-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في دراسة أكاديمية صادرة عن دار الكتاب الحديث

سعد الله يسلط الضوء على الممارسة الجزائرية للقانون الدولي للعمل

سفيان. ع
  • 292
  • 0
سعد الله يسلط الضوء على الممارسة الجزائرية للقانون الدولي للعمل

تكمن أهمية الكتاب الجديد “الممارسة الجزائرية للقانون الدولي الاتفاقي للعمل”، لمؤلفه الخبير البروفيسور عمر سعد الله، في توضيح مساهمة الدولة الجزائرية في تنفيذ أحكام القانون الدولي الاتفاقي للعمل، التي تحكم عمليا كل المجالات المتعلقة مثلا بمبادئ الحق في التنظيم النقابي وفي المفاوضة الجماعية، والحماية الكافية للعمال من أي تصرف تمييزي عند الاستخدام، وكفالة حق كـل عامل في أجر متساوٍ للعمل دون أي تمييز… إلخ، وفي الوقت ذاته، منصب على ضبط العلاقة مع أي قانون أو حكم قضائي أو عرف أو اتفاق قائم بالفعل، يتمتع بموجبه أعضاء القوات المسلحة أو الشرطة بأي حق تضمنته أي اتفاقية في هذا القانون.

وتشرح مقدمة الكتاب الصادر عن دار الكتاب الحديث (5 – 7) لماذا هذا القانون ودلائل ممارسته؟ إنه يمثل الإطار القائم على اتفاقيات العمل التي تلزم الدول أعضاء منظمة العمل الدولية الذين تم تسجيل صكوك تصديقهم لها لدى المدير العام، ودخلت حيز النفاذ بعد انتهاء المدة القانونية إزاء كل عضو. وتوضح الغرض من الكتاب، وهو الاعتراف قانونا بهذا الفرع، وبالممارسات اليومية التي تتم على أحسن وجه، وتعزيز وتطبيق مختلف اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

وسرد المؤلف بعض قواعد هذا القانون، سواء التعاهدية أم العرفية، حيث كشف عن بعض الحقوق الخاصة بالعامل مثل الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، أو في عدد ساعات العمل، أو منحه عطلا دورية بأجـر، وفي الحماية من البطالة. وشدد على التزام الجزائر بوضع تشريعات وطنية (قانون العمل) تعزز وتطبق مختلف اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

وتعكس في مجموعها الممارسات اليومية القائمة على تشبث الحكومات الجزائرية المتعاقبة بالتصديق والانضمام لاتفاقيات منظمة العمل الدولية، واتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان المتصلة بمجالات عديدة للعمال. وباتخاذ تدابير تشريعية على الصعيد الوطني لتنفيذ وتفعيل التزاماتها الدولية، سواء التعاهدية أم العرفية على حد سواء، بما في ذلك ردع المخالفات المتصلة بالقانون الدولي للعمل، فضلا عن صياغة آلية مستقلة للعمال (الاتحاد العام للعمال) داخل الفرع التنفيذي من الحكومة، يتولى اتخاذ قرارات موضوعية بشأن العمال. بالإضافة إلى النقابة المهنية التي تكرس جهودها لتحسين أوضاع العاملين، حيث تدافع عن مصالح الأعضاء أمام الدولة وربات وأرباب العمل. وهو ما يستوجب شروعها في تطبيق القانون الدولي للعمل التي تحسّن من أوضاع العاملين على المستوى الوطني.

وأخيرا، اتخاذ تدابير لضمان إدماج قواعد القانون الدولي للعمل والقانون الدولي لحقوق الإنسان، المعمول بها في الممارسات الميدانية للعمال، ودعمها من خلال سلطة التنظيمات النقابية المؤهلة من توقيع عقود العمل الجماعية، مع رابطة أرباب العمل أو ربة العمل بعينها أو رب العمل بعينه، بالإضافة إلى دخولها في مفاوضات حول عقود العمل الجماعية التي تتعلق بشؤون مثل أجور أعلى، أوقات عمل أقصر وأيام راحة أكثر، إلخ.

ويتكون هذا الكتاب من 161 صفحة مقسومة إلى خمسة فصول، يعرّف الفصل الأول (ص 9 – 47) التصديق والانضمام إلى اتفاقيات منظمة العمل الدولية، بأنه الإجراء الدولي، الذي تقر الدولة بمقتضاه على المستوى الدولي رضاها الالتزام بنص الاتفاقية؛ ويمثل إجراءات سلمية تقوم فيها الدولة العضو التي حصلت على موافقة السلطة أو السلطات التي یقع الموضوع في نطاق اختصاصها، بإبلاغ التصدیق الرسمي على الاتفاقية إلى المدیر العام وباتخاذ ما یكون ضروریا من الإجراءات لإنفاذ أحكام الاتفاقية.

