-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
هنا درس بومدين وتسوّق بن باديس وتجوّل نابليون وقُتل ريمون

“سوق العصر”.. شاهد على عصر تجاري وعلمي بمدينة قسنطينة

س. ع
  • 993
  • 0
“سوق العصر”.. شاهد على عصر تجاري وعلمي بمدينة قسنطينة
أرشيف

عندما تفكر في زيارة سوق العصر بقلب مدينة قسنطينة، تسبقك تلك الصور الناطقة، لباعة يكسرون صمت المكان التاريخي بصوتهم الصارخ الجهوري، بعرض فاكهتهم، والخضر التي كانت تأتيه من جنان حامة بوزيان، عندما كان كرزها وفرولتها وبذنجانها يسافر تصديرا إلى قارات العالم.
وعندما تصل إلى هذا السوق الشعبي الأعرق على مستوى مدن شرق البلاد، تتذكر بأن المكان هو تاريخ لحضارات متعددة، فالسوق له هندسة تركية وبه مساجد مزيج من البناء العثماني، وفيه تلقى هواري بومدين دراسته في مدرسة الكتانية، وفيه أيضا تم قتل الفنان اليهودي الشهير ريمون وهو والد زوجة أونريكو ماسياس برصاصة في العنق، ومنه كان يتبضع الشيخ بن باديس ورضا حوحو والصادق حماني أحمد حماني وشافية بوذراع، ورجالات جمعية العلماء المسلمين، ولا يبعد سوق العصر عن مسكن بن باديس العائلي بأكثر من 100 متر، وعن مسجد العائلة الباديسية سيدي قموش بأكثر من خمسين مترا.

قرنان ونصف
سوق العصر في رمضان 2023 مختلف جدا عن سوق العصر في السنة الماضية، وما قبلها من سنوات وعقود، فقد حاصرته تجارة لمساحات لكبرى بل وغلبته بالضربة لقاضية. والشائع أن هذا السوق أبصر النور بوجهه الحالي مع تشييد جسر سيدي مسيد المعلق، الذي ربط مستشفى قسنطينة بقصبتها، أي في سنة 1909، حيث كانت تباع فيه الخضر الفواكه ما بين مسلمي المدينة واليهود مع وجود قرابة ثلاثين محلا تجاريا كان يديرها الفرنسيون من المسيحيين، بينما تباع الخضر والفواكه وحتى لحوم الماشية والأبقار والأرانب والديك الرومي على طاولات عديدة، لست في حاجة لأن تمعّن البصر، لرؤية ما فيها لأن البائع سيتحفك بصيحات إشهارية لبضاعته، لكن السوق كان قائما بأسماء سوق الجمعة ثم الأحد من العهد العثماني في سنة 1780.
يقول بشير بدري وهو صاحب طاولة، بأنه ورث مكانه في سوق العصر عن والده المقعد حاليا، والذي ورثها هو أيضا عن جده المتوفي، ويشرح الحالة الآنية مقارنة بالسنوات الخوالي: “كنت صغيرا عندما كان والدي يأخذني معه إلى هذه السوق التي توجد بها قرابة 120 طاولة، لم يكن في المدينة هذه المساحات التجارية الكبرى التي تبيع كل شيء، والتي خطفت منا الزبائن حتى كادت تنهيهم نهائيا وترسلنا إلى البطالة، فقد كان الحال إلى غاية سنة 2000 في منتهى الدهشة، وتحول السوق إلى بازار حقيقي بعد أن جلب العرائس، ضمن محلات تخص لوازم العروس الشرقية بصفة عامة، مع اختصاص أيضا نسج الستائر التي حوّلت سوق العصر إلى الرقم واحد على المستوى الوطني”، ولكن سوق العصر أو سوق الزوالية كما أطلق عليه أهل جيجل الذين كانوا يحجّون إليه لأثمانه الزهيدة، اشتهر ببيع كل الخضر والفواكه وحتى الحشائش الموسمية والطبية.
ووسط صياح الباعة واكتناز السوق بمختلف المواد، ينسيك الزمان، في المكان، ولكن يجب أن ترفع رأسك بين الحين والآخر، حتى لا تضيّع التاريخ، وفي ساعات الصلاة يتولى الآذان إسكات الباعة وتجد نفسك متوجها إلى جامع سيدي الكتاني الذي هو في حد ذاته قصة تاريخية من دون نهاية.

سوق سياحي وروحي
لم يفقد جامع سيدي الكتاني، من هندسته العثمانية الشيء الكثير، بالرغم من أن الباعة حرموه من ساحته المحيطة به، وفي مدخله تروي لوحة من الرخام بأن منجزه هو صالح باي حاكم قسنطينة من سنة 1771 إلى سنة 1792، وحتى سوق العصر لا يبعد عن قصر الباي في ساحة لا بلاس بأكثر من مئتي مترا، ويقال بأن الرخام الذي شيد به صالح باي هذا الجامع الساحر تم جلبه من إيطاليا، وقد صلى فيه كل علماء المدينة وعامة الناس، لأن سوق العصر وجامع سيدي الكتاني يطلان على واحدة من جماليات قسنطينة وهو جسر سيدي مسيد المعلق، وحتى يكتمل الصرح العلمي والفقهي، كان صالح باي قد أنشأ مدرسة للعلم، هي المدرسة التي تتلمذ فيها الرئيس الراحل هواري بومدين لمدة قاربت الخمس سنوات، قبل أن يقوم بسفريته المغامراتية مشيا على الأقدام من مدينة قسنطينة، إلى غاية الأزهر الشريف أما عن رسوخ إسم الكتاني في ذاكرة الناس، فقد يكون وليا صالحا بحسب روايات لم تذكر أي نبذة عنه، وحتى عندما استقلت الجزائر وبلغ هواري بومدين هرم السلطة، أوصى بأستاذه الأول المعروف باسم الشيخ الطيب خيرا، في مدرسة الكتانية، فتولى الشيخ الطيب إدارة المدرسة التي تحولت بعد ذلك إلى متوسطة حتى وهو في الثمانين من العمر، واشتهر جامع سيدي الكتاني على مر العصور بكونه جامع لكل المذاهب الفقهية السنية وخاصة الحنفية والمالكية.
ما يدهشك في القصبة حيث يتواجد سوق العصر، هو عشق الناس على مرّ الأزمان، بكل أطيافهم للمكان، فقد تداول بايات قسنطينة على بناء ثم توسيع هذا الجامع الذي كان يسمى سوق الغزل، كما زاره نابليون الثالث عندما باشرت فرنسا إنجاز الثكنة العسكرية قرب سوق العصر بعد سقوط قسنطينة، وهو ما جعل سوق العصر، واحد من الأماكن الأكثر ثراء تاريخيا في الجزائر.
ويروي المؤرخ محمد بن كرطوسة روعة المكان للشروق اليومي، ويتوجه إلى أن مخرج فيلم معركة الجزائر، استوحى العمليات الفدائية التي أظهرها في فيلمه الشهير من أحداث حقيقية وقعت في سوق العصر في زمن الثورة، بقيادة الأختين فضيلة ومريم سعدان والفدائي حملاوي، حيث كانت تدسّ أسلحة المجاهدين تحت صناديق السردين والخضر والفواكه.
عمي محمد بن كرطوسة بكثير من عصر ذاكرته يسترجع تاريخ 22 جوان من سنة 1961، عندما كان المغني اليهودي الشيخ ريمون صهر أنريكو ماسياس يتبضع من سوق العصر برفقة إبنته فيفيان، ليتلقى رصاصة استقرت في عنقه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!