الرأي

شحذ الوعي الجمعي المشترك في “ألفية الجزائر” الشعرية

الدكتور الطيب برغوث
  • 232
  • 0
أرشيف
غلاف "ّألفية الجزائر"

إن الألفية الشعرية الجميلة التي أنجزها الشاعر إبراهيم قارعلي حول الحضور الجزائري في حركة تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط، عمل أدبي وتاريخي ومعرفي وثقافي كبير، اجتمعت فيه وله مزايا عديدة ، وخاصة مزية العناية بالبعد التاريخي والهوياتي والثقافي والحضاري الذي يعد ركيزة أساسية من ركائز هوية المجتمع الجزائري، وركنا أساسا من أركان معادلته الثقافية والنفسية والاجتماعية، وشرطا جوهريا من شروط نهضته الحضارية المتوازنة المنشودة.

إن ميزة هذه الألفية في نظري أنها ليست عملا شعريا ملحميا جميلا فحسب، بل هي كذلك عمل تاريخي هام سواء بما احتواه مضمونه من تنويه بشخصيات علمائية وفكرية  وتاريخية، وأحداث كبرى طبعت مسيرة هذه المنطقة الفاعلة من تاريخ المغرب الإسلامي الكبير، أو بالتعليقات التعريفية بالشخصيات والأحداث الكثيرة جدا، فهو بذلك كله يعد في نظري عملا ثقافيا مركبا يستفيد منه القارئ الذوقية الشعرية الجميلة والمعرفة التاريخية المرقِّية للوعي التاريخي للإنسان، والشاحذة للروح الهوياتية التي تدور حولها كثير من المعارك الكبرى في تاريخ المجتمعات والعالم.

البعد الهوياتي في التحدي الوجودي الاستعماري:

والتحدي الوجودي الاستعماري الذي واجهه المجتمع الجزائري زمنا طويلا جدا، كان قادَتُه يدركون جيدا محورية البعد الهوياتي في المواجهة الشرسة بينه وبين المجتمع الجزائري، وأنه إذا لم ينتصر في هذه الجبهة الحاسمة من المواجهة الحضارية، فإنه إلى زوال، ولذلك ألقى بكل ثقله المادي والفكري والثقافي في هذه الجبهة الثقافية  لتحصين وتعزيز مكاسبه في بقية جبهات المواجهة الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي حقق فيها نتائج كبيرة جدا.

فالمشروع أو التحدي الاستعماري الوجودي كان هدفه الاستراتيجي البعيد المدى، هو تكرار التجربة الأمريكية مع الهنود الحمر وسكان الأمريكيتين عامة، وتجربة الأندلس مع الوجود الإسلامي فيها، تحقيقا لاستراتيجية الاسترداد التي كانت تستهدف إعادة المجال الجغرافي الذي أخذ منها في حركة الفتوحات الإسلامية الكبرى، إلى جغرافية القارة الأوروبية المكانية والثقافية والحضارية، وكان من التحديات الكبرى التي تقف سدا منيعا أمام هذه الاستراتيجية هو البعد الهوياتي الديني الثقافي التاريخي الحضاري الضارب ليس في أعماق الجغرافيا فحسب، بل في أعماق النفس أي في أعماق روح المعادلة الثقافية والنفسية والاجتماعية للإنسان الجزائري.

لهذا تعرض هذا البعد وهذا الركن الأساس من أركان هوية المجتمع الجزائري ومعادلته الثقافية والنفسية والاجتماعية.. لمحاولات تدمير كبيرة شاملة وعميقة من قبل المشروع الاستعماري البغيض، بغية الوصول بأجيال المجتمع عامة ونخبه الفكرية والسياسية والاجتماعية خاصة، إلى حالة من الفراغ والتيه واليأس، وفقدان البوصلة الهوياتية، والشعور بدونية ومنبوذية تهيِّئهم للارتماء في محارق الاستلاب والتماهي مع المشروع الاستعماري والاندماج فيه كهامش بشري استرقاقي مخصص للسخرة.

وقد دارت بين الوجود الجزائري والتحدي الاستعماري، أشرس المعارك الفاصلة وأقساها وأطولها وأخطرها على هذه الجبهة، وتمكن المجتمع الجزائري من تحقيق صمود أسطوري على هذه الجبهة التي كان لها دور كبير في الصمود في بقية الجبهات الأخرى أمدا طويلا جدا، كانت نهايته ثورة كبرى من أعظم ثورات الإنسانية للمحافظة على الوجود الحضاري للمجتمع الجزائري، والتي انطلقت في أول نوفمبر 1954 واختتمت بالأنشودة الشعبية الخالدة: “محمد مبروك ليك والجزائر  عادت ليك ” سنة 1962، بعد أن دفع المجتمع الجزائري مليونا ونصف مليون شهيدا من خيرة أبنائه وبناته في سبع سنوات ونصف فقط!

استمرارية التحدي الهوياتي:

وبالرغم من هذا الإنجاز التاريخي الاستراتيجي الضخم الذي حققه المجتمع الجزائري، فإن الجبهة الهوياتية الثقافية التاريخية للمجتمع، قد لحقت بها أضرار عميقة لها تبعات كبيرة، كما ذكر ذلك الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله وهو ينبه أجيال النخة مبكرا إلى أن “الاستعمار كالشيطان فهو قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها” ( الآثار 5/307).

وقد حاولت الدولة الوطنية الوليدة تدارك هذه الأضرار والتحديات مع مرور الوقت، ولكن مع ذلك ما تزال الأضرار والتحديات كبيرة في هذا المجال، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار مخلفات المشروع الاستعماري في منظومتنا الثقافية خاصة وبقية المنظومات الأخرى عامة من جهة، والحرص الشديد لهذا المشروع الاستعماري السرطاني على عرقلة أية نهضة حقيقية في المجتمع الجزائري من جهة أخرى، والمد الاستعماري العالمي الجديد الذي تقوده القوى الاستعمارية التقليدية الذي لا يسمح بدوره لأية قوى وليدة لتحقيق نهضتها الحضارية من جهة ثالثة، وهشاشة الوعي التاريخي الذي تعاني منه الأجيال الجديدة من جهة رابعة.