ومن البديهي، أن تعكس عمليات تسجيل صك التصدیق بوضوح التزام الجزائر بتعزيز وتطبيق الاتفاقية، إذا ما استوفت العملية تحديد الاتفاقية التي یتم التصدیق عليها؛ وأن تكون وثيقة أصلية على الورق وليست صورة عنها أو نسخة منها موقعة من قبل شخص یملك سلطة التصرف باسم الدولة المعنية (كرئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو وزیر الخارجية أو وزیر العمل)؛ كذلك تبيان عزم الحكومة على أن تكون الدولة ملتزمة بالاتفاقية المعنية وتعهدها بأن تستوفي أحكام الاتفاقية، ویفضل أن تتضمن إشارة خاصة إلى الفقرة د) من المادة 19 من دستور منظمة العمل الدولية.

ولا نعالجه هنا إلا لكونه يمثل شروعا في الامتثال بشكل مباشر للقانون من جانب الجزائر، ولو أن العديد من مسائل الامتثال المحورية لهذا القانون تظل مطروحة كما هي دون تغيير. أما وظيفة التصديق، فإنها تقوم على محورين: سد الفراغ بخصوص التزام الجزائر من جهة، والحصول على موافقة رئيس الجمهورية منفردا أي دون شراكة من غرفتي البرلمان. أي إن ممارسة التصديق والانضمام تكون وفاء للالتزامات الأصلية لرئيس الجمهورية وفقا لدستور 2020.

وخصّص الفصل الثاني (ص 49 – 77) من هذا الكتاب، لمناقشة نظام تفتيش العمل، الذي يعد في الجزائر رﻛﻴﺰة أﺳﺎﺳﻴﺔ ﻣﻦ رﻛﺎﺋﺰ ﺗﺤﻘﻴﻖ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻼﺋﻖ ﺿﻤﻦ ﺷﺮوط وﻇﺮوف ﻋﻤﻞ ﺗﻤﻜّﻦ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻣﻦ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﲆ ﺣﻘﻮﻗﻪ واﻟﻘﻴﺎم ﺑﻮاﺟﺒﺎﺗﻪ وﺗﺆﻣّﻦ ﺑﻴﺌﺔ ﻋﻤﻞ ﺟﺎذﺑﺔ ﻟﻠﻌﻤّﺎل واﻻستثمارات، ويصف الطابع القانوني للإجراءات المتبعة في مجال الصناعة والتجارة. وإذا كان البعض يشكك في أنشطة مفتشي العمل، فإن الممارسة الجزائرية تجعله في غاية الأهمية في أي مكان عمل يشتغل فيه عمال أجراء أو متمهنون من الجنسين، ويتمتع من خلاله مفتشو العمل بسلطة القيام بزيارات إلى أماكن العمل، التابعة لمهامهم ومجال اختصاصهم قصد مراقبة تطبيق الأحكام القانونية والتنظيمية.

ولكن، ما هي الممارسة الجزائرية لتفتيش العمل؟ بحسب اتفاقية تفتيش العمل لمنظمة العمل الدولية، المعتمدة في 11 يوليو 1947، فإنها تقوم بذلك المفتشية العامة للعمل، وهي هيئة موضوعة تحت وصاية وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، تتكون من ذوي الخبرة، ولها إمكانية مراقبة تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بعلاقات العمل الفردية والجماعية وظروف العمل والوقاية الصحية وأمن العمال. وتقديم المعلومات والإرشادات للعمال ولمستخدميهم في ما يخص حقوقهم وواجباتهم والوسائل الملائمة أكثر لتطبيق الأحكام القانونية والتنظيمية والتعاقدية والقرارات التحكيمية. وأيضا، تظهر بكل وضوح في مساعدة العمال ومستخدميهم في إعداد الاتفاقيات أو العقود الجماعية في العمل. وإجراء المصالحة قصد اتقاء الخلافات الجماعية وتسويتها. وتبليغ وتوضيح النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالعمل للعمال ومستخدميهم. ويكشف القانون المنظم أيضا، أنها تختص بإعلام الجماعات المحلية بظروف العمل داخل المؤسسات التابعة لاختصاصها. وإعلام الإدارة المركزية للعمل بمدى تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالعمل واقتراح التدابير الضرورية لتكيفها وتعديلها.

وفي الفصل الثالث، (79 – 101)، مناقشة معايير عمالة الأطفال، وتقوم الممارسة الجزائرية على تطبيق مشروع متكامل لمكافحة عمل الأطفال، بهدف القضاء على أسوإ أشكال عمـل الأطفـال، لاسيما في القطاع الزراعي، وذلك من خلال إعـادة تأهيـل وإدمـاج الأطفـال العاملين في المؤسسات التعليمية وتوفير الإمكانيـات والـدعم اللازمـين لمنـع الأطفال من خطر الانضمام إلى سوق العمل فضلاً عـن وضـع اسـتراتيجيات مبتكرة لتوفير سبل العيش المستدامة لأسر الأطفال المستهدفين. وهو ما عنته اتفاقية أسوإ أشكال عمل الأطفال. وتوصلت الدراسة إلى وجود عوامـل حمايـة ذاتيـة تساعد على بناء قدرة الطفل على مواجهة المواقف الضاغطة، وبالتالي، قدرة الطفل على العيش والنمو رغم الظروف غير الملائمة، وتقدير الـذات، والثقة بالنفس والقدرة على مواجهة المشاكل، كما تأكد الممارسة ضرورة تناسب طبيعة العمل مع حالة الطفل الجسدية.

