-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“عاشوراء” بين المسلمين واليهود.. وبين السنّة والشّيعة!

سلطان بركاني
  • 3789
  • 0
“عاشوراء” بين المسلمين واليهود.. وبين السنّة والشّيعة!

روى البخاريّ وغيره عن عبد اللَّه بن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: “قدم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى اللَّه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه”.. يُشْكل على بعض شبابنا في هذا الحديث كيف وجد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- اليهود يصومون عاشوراء يوم مقدمه المدينة، مع أنّه قدم في ربيع الأوّل وليس في محرّم؟ ويتساءلون مع ذلك: هل اليهود يعتدّون بالأشهر القمرية التي عرفها العرب؟ وهل خفي على النبيّ –صلّى الله عليه وٱله وسلّم- اليوم الذي نجّى الله فيه كليمه موسى –عليه السّلام- وأغرق عدوّه فرعون، حتّى يأخذ علمه من اليهود؟

هي أسئلة، يطرحها بعض شبابنا بنبرة تحدّ، عند سماع من يحدّثهم عن فضل صيام عاشوراء، وهم ليسوا أصحاب السّبق في طرحها وإثارتها، إنّما هم في ذلك ينقلون الشبهات التي يطرحها المتشيّعون والإشكالات التي يثيرها العلمانيون على نصوص السنّة وأحداث السيرة، والحقّ أنّ مردّ هذه التساؤلات والإشكالات، ليس الذّكاء الذي يخامر عقول المستشكلين دون علماء