الوعي الجمعي المشترك غير قابل للتأجيل والتجزئة:

إن كل هذا يجعل هذه الجبهة الحيوية من الوعي الجمعي المشترك في حركة المدافعة والمداولة الحضارية في حاجة ماسة إلى تنمية ودعم وتجديد مستمر لا يخضع لأية ظروف معطِّلة أو مؤجِّلة أو أولويات مجزِّئة مهما كانت، وقد تعرضت هذه الساحة الحيوية إلى تأجيلات وتعطُّلات وتجزيئات كثيرة، كانت لها عواقبها التي أخذت آثارها السلبية على الوعي الهوياتي الثقافي والتاريخي للأجيال،  تظهر تباعا، في تجزؤ وتنافر الوعي التاريخي لدى العديد من النخب، والاستلاب للسرديات الاستعمارية أو الفئوية لدى البعض الآخر، والإعلاء لها على سرديات الوعي التاريخي الجمعي المشترك الذي يحتاجه المجتمع في كل مراحل مسيرته.

فالوعي الثقافي التاريخي الجمعي المشترك، البعيد عن التمحورات والاستغلالات البوليتيكية أو الفئوية أو الثقافية أو الاجتماعية الظرفية المتنافرة، هو الإسمنت الحقيقي الذي يلحم وحدة المجتمع، ويشحذ إرادته وعزيمته، ويغذي طموح المنافسة التكاملية لدى أجياله، ويرفع مستوى فعاليتها الإنجازية، ويغذي بشكل مستمر الروح الاستشعارية المشتركة المبكرة لديها أمام التحديات، ويجعلها أكثر استجماعا لشروط المواجهة لها والتغلب عليها.

والمجتمع المتلاحم، المشحوذ الإرادة والعزيمة، والمسكون بطموح المنافسة التكاملية، المعبأ بالفعالية الإنجازية التكاملية، والروح الاستشعارية المشتركة المبكرة، المعتز بوعيه التاريخي الجمعي المشترك.. مجتمع توفرت له الأرضية أو المنصة الصلبة المشتركة لإطلاق نهضته الحضارية الحقيقية المتوازنة، التي يرتبط بها تحقيق طموحاته في حياة كريمة، وفي عدالة اجتماعية متينة، وفي عدالة قانونية تحمي حقوق وحريات ومصالح وواجبات كل فرد فيه، وتحافظ على المصالح الحيوية العليا للمجتمع، وتحقق له مكانة لائقة به في محيطه وفي العالم، وتحمي وجوده الحضاري في معتركات المدافعة والمداولة الحضارية العالمية الشرسة.

تموقع الألفية في عمق الوعي التاريخي المشترك للمجتمع:

من كل هذه المنطلقات رأيت في هذه الألفية التي تمحورت حول الوعي التاريخي الجمعي المشترك للمجتمع الجزائري، بل والإسلامي عامة، وعيا استشعاريا بالغ الأهمية لديكم، لأن بناء الوعي التاريخي الجمعي المشترك للمجتمع ضرورة أساسية لانسجام وتماسك وقوة هذا المجتمع بدونها يتبعثر وعي أجياله ويتنافر، وتتنافر فعاليته الإنجازية وتهتلك، وتُهدر طاقاته وإمكاناته وأوقاته وفرص حياته، ويضعف أداؤه في معتركات المنافسة والمدافعة والمداولة الحضارية في محيطه وفي العالم من حوله، وتستضعفه القوى المتدافعة بل وتستبيحه وتحوله إلى مجال حيوي لها، أو  ساحة لصرف نفاياتها المادية والثقافية.

وقد تأملت في سيرة الشاعر العلمية الذاتية فوجدتها واسعة المساحة، تجمع بين الساحة الأدبية والتاريخية والإعلامية والسياسية.. بكل ما تعطيه هذه الساحات للإنسان من انفتاح على الجذور التاريخية للمجتمع من جهة، ومن انفتاح على ما يجري في واقع المجتمع وأحشائه من مخاضات ومدافعات وتحولات من جهة أخرى، وما يعطيه ذلك من إشارات وأضواء على المستقبل من جهة ثالثة، فأدركت بأن اهتمامكم بالوعي التاريخي الجمعي المشترك، وحرصكم على المساهمة في بناء هذا الوعي التاريخي الجمعي لأجيال المجتمع، لم يأت من فراغ، بل هو محصلة وعي بمحورية هذه الساحة في حاضر المجتمع ومستقبله، وهذا دون شك في غاية الأهمية.

أهمية المدخل الشعري في بناء وتحفيز الوعي الهوياتي:

كما أدركت بأن اختيار المدخل الشعري للمساهمة في بناء هذا الوعي التاريخي الجمعي المشترك للمجتمع وتحصين أجياله، وقد كان يكفي الشاعر أن يواصل المرابطة في الساحة الإعلامية بما لها من تأثير كبير على صياغة وبناء هذا الوعي الجمعي، وكذا الساحة التاريخية الأكاديمية بما لها من أهمية مباشرة في تحرير التاريخ من تزييف وتبليغ حقائقه المحررة للأجيال، ولكنه لم يكتف بذلك بل استثمر موهبته الأدبية والشعرية في إنجاز ألفية شعرية كاملة، استعرض فيها تاريخ الجزائر في مناحيه المختلفة الثقافية والجهادية والاجتماعية والحضارية عامة، من فجره إلى هذا الزمن المعاصر الذي نحياه نحن كجيل معاصر.

إنعاش قراءة الألفية لذاكرتي ووعيي التاريخي:

وشعرت وأنا أتصفح هذه الألفية الشعرية الجميلة، أنني دخلت في رحلة تاريخية ثقافية نفسية جهادية طويلة، بكل تشعباتها ومرتفعاتها ومنخفضاتها فتركت في نفسي أثرا عميقا تراوح بين شحذ الاعتزاز بالانتماء إلى هذا المجتمع، والفخر بتاريخه وأمجاده المعرفية والثقافية ومقاومته الدائبة لكل أنواع الاعتداء عليه وعلى جغرافيته ومقدراته وحريته وكرامته وطموحه من جهة، وبين أسباب الضعف والخذلان الداخلي الذي كانت تتعرض له مسيرته الثقافية والاجتماعية والحضارية ومقاومته من حين لآخر من جهة أخرى، لتحدث بعض الضعف فيها وتمكِّن مؤقتا لبعض القوى الغازية له طمعا في خيراته حينا، وتعطيلا لامتداد طموحاته في محيطه وتوقيا منها حينا آخر.

