل ودع من يبغضك في خوضهم يلعبون ولله عاقبة الأمور رويدك يا بني كتبت لك فاثبت على اليقين دون تفضيل ولا تفاضل لا فخر ولا تفاخر مصداقا لقوله تعالى “لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا”.

ألا وإن أوقات الحج لا تضيع وسامية فيما يفيد ويكسب التوبة النصوح، فقد أضل المجادل حيث أزمنة العمر ضائعة، وما أشد غفلة عن كسب ما يسعده في أوقات السعادة والرضا، يا بني المراء يميت القلوب ويورث الضغائن وذلك سوء العواقب، الإسلام سلام وخير ورفق ولين، يا بني رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم، نعم القول من والدين في نصائحه وكتاباته.

ومن عجيب المتاعب المريحة نفسيا وروحيا في رياض الحرم المدني كانت سريعة الزوال سليمة المآل ظلت روضة الرسول راسخة في أفئدتنا دروسها تربية روحية ربانية طيبت القلوب من قسوتها كما روى أبو الدرداء “أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه قسوة القلب فقال له النبي الأكرم إن سَرّك أن يلين قلبك فامسح برأس يتيم”.

تهتز الأشواق إلى الحرم المكي بأم القرى للكعبة المشرفة يترادف الحجيج حتى مكان الميقات أبيار علي، الاغتسال نية الحج، ركعتين، ثم التلبية لبيك اللهم لبيك، حتى مشارف مكة المكرمة، وحط الرحال وطواف القدوم حسب نية الحاج متمتعا، قارنا، حاجا، حتى بلغ موعد يوم التروية إحرام وتجرد من الخيط والمخيط ثم التوجه إلى منى والمبيت بها إلى الفجر، عملا بسنة المصطفى، حتى محطة الحج الأكبر عرفات، مصداقا لقول رسول الله “الحج عرفة”.

المهم يا بني عرفات كلها موقف يستجاب فيها الدعاء فكلنا اليوم سواسية، لباس موحّد وواحد، تشهد واحد، تلبية واحدة، وهذه يا بني هكذا يوم المحشر بين يدي الرحمن، حاسب نفسك وكن على يقين بربك ثابتا على نياتك اطلب رضا الله ورضا الوالدين.  تذكر يا بني قول رسول الله “حين أتاه جبريل قال “يا معشر الناس أتاني جبريل، فأقرأني السلام وقال إن الله غفر لحجاج عرفة وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التبعات” إلى أن قال صلى الله عليه وسلم “هذا لكم يا أصحابي ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة”.

ثم أمرني والدي بالأذان للصلاة ظهرا وعصرا قصرا جمع تقديم، وتقدمت لإمامة المصلين الموجودين في تلك الخيم، ثم تقدمنا رويدا رويدا حتى وصلنا جبل عرفات فأمرني بقراءة دعاء عرفة تحت الحرارة الشديدة في مدلولها الرحمة في نسماتها الربانية حرارة الإيمان تتجلى فينا والدموع تنهمر مدرارا من كل صوب تسمع شهقات البكاء على ما مضى من حياة خلائق الرحمن وعندها بدأت قوافل الحجيج تقترب من الحدود المشروعة والمعلومة للخروج من عرفات وكادت الشمس تميل نحو المغيب متى غاب القرص، فكانت أفواج ضيوف الرحمن تتزاحم في سكينة وخشوع والتسارع المغشى بالعطف والحنان حتى بلغنا المزدلفة فتقدمت بأمر من والدي والجماعة بالأذان وإمامتهم لصلاة المغرب والعشاء جمع تقصير وتأخير مع الاستغفار وجمع الحصيات حتى مطلع الفجر ثم الانصراف لرمي جمرات العقبة الكبرى ثم النحر حسب نية كل حاج، ثم أمرني بالتوجه إلى إكمال مناسك الحج بالذهاب إلى الكعبة المشرفة لإتمام ركن طواف الإفاضة والحمد لله تمت البركات الكبرى بأداء فريضة الحج وإتمام باقي أيام رمي الجمرات مصداقا لقوله تعالى “فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه” يا بني تم توفيقنا جل وعلا لإتمام فريضة الحج بجميع مناسكها من واجبات ومستحبات وفرائض وأركان، فلله الحمد بالعشي والإشراق.