ويرد شرح مسهب لمسألة حقوق العمال في الفصل الرابع (103 – 125)، وإذا كان من المعترف به منذ وقت طويل، أن أهم هذه الحقوق هي أن للموظف الحق في التكوين وتحسين المستوى والترقية في الرتبة خلال حياته المهنية. وللموظف الحق في العطل المنصوص عليها في هذا الأمر. ويجب على الموظف، في إطار تأدية مهامه، احترام سلطة الدولة وفــرض احترامها وفـقا للقوانين والتنظيمات المعمول بها. فإن الممارسة قائمة على منح كل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة. ولكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل. كما أن لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، وعند اللزوم، يزود بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

وتسرد التشريعات المحلية بكل دقة، بعض الأمثلة عن ممارسة الحقوق، فذكرت مثلا اﻟﺤﻖ ﻓﻲ أﺣﻮال اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺘﻲ ﺗﺼﻮن اﻟﻜﺮاﻣﺔ؛ واﻟﺤﻖ ﻓﻲ اﻟﻘﻴﺎم ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ اﻟﺬي ﻳﺨﺘﺎرﻩ اﻟﺸﺨﺺ أو ﻳﻘﺒﻠﻪ ﺑﺤﺮﻳﺔ؛ واﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺗﻠﻘﻲ أجر كاف واﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻳﻮم ﻋﻤﻞ ﻣﺤﺪود، وﻓﺘﺮات راﺣﺔ ﻣﺪﻓﻮﻋﺔ اﻷجر؛ واﻟﺤﻖ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺎواة ﻓﻲ اﻷجر ﻋﻨﺪ ﺗﺴﺎوي ﻗﻴﻤﺔ اﻟﻌﻤﻞ؛ واﻟﺤﻖ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺎواة ﻓﻲ اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ؛ واﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻇﺮوف ﻋﻤﻞ ﻣﺄﻣﻮﻧﺔ وصريحة. ويكشف أيضا عن تعدد حقوق العمال سواء في القطاع العام أم الخاص، ويقدم نظرة شاملة عن ممارسة الحق في العمل والحقوق المتعلقة بظروف العمل أو حقوق العمال باعتبار العمل من حقوق الإنسان، لكن من الغريب، أن يظل الحق في العمل نفسه، على أهميته البالغة، لا يحظى إلا بتفصيلات محدودة نسبيا في النصوص الدولية والداخلية. رغم الجهود الكبيرة التي بذلت ليس على الحق في العمل نفسه، وإنما على بعض المسائل المهمة، مثل التمييز الذي يشوب إتاحة فرصة العمل، ويتجاوز ذلك الكتابات الفقهية، إلى الصكوك الدولية التي لم تعالج هذا الحق إلا في نصوص قليلة، من بينها اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 122 بشأن سياسة العمالة، التي اعتمدت عام 1964.

وخصص الفصل الخامس (127 – 157) لاعتراف واسع النطاق للجزائر بأنواع من اتفاقيات المنظمة تضع معايير العمل الدولية، وترسي الشروط والإجراءات والواجبات الخاصة بتعزيز حقوق الإنسان في العمل، ويعرف من ثم الاتفاقيات المهمة بالنسبة للجزائر وطابعها المستقل والمتجرد الذي تهيئ الظروف المواتية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية لمنظمة العمل الدولية. والتزام الـدول الأخرى بأحكامها أدبيا رغم عدم مصادقتها عليها، وذلك بحكم عـضويتها فـي منظمة العمل الدولية، والتزامها بدستورها، وإعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل الذي صدر منها.

وأخيرا، نخلص إلى أن الممارسة العملية للقانون الدولي للعمل تقع أولا وأخيرا على الدولة الجزائرية، ولكن إذا لم ترغب أو كانت في وضع لا يمكنها من ممارسة قواعده، فإنها ولا شك تظل مسؤولة عن تطبيقه بفعالية، فهي بعبارة أوضح تتيح الفرصة لإحداث الأثر الكامل لقواعد هذا القانون في صالح العمال ككل، غير أننا ننظر إلى أنه لم يكن من الممكن توفير حماية أفضل للعامل في المستقبل، إذا لم تنشأ محاكم مختصة أو غرف وطنية، حتى لا يفلت من العقاب أولائك الذين يرتكبون أعمال عنف ضد هؤلاء، وفي ذات الوقت، سيكون من الوهمي الاعتقاد بأن الآليات القائمة حاليا كفيلة بالقضاء على أي تجاوزات تخص مختلف العمال، أو سوف تقرر القضاء على العنف قضاء نهائيا ضد هؤلاء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!