لقد أنعشت هذه القراءة لمعظم هذه الألفية الجميلة ذاكرتي فعلا، ورممت فيها ما أتى عليه بعض النسيان، وما نال منه تهميش الوعي التاريخي الجمعي المشترك في منظومتنا الثقافية والتربوية والإعلامية، بل وما نال منه تزييف هذا الوعي التاريخي، ومحاولة تهميشه وحضره وبعثرته وتشويهه وتقطيع أوصاله وضرب بعض أجزائه ببعض، وحرمان الأجيال من الصورة الحقيقية الكلية المتكاملة والمتوازنة له، لأن الوعي التاريخي ليس معلومات جزئية مبعثرة معزول بعضها عن بعض، ومفصول عن مبرراته وسياقاته ومؤثراته، بل هو هذه النظرة أو الصورة الكلية التي يبنيها المجتمع لدى أجياله عن مسيرته التاريخية في مرتفعاتها ومنخفضاتها، والمستخلصات السننية التي تعمق وعيها بسنن الحركة التاريخية، وتتحول إلى جزء أساس من وعيه التاريخي الجمعي الذي تتوارثه الأجيال وتثريه بشكل مستمر، مكونة ومعززة به روح معادلته الثقافية والنفسية والاجتماعية التي يرتكز عليها وجوده وتميزه وطموحه، وتتغذى به إرادته وفعاليته ومكابداته الحضارية.

لقد تركت في نفسي قراءةُ الجزء الأكبر من هذه الألفية آثارا نفسية ما تزال أصداؤها وتأثيراتها تتردد في نفسي، خاصة وأن هذا العمل الأدبي والفني اجتمعت فيه الذائقة الفنية الشعرية الجميلة مع الوقائع التاريخية الحقيقية في مرتفعاتها ومنخفضاتها، وليس عملا فنيا أسطوريا متخيلا كما هو العادة في الأعمال الفنية “الإلياذية” أو الأعمال الشعرية والقصصية والروائية التي يؤدي فيها الخيال والمشتهى الشخصي أو الأسطوري دورا كبيرا، وهو ما جعل العرب قديما تقول إن “أعذب الشعر أكذبه”! بل وما جعل القرآن ينحى باللائمة على الشعرية المزيِّفة للوعي الموضوعي لصالح تغذية الغواية والوهم فقال تعالى: ( والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء: 227].

فالشعر عندما يسخَّر لتنمية الذوق السليم، وشحذ العواطف والمشاعر النبيلة في النفس، وترقية أخلاق الإنسان في مدارج الإحسان وجمالياته الشاملة، وبث روح الشهامة والإباء والنخوة والشجاعة والجدية والغيرة على قيم المجتمع ومواريثه، وحفز روح الاعتزاز وعلو الهمة في أجيال المجتمع، ومقاومة الخور والزيف والتفاهة.. فإنه يحتل مقاما رفيعا في الخطاب الشعري، ويؤدي دورا كبيرا في شروط نهضة المجتمع، ولكنه عندما ينشغل بما هو دون ذلك وتستوعبه اهتمامات وأولويات ذاتية وثانوية، أو موضوعات تبعثر وعي الإنسان وتضعف حافزيته نحو الانجازات العامة الكبيرة التي تعلي من مكانة المجتمع في محيطه وفي العالم، فإنه يتحول إلى شعر هامشي “لا يهش ولا ينش”، كما يقال، أي بلا رسالة جادة تنسجم مع طموحات المجتمع والأمة والتحديات التي تحيط بهما، وهذا هو الجانب الذي أنحى عليه القرآن باللائمة، لأنه كان يبني أمة وسطا شاهدة على الناس في كل زمان ومكان، ويعدها لأدوار كبيرة في التاريخ، ومثل هذه الأمة يجب أن تعبَّأ كل طاقاتها وتتحرك لبناء أجيال ذات همم عالية متناغمة مع رسالتها ودورها المحوري في المجتمع والعالم.

الألفية استحضار شعري لواقع تاريخي حقيقي:

إننا في “ألفية الجزائر”  نجد أنفسنا نقف أمام واقع تاريخي حقيقي ضارب في أعماق التاريخ، بل تجبرنا الذائقة الشعرية فيه على أن نعيش هذا الواقع التاريخي، فهي تنقلنا إليه وتجعلنا نندمج فيه بنسب مختلفة طبعا، وخاصة من خلال الإحالات والتعليقات التعريفية التي تزخر بها هوامش الألفية.

فنحن هنا لسنا أمام عمل فني إلياذي أو أوديسي درامي أسطوري، بل أمام ملحمة شعرية تاريخية حقيقية، تستعرض مسيرة مجتمع ضاربة جذوره في أعماق التاريخ، وطافحة بأحداث وثورات وثوار وأبطال وعلماء ومصلحين ومنجزات كبيرة، وبأهوال تشيب من هولها الولدان، صمد أمامها المجتمع وعبَرها جميعا ولم تغير هويته أو تنهي وجوده، بل انشحذت بها ذاكرته الجمعية ووعيه الجمعي المشترك الذي يجعله أكثر استعصاء أمام الأحداث.

لقد كنت أقرأ هذه الألفية وأنا واضع في ذهني أنني أقرأ تاريخا حقيقيا بلغة شعرية جميلة ترفع مستوى النشوة النفسية لدي، وتجعلني أكثر تفاعلا مع الأحداث واندماجا فيها، لذلك تركَت في نفسي أثرا كبيرا وشعرت أنها تتكلم عني وتستعرض تاريخي الجمعي، إنه تاريخي الحقيقي، إنه جزء مني ومن ذاكرتي ووعيي الجمعي، إنها تربطني بتاريخ وتراث ضارب في أغوار الزمن، إنها تحمِّلني المسؤولية عنه في ارتفاعاته وانخفاضاته، في نجاحاته وإخفاقاته. إنها تدعوني إلى استصحاب روحه السننية معي نحو الحاضر والمستقبل.

وهكذا تفعل مع كل جزائري يقرؤها وهو يدرك بأنها سيرة تاريخية حقيقية، وليست عملا تخيليا أسطوريا، وهكذا تؤثر في نفسه، وهكذا تشحذ روح الاعتزاز والانتماء، وهكذا ترفع درجة شعوره بالمسئولية تجاه مستقبل هذا الميراث وهذا الوعي التاريخي الجمعي المشترك، وهكذا تحرره من أي شعور بالنقص أو الدونية، وترفع طموحه إلى مستويات عالية.

هذا هو دور الذاكرة التاريخية الجمعية للمجتمع، إنها تصنع الوعي التاريخي الجمعي، وتعزز الوعي الوقائي لدى كل فرد في المجتمع. إنها تحرر الفرد من الشعور بالنقض والدونية والضعف والمنبوذية والتيه، وتشحنه بعزة النفس والإحساس بالمسئولية، وتشحذ إرادة المنافسة وروح المصابرة والمكابدة لديه، وتحصنه من مخاطر التخاذل والخيانة واللامبالاة والفرقة ومخازيها، لأنه وهو يقرأ هذه الألفية يمر على نماذج كثيرة من هذه المخازي المميتة للضمير والقاتلة للمجتمع، فيتعزز وعيه الوقائي الجمعي الشعوري واللاشعوري، ويصبح أكثر ثقة في نفسه، وأكثر صلابة أمام التحديات التي تحيط بالمجتمع، وأكثر فاعلية في مواجهتها والتغلب عليها، وتحويلها إلى منطلقات ومحطات انتقال جديدة في نهضة المجتمع وحضوره في محيطه وعالمه.

وعي الأمم بالأهمية البالغة للوعي التاريخي:

 لقد قرأت منذ سنوات طويلة في كتاب “كيف نفهم التاريخ” للكاتب الأمريكي لويس جوتشلك، كيف يعيش الإنسان الأمريكي مشكلة بل معضلة الشعور بالفراغ التاريخي والدونية التاريخية، باعتباره يعيش في مجمع بشري بلا تاريخ مشترك، وبلا ذاكرة جمعية عميقة الجذور تحميه من التيه في خضم بحر من مجتمعات ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، إلى درجة أن بعض مثقفيه وساسته وصحافييه ومؤثريه أيدو الحملة الرامية إلى خلق الأساطير القومية، على الرغم من أنهم كانوا يدركون خطورة تزييف التاريخ على الوعي التاريخي للأجيال، ” فقد شعروا بأنه لا بد من المغامرة في تلك السبيل ” كما جاء في الكتاب ( ص/17)، تحصينا لأجيال المجتمع من التفكك النفسي والشعور بالدونية، وبناء لجذر تاريخي يقف عليه الوعي الجمعي للمجتمع، الذي بدونه يتبعثر وعي أجاليه ويتشرذم وضعه الاجتماعي، وتتنافر قواه وفعاليته الاجتماعية، ويلتهمه وحش التيه والشعور بالنقص والدونية.

ونحن نعيش في مجتمع له جذور عميقة جدا في التاريخ، ونرتكز على ذاكرة تاريخية غنية جدا، تنعش ذاكرتنا التاريخية وتغذي وعينا الجمعي المشترك باستمرار، فنتحرك لتجديده وتحيينه وتخليصه من كل ما هو ضد روح الوعي الجمعي السنني على الدوام، باعتباره جزءا أساسيا من ثروتنا الاستراتيجية وقوتنا الضاربة، وهذا ما يجب علينا أن نحمد الله تعالى عليه كثيرا، وأن نعمل كل ما نستطيع من أجل تنمية هذه الثروة الاستراتيجية وحمايتها، واستثمارها مع بقية الثروات الأخرى في بناء نهضتنا الحضارية المتوازنة، والمحافظة على منجزاتها، والاستمتاع الجمعي بها، وضمان استمراريتها التاريخية طويلة المدى.

إن التاريخ يشكل قوة ضاربة في الحياة، إذا عرف المجتمع كيف يصنع منها وعيا تاريخيا جمعيًّا مشتركا شاحذا لانسجامه وتماسكه وتكامل فعاليته الاجتماعية، ويكون قوة سلبية منهكة وربما مهلكة، إذا لم يتمكن المجتمع من تحويلها إلى وعي جمعي مشترك يهيمن على لاشعور كل فرد فيه، وتركها تتحول إلى وعي فردي أناني انكفائي أو فئوي مضاد للوعي الجمعي المشترك وفاتك به.

ارتباك الوعي التاريخي وخطورة تشرذم المجتمعات ومسئولية النخب:

ونظرا لخطورة تشرذم الوعي التاريخي وانكفائه الفردي أو الفئوي أو الاجتماعي أو الطبقي وتنافر معطياته.. الناجم عن التلويث الذي تتعرض له المعادلة الثقافية والنفسية والاجتماعية للمجتمع، وما يؤدي إليه ذلك كله من تنافرية واهتلاكية في الفعالية الاجتماعية للمجتمع، وضعف في فعالية مدافعته ومداولته الحضارية، فقد خصص ابن خلدون فصلا لهذه المشكلة، ولفت الانظار إليها، مستخلصا من ذلك ما يشبه قاعدة اجتماعية عامة صاغها على الشكل التالي: “الفصل التاسع في أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة” (المقدمة/206).

 وعلَّل ذلك في ضوء ما عاصره وعايشه من أوضاع في زمنه، بكثرة “اختلاف الآراء والأهواء، وأنّ وراء كلّ رأي منها وهوى عصبيّة تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدّولة والخروج عليها في كلّ وقت وإن كانت ذات عصبيّة، لأنّ كلّ عصبيّة ممّن تحت يدها تظنّ في نفسها منعة وقوّة” (نفسه/206).

ولا شك أن حرص المجتمع عبر نخبه الفكرية والسياسية والاجتماعية، على حماية ثوابت روح معادلته الثقافية والنفسية والاجتماعية، وتعزيز وعيه الجمعي المشترك، باعتباره القاسم المشترك بين كل أفراده، يمكِّنه من تحويل هذا الاختلاف والتعدد والتنوع إلى عامل قوة ذاتية فيه، وعنصر فاعلية تنافسية تكاملية في حركة مدافعته ومداولته الحضارية، وفي عملية الوقاية الشاملة لمنجزات هذه المدافعة والمداولة الحضارية.