يستهل بالدعاء لكل أهل الوطن وأحبابه وطلبة الزاوية العمورية والجيران وصلة الأرحام وذوي القربى والجار الجنب فأؤمن من خلفه آمين آمين آمين.

يا بني لك شأنك ادع لوالدتك بحسن الختام وأن يوفقها الله لأداء هذا الركن الإلهي مع أحد أبنائها لأنها كانت خديمة للزاوية العمورية طيلة سبعين سنة خلت من عمرها، ما فرطت وما قصرت.

ثم لاطفته بأدب وتواضع يا أبتي بفضل الله وفضلك يا والدي ما وصلت وغيرها من إخوتي إلى هذه البقاع الطاهرة فأنزل علينا يا الله سكينة جوهر الإيمان وثبت أقدامنا حين ملقاك يوم تزل الأقدام ثم يتهيأ إلى توديع البيت العتيق وأنوار نور الكعبة المشرفة وأجهش بالبكاء في أوساط ضيوف الرحمن على اختلاف ألوانهم ولهجاتهم، كبيرهم وصغيرهم فقيرهم وغنيهم، تلبي بالروائع الشامخات هنا وهناك مذكرا إيايى بقول رسول الله “الحجاج والعمار زوار الله، وحق على المزور أن يكرم زائره”

وهكذا كان طواف الوداع بهذه المقولات الشعرية:

أؤدي حجي مع الأبرار المتقين

يا رب اصفح عن ذنوبي إني كنت من الخاطئين

يا رب أتيتك بذنوب في دموع الناكسين

يا رب أنت فوق الكل تعفو بالسخاء منك للصابرين

يا رب دمعي إليك عن ذنبي وطلبة القرآن والإخوان

يا رب لا شغل لي في حياتي سوى خدمة أهل القرآن

كان والدي واضحا جليا في كل أموره لا يريد أن تسرّ نفسه من خلال شبهة عارضة، فركنت إلى موقع حتى لا أعجله حتى يقضي ما يجول بخاطره، ثم انبثقت منه روح الأبوة الرحيمة والمعاملة الصادقة قدّم لي كلمات مخطوطة بيده تحمل أسرارا وفي نفس الوقت جعلت منها مبدأ حتى لا أخسر صحبته، يا بني الجلوس مع أهل العلم يتجلى فيه التآلف بين أصحاب العقيدة الثابتة الواحدة التي خالطت بشاشة الإيمان بالله الواحد الأحد الصمد الفرد، لأن النافع هو الله والضّار هو الله، من صحّ فراره إلى الله صحّ قراره مع الله.

يا بني إني أخاطبك كتابة وشفهيا وأنني مسؤول أمام الله لا تقل سوء الكلام ولا يظلم عندك أحد، بشرّ صاحب أصحاب طيب حلاوة اللسان لأنه يكسب رضا الرحمن.

يا بني الرحيل الرحيل العودة إلى أرض الوطن أرض الأجداد وبلاد الشهداء الأحرار، يا بني اعبد الله الله!!! عبادة الأطهار ولا تركن إلى عبادة من أجل الناس لأن ذلك فخر ورياء ودليل الشرك المبين يناجي خالقه يا رب لا تجعل آخر لقائنا بك ولبيتك الحرام وحرم الأمين وروضة المصطفى واجعل لنا العودة لنا وللمسلمين كافة مادام في العمر بقية في المحطة الأخيرة بأرض الجزائر ينصح يروي قصصا ومآثر الأماكن المقدسة داعيا لكل زائر أو طالب أو أبناء أو بنات أو صلة أرحام ويختم بقوله اجعل نفسك من قضاء الله الرضا، حتى تكون موفقا في الأحوال، لأن الرضا لا تحس بالبلاء إنما الرضا ألا تعترض على الحكم والقضاء.

تلكم هي الرحلة المربية في الحج والعمرة التي أديتها مع والدي المغفور له الشيخ محمد النذير زاوية الشيخ العموري رحمة الله عليه وجزاه الله عني خير الجزاء، مصداقا لقوله تعالى: “وقضى ربك ألا تعبدواإلا إياه وبالوالدين إحسانا”.. “وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا”..

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!