إن نجاح نخب المجتمع في توسيع وتعميق الوعي الجمعي بالمشترك الثقافي والاجتماعي ومن ثم النفسي، من أهم وأقوى عوامل حماية المجتمع وتعزيز فعالية مدافعته ومداولته ووقايته الحضارية، وهذا يتطلب حماية ثوابت روح معادلته الثقافية والنفسية والاجتماعية وتجديدها بشكل مستمر، والحذر من زرع عناصر ومؤثرات ثقافية واجتماعية لا تنسجم مع روح معادلته الذاتية.

فالمجتمعات تبقى وتستمر وتؤدي دورها في التاريخ بفعالية وأمان، بقدر ما تحافظ على وعيها التاريخي الجمعي الثقافي والنفسي والاجتماعي المشترك، وتحميه من الملوِّثات الداخلية والخارجية، وتجدِّده وتغنيه وتورِّثه لأجيالها بشكل مستمر، وينتهي وجودها الحضاري وتبتلعها مجتمعات أخرى، أو تدخل في هامشية حضارية مميتة، بقدر ما يتلوث وعيها التاريخي الجمعي الثقافي والنفسي والاجتماعي المشترك وتتشرذم معطياته وتتنافر.

وهذا كله تتحمل المسئولية الأساسية عنه، النخب المثقفة فيه، فكرية كانت أم سياسية أم اجتماعية، فهي التي تمكِّن المجتمع من انسجامه وتماسكه واستمراريته التاريخية الفاعلة، أو تتركه يواجه مصير الاستلاب والذوبان الحضاري أو الهامشية الحضارية المميتة، وإن استمر جغرافيا وبيولوجيا.

لهذا رأيت في هذه الألفية الشعرية التاريخية الجميلة، يقظة وفطنة فكرية، وحسا سننيا، وإدراكا للساحات الأخطر في موازين المدافعة والمداولة الحضارية، عند صاحبها الأخ سي إبراهيم قار علي، فقد وضع البعد التاريخي وما ينبثق عنه من وعي تاريخي جمعي مشترك، في مكانه اللائق به من معادلة المدافعة والمداولة الحضارية، وبادرتُ إلى المساهمة بهذه الخواطر في التنويه بهذا المنتج المعرفي وبوعي صاحبه.

كيف نُغْني ونحمي وعينا التاريخي ونورِّثه للأجيال؟

وإذا كانت لي من كلمة أخيرة أقولها في ختام هذه الخواطر البسيطة على هامش هذه الألفية الجميلة، فهي دعوة أجيال المثقفين في مختلف الساحات المعرفية والحياتية، إلى العناية القصوى “بمنظور السننية الشاملة”، الذي نعمل على صياغته منذ خمسة عقود في صورة منظومة كلية متناغمة مع غايات الوجود الكبرى، في كل ما ينتجونه من معرفة أو يقومون به من أعمال ميدانية في أي ساحة من ساحات المجتمع والدولة والأمة.. لأنه يشكل بؤرة وبوصلة الوعي الذي ترتبط به نهضة أي فرد وأي مجتمع من المجتمعات، ويتوقف على الوعي به والاستفادة منه، أمنه الفكري والثقافي والتربوي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والحضاري والأخروي عامة.

فما لم تخدُم المعرفة المنتَجةُ، أو الجهود والأعمال المنجَزةُ، بناءَ وعي الأجيال بهذا المنظور وهذه الرؤية السننية الشاملة للوجود والحياة والإنسان، ولحركة المداولة الحضارية بين الجماعات البشرية في الأرض، فإنه لا يمكن للمجتمع أن يبني الوعي الجمعي السنني المشترك المتوازن لدى أجياله، وسيظل وعيها وجهدها عرضة للتبعثر والتنافر والاهتلاك والهدر، وحياتها عرضة للارتباك واللامعنى والضنكية النفسية أو الروحية أو الاجتماعية حتى وإن اتسم جهدها وعملها ببعض الفعالية، بل وحتى بالفعالية الإنجازية القصوى، لأنها لا تجدي كثيرا في نهاية المطاف، ولا تحقق للمجتمع نهضته وأمنه الاستراتيجي الدنيوي والأخروي معا، ولا تحافظ على منجزاته، وستكون سببا في الإصابة بالترفيَّة المهلكة، أو الاستكبار المطغي، أو الخوائية الروحية والجفائية النفسية السالبة للذة الحياة وجماليتها وبركتها ورحمتها الحقيقية.

السننية الشاملة ومصائر الأفراد والمجتمعات:

فنحن عندما نتحدث عن مجتمع ونهضة ووعي جمعي سنني مشترك، وعن مدافعة ومداولة حضارية مهيمنة على الوجود البشري في الأرض، فإننا نتحدث عن فعل وجهد ومسار ضخم كلي مركب ومتشابك ومعقد، تتداخل وتتدافع وتتكامل وتتنافر فيه أبعاد وعناصر ومعطيات وشروط وضرورات وحاجات وتحديات كثيرة جدا، بدون تكاملها وتساندها جميعا يفقد العمل والجهد والإنجاز أصالته وفاعليته وقدرته التأثيرية التكاملية المطلوبة في إدارة معتركات حركة المدافعة والمداولة الحضارية.

وما يضمن هذه التكاملية بين كل هذه الأمور الضرورية في الوعي والفعل والجهد الاجتماعي والحضاري للإنسان، هو هذا المنظور السنني الشمولي التكاملي المتوازن، الذي يجعل الوعي والفعل والجهد الفردي والجماعي ينفتحان وجوبا على كل الساحات الكونية التي تتوزع فيها سنن فهم وإدارة الحياة بشكل أصيل وفعال ومتوازن ومتكامل.

مصائر المجتمعات الإنسانية بين المنظورات الجزئية والمنظورات الكلية:

والملاحظ في تشكل وبناء الوعي والجهد الإنساني عامة، أنه كثيرا بل غالبا ما تهيمن عليه الرؤى والمنظورات السننية الجزئية المنكفئة على نفسها، والمستكفية بذاتها، والمتنافرة مع غيرها أحيانا كثيرة، ولا شك أن مثل هذا الوعي والجهد الجزئي لا يغطي من شروط النهضة الذاتية للأفراد والنهضة الحضارية للمجتمعات والأمم والحضارات إلا جوانب جزئية محدودة، لا تقوى على تحقيق هذه النهضة الفردية والحضارية مهما كانت الفعالية التي يتسم بها هذا الوعي والجهد الجزئي، فتبقى جوانب حيوية كثيرة جدا في شخصية الفرد وفي حركة المجتمع غير مستوعَبة وغير منمَّاة، فتضمُر فعاليتها وتُحرم منها حركة المدافعة والمداولة، أو تنمو بطريقة عشوائية فتشكل عنصر تنافر واهتلاك في شخصية الإنسان أو حركة المجتمع، وتكون في النهاية عنصر منافرة وإضعاف لحركة المدافعة والمداولة الحضارية للمجتمع كذلك، وهو ما يؤثر سلبا على وضعه في ساحات المدافعة والمداولة الحضارية في محيطه وفي العالم.

ومن يتعمق على سبيل المثال في دراسة أسباب عجز بعض المجتمعات عن تحقيق نهضتها الحضارية ابتداء، وفشل أخرى في المحافظة على استمرارية نهضتها الحضارية المحقَّقة وإنقاذها من الضعف والتراجع والانهيار، سيجد بأن للمنظورات الجزئية والجهود والأعمال الجزئية المتضخمة في نفوس أصحابها، دورا كبيرا في ذلك كله، لأن المنظورات الجزئية بطبيعتها لا توفر لأصحابها معطيات شاملة ومتكاملة عن فهم المشكلات والتحديات وتصور حلولها، فتغرق في دوامة الحلول الجزئية المزمنة التي تتسبب في تراكم المشكلات وتعاظم التحديات مع مرور الزمن.

إن كل هذه العلوم والمعارف والخبرات التي يراكمها البشر عبر الأجيال والقرون، والتي ستتوالى مراكمتها عبر الزمن الآتي، وكل هذه الإمكانات الضخمة التي سُخرت وتسخَّر من أجل ذلك، تهدف إلى وضع اليد على سنن إدارة الحياة، فهي وحدها التي تمكِّن الإنسان من إدارة حياته بشكل صحيح وفعال ومتوازن، ومحقِّق لأمن الأفراد والمؤسسات والدول والمجتمعات، ومُمكِّن لهذه المجتمعات من تحقيق نهضاتها الحضارية المنشودة، وتوفير أفضل الظروف والشروط لكل فرد فيها لتهيئة مصيره الأخروي وتأمين حياته هناك.

فغاية كل هذه العلوم والمعارف والخبرات المتاحة وغيرها مما سيتاح مستقبلا، هي كشف سنن إدارة الحياة، والتحكم في استثمارها بشكل صحيح وفعال ومفيد. وواقع البشرية الضارب في أغوار التاريخ، والذي نعاصره نحن الآن، والذي سيعاصره من بعدنا من الأجيال البشرية، يؤكد بأن السلطان الأعظم في الحياة البشرية هو للسنن التي وضعها الله تعالى لتجري عليها حركة الكون والحياة والإنسان، وينتظِم ويطَّرد بها سير حركة المدافعة والمداولة الحضارية في الأرض، رفعا لمجتمعات وأمم وتمكينا لها في الأرض، وخفضا لأخرى وتعريضا لها لمخاطر كبرى، بحسب علاقة كل منها بسنن الحياة، وبمدى أخذها بها في رفع مستوى مدافعتها وتحقيق نهضتها ومداولتها الحضارية، أو جهلها بها ومصادمتها لها، وفشلها في تحقيق فعالية مدافعتها الحضارية، ومن ثم عجزها عن تحقيق نهضتها ومداولتها الحضارية.

فالوعي بالسنن اكتشافا وفهما واستثمارا، هو المؤثر والمحرك الحقيقي لحركة التاريخ، فحيثما يبزغ الوعي السنني تختفي الخرافة والوهم.

 والسؤال الكبير هنا هو هل يكفي تحكم الإنسان في هذه السنن الجزئية اللامحدودة ليتمكن من إدارة حركة مدافعته الحضارية بشكل صحيح وفعال، وتحقيق مداولته ونهضته الحضارية المنشودة، أم أن ذلك لا يكفي؟

وتتأكد أهمية هذا السؤال أكثر عندما نتعمق في تأمل الواقع الإنساني التاريخي والمعيش، ونلاحظ بأن الإنسان كلما ازدادت معرفته بالسنن الجزئية واستثماره لها، وحيازته للمزيد من القوة والنفوذ والرفاه، بمعزل عن المعرفة السننية الشاملة المتكاملة، والتربية السننية الشاملة المتكاملة، والثقافة السننية الشاملة المتكاملة، كلما ازدادت مشكلاته وتحدياته ومتاعبه النفسية والروحية والاجتماعية والحضارية!  فلماذا يحدث هذا؟ وما المخرج منه؟

ولا شك أن هذه مفارقة كبيرة وغريبة ومحيرة بالنسبة لكل من لا يمتلك الوعي بمنظور السننية الشاملة، ولا يتمكن من النظرة الشاملة والمتكاملة للظاهرة، إذ كيف تعاني حياة الفرد أو المجتمع من كل هذه المشكلات والمخاطر والمتاعب، وهو يتحكم في كل هذه الترسانات من السنن الجزئية ويستثمرها بفعالية قصوى، ويستفيد منها في محاولة تنظيم وإدارة وتحسين شروط وظروف حياته، وحيازة المزيد من المؤمِّنات لها؟

كيف تتحول القوة إلى ضعف؟ وكيف يتحول المال والغنى والرفاه إلى قلق مؤرِّق؟ وكيف يتحول التقدم المادي والتقني الهائل إلى تخلف قيمي وأخلاقي وضمور أو انحطاط في المشاعر والعواطف الإنسانية التي بها يكون الإنسان إنسانا؟ كيف يسكن القلقُ والخوفُ الإنسانَ وهو في بحبوحة العيش؟

وأرد هنا على عجل شهادتين مهمتين لعالمين ومفكرين غربيين كبيرين هما أليكسيس كاريل الفرنسي صاحب كتاب ( الإنسان ذلك المجهول )، ورينيه دوبو الأمريكي صاحب كتاب ( إنسانية الإنسان )، تبينان فعلا كيف يؤدي الرفاه والاستغناء المادي إلى خطر على الأفراد والمجتمعات، حينما تحكمه منظورات سننية جزئية متنافرة، ثم أكشف لماذا يحدث ذلك؟

يقول رينيه دوبو عن آثار التطور والرفاه المادي الكبير: ” فالتوسع الفوضوي غير المتماسك الذي تقوم به المجتمعات التكنولوجية في العقود الأخيرة سيأتي حتما على نهاية الحياة الإنسانية إذا استمر لمدة أطول. فالزيادة في الانتاج بزيادة تسارعه لا تسهم في سعادة الإنسان ولا في إدراك معنى الوجود.  وفي الماضي أضر الازدهار الكبير، في أغلب الأحيان، بالقيم الإنسانية وولد سأما وضجرا؛ وأزمة البيئة في العالم المعاصر تشير كذلك إلى أن الازدهار، إذا ما أسيء استعماله، قد يؤدي إلى تدمير شامل لحياة الإنسان “( إنسانية الإنسان/56 “.

ويقول أليكسيس كاريل لافتا إلى جانب من جوانب هذه التأثيرات السلبية للمعرفة الجزئية على حياة الإنسان والمجتمع والبيئة:  “إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولَّدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم، ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أُنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا “( الإنسان ذلك المجهول/27 ).

والجواب المقتضب عن الأسئلة السابقة المتصلة بتأثيرات المنظورات الجزئية والمعرفة الجزئية المنبثقة عنها على حياة الإنسان، هو أن السنن الجزئية وحدها على أهميتها الكبرى في الحياة، لا تكفي في تحقيق الانسجام والتوازن والفعالية التكاملية في حياة الفرد وحركة المجتمع وعلاقاتهما بالله والكون والحياة، لأنها لا تغطي إلا جوانب محدودة جدا من واقع حياة الفرد وحركة المجتمع، كما أنها لا تغطي ابتداء إلا جوانب محدودة من العلاقة بالله والكون والحياة.

فالحياة الإنسانية لكي تنسجم وتتكامل وتتوازن، وتعظُم فعاليتها الفردية والاجتماعية والحضارية، لا بد أن تتوفر لها كل أنواع السنن التي تغطي كل ضرورياتها وحاجياتها ومحسناتها ومرقِّياتها في مدارج الكمال الإنساني، وليس أنواعا معينة من هذه السنن فحسب، التي لا تغطي إلا جوانب محددة ومحدودة من كل هذه الجوانب الواسعة والشاسعة والمركبة والمعقدة من حياة الإنسان وحركته الثقافية والاجتماعية والحضارية في الأرض.

وهذه التغطية والتلبية الشاملة لكل هذه الجوانب الواسعة، لا تقوى عليه المنظورات السننية الجزئية بل هو من مهمة المنظورات السننية الشاملة، التي تستوعب كل هذه المنظورات الجزئية وتستفيد من معطياتها جميعا، وفي مقدمة هذه المنظورات كلها منظور السننية الشاملة الذي تكاملَ جهد الرسالات السماوية والحركات الرسالية الإصلاحية المنبثقة عنه، في بنائه عبر مسار تاريخي طويل، واكتملت معالمه الكبرى في القرآن الكريم، وثبتت صلاحيته ومصداقيته وفعاليته العملية الميدانية في تجربة الدورة الحضارية الإسلامية الأولى بشكل لا ينكره إلا جاهل بحركة التاريخ أو خصم حقود.

منظور السننية الشاملة والوعي الحضاري المنشود:

وهذا ما يجعلني ألحُّ كثيرا على أهمية تعميق الوعي بمنظور السننية الشاملة لدى أجيال المجتمع عامة، وأجيال نخبه المثقفة خاصة، لأنه المنظور الذي يتيح لها رؤية أشمل وأكثر توازنا وتكاملا لتصور المشكلات والتحديات ومواجهتها بفعالية، وتجاوز التصورات الجزئية لها، وتلافي مضاعفاتها السلبية على مسيرة نهضة المجتمع.

وأنا أعني هنا بمنظور السننية الشاملة، المنظور الذي تكاملت في بنائه ثوابت المؤطرات المرجعية للوحي الإلهي من جهة، ومحصلات رشد جهد حركة الاجتهاد الاستخلافي البشري في تجسيد مقاصد الوحي في الحياة من جهة أخرى. ويتأسس هذا المنظور على:

كون الوجود الكوني والبشري في علاقتهما بالوجود الإلهي محكومان ومنظومان بسنن وقوانين مطردة لا تتغير ولا تتبدل، بل هي ماضية في إدارة كل مفردات الكون والحياة بشكل موضوعي.

وكون هذه السنن موزعة في أربع ساحات أو منظومات كونية أساسية هي ساحة أو منظومة سنن الآفاق، وساحة أو منظومة سنن الأنفس، وساحة أو منظومة سنن الهداية، وساحة أو منظومة سنن التأييد.

وكون كل منظومة من هذه المنظومات السننية الكونية الأربع، جاءت بالأساس لكي تغطي جانبا أساسيا من حياة الإنسان الفرد ومن حركته الحضارية في الأرض.، وتوفر له كل ما يحتاجه في نموه وتوازنه وفعاليته الوظيفية.

وكون كل منظومة من هذه المنظومات لا يمكنها أن تحل محل منظومة أخرى أو تعوضها في تلبية ضروريات وحاجيات ومحسنات ومرقيَّات حياة الإنسان وحركته الحضارية، بالرغم مما بين بعض أو كل هذه المنظومات من مساحات تداخل فيما بينها، لا تلغي استقلالية كل منظومة بهويتها الذاتية ووظيفتها التسخيرية المستقلة .

وكون كل منظومة من هذه المنظومات لها سلطتها وحجيتها المرجعية على المجال الذي وجدت من أجل تغطيته وتلبية حاجات الإنسان وحركته الحضارية فيه.

وكون عدم الوعي بهذه الخصائص الأساسية لمنظور السننية الشاملة، أو تعطيل أية خاصية من هذه الخصائص، هي سبب اختلال واضطراب وعي الإنسان وحياته الفردية، واضطراب واختلال حركته الحضارية في الأرض بشكل مطرد.

وكون استيعاب وعي الإنسان لكل خصائص المنظور، واستيعاب حركته الحضارية لها جميعا كذلك، هي أساس وشرط انسجام وتوازن وتكامل شخصية الفرد وفعاليته الاجتماعية والحضارية، وتجزؤ وعيه بها أو ببعضها هو سبب ازدواجية شخصية الفرد وتنافرية أدائه، وتنافرية حركته الاجتماعية والحضارية وتضاؤل فعاليتا التكاملية.

وكون هذا المنظور يحيل في النهاية إلى أن حركة النهضات والمداولات الحضارية يحكمها بشكل مطرد ” قانون المدافعة والتجديد “. فالمجتمع الذي يرفع مستوى فعالية مدافعته الثقافية والاجتماعية والحضارية يحقق نهضته ومداولته الحضارية، والمجتمع الذي يخفق في رفع مدافعته الثقافية والاجتماعية والحضارية لا يمكنه أن يحقق نهضته ومداولته الحضارية، وسيكون مصيره الضعف والتخلف والغثائية والتبعية والاستباحة الحضارية.

وأن رفع مستوى فعالية المدافعة الثقافية والاجتماعية والحضارية للأفراد والمجتمع مرتبط بشكل مطرد بالتجديد الذي يحدثه هذا المجتمع بشكل مستمر، في علاقته بمنظومات سنن الوعي الكوني الغائي الشامل أولا، وسنن الوعي الاستخلافي الشامل ثانيا، وسنن الوعي التسخيري الشامل ثالثا، وسنن الوعي الوقائي الشامل رابعا.

وبناء على هذا كله، فإن المعرفة والعلم والثقافة والتربية الحقيقية، وأن العالِم والمثقف والمربي والمؤثر الحقيقي في حركة الحياة، هو من يصب جهده العلمي والمعرفي والثقافي والتربوي في خدمة هذا المنظور السنني الشامل، وتعميق وعي أجيال المجتمع به، لأنه هو الذي يضمن لها وعيا تاريخيا جمعيا مشتركا ومتوازنا وتكامليا وفعالا، يقيها من التبعثر والازدواجية والتنافرية المنهكة، التي غالبا ما تقود المجتمع نحو الضعف والتخلف والاستلاب والتبعية والهامشية بل والمنبوذية الحضارية المميتة.

أخي الفاضل سي إبراهيم أعتقد في نهاية هذه الانطباعات السريعة، أن جهدكم في إنتاج هذه الألفية الشعرية التاريخية الجميلة، يندرج في سياق بناء الوعي بهذه الخريطة الكلية لمنظور السننية الشاملة الذي أراه المفتاح الأساس للوعي والفاعلية الحضارية المتكاملة، ما دام قد صب مباشرة في بؤرة أو مضغة أساسية من بؤر الوعي الحضاري ومضغه الحيوية، وهي ” بؤرة إحياء وإغناء وتجديد وتوسيع دائرة الوعي التاريخي الجمعي المشترك للمجتمع “، وكما قال الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله وهو يحيي جهد الشيخ مبارك الميلي رحمه الله ويثمِّنه ويضعه في مكانه من شروط نهضة المجتمع الجزائري ومن حركة استنقاذه من خطر الفناء الحضاري، عندما كتب كتابه ” تاريخ الجزائر في القديم والحديث “.

فقد كتب إليه يقول له: ” حياك الله تحية من علم وعمل وعلم. وقفت على الجزء الأول من كتابك ” تاريخ الجزائر في القديم والحديث “. فقلت لو سميته “حياة الجزائر”  لكان بذلك خليقا. فهو أول کتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعد ما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهنالك. وقد نفخت في تلك الصورة من روح إیمانك الديني والوطني ما سيبقيها حية على وجه الدهر، تحفظ اسمك تاجا لها في سماء العلا، وتخطه بيمينها في كتاب الخالدين “.

أخي مبارك! ” إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف من أحيا أمة كاملة؟ أحيا ماضيها وحاضرها وحياتهما عند أبنائها حياة مستقبلها. فليس- والله – كفاء عملك أن تشكرك الأفراد، ولكن كفاءه أن تشكرك الأجيال. وإذا كان هذا في الجيل المعاصر قليلا، فسيكون في الأجيال الغابرة كثيرا. وتلك سنة الله في عظماء الامم ونوابغها، ولن تجد لسنة الله تبديلا “( تاريخ الجزائر في القديم والحديث 1/10 ).

لقد اعتبر رحمه الله بناء الوعي التاريخي الجمعي المشترك للمجتمع، جزءا هاما من بعث الحياة في هذا المجتمع، وحفظ توازنه، وضمان امتداد حضوره وتأثيره في الواقع والمستقبل والتاريخ، ولا أخال جهدك في مجاله طبعا، أخي سي إبراهيم، بعيدا عن هذا المعنى وهذا المقصد الكبير، فهو يتحرك نحو نفس الغاية والمقصد ولكن من مدخل معرفي آخر، وهو مدخل الألفية الشعرية التاريخية.

فبارك الله فيكم وفي جهدكم، وأعانكم للمضي قدما في خدمة هذا المقصد الحيوي من مقاصد الوعي السنني الشامل، وهو بناء وتجديد الوعي التاريخي الجمعي المشترك للمجتمع الجزائري وتوسيع دائرته، في إطار الوعي التاريخي الجمعي العام للأمة الإسلامية، والوعي الجمعي التاريخي الإنساني المشترك. فدوائر الوعي الثلاثة لا ينفصل بعضها عن بعض، بل يخدم بعضها بعضا بحكم التداخل والتفاعل المستمر بينها جميعا. وتاريخنا ومجتمعنا جزء من تاريخ ومجتمعات أمة الإسلام، وتاريخ أمة الإسلام جزء من تاريخ الإنسانية.

مقالات ذات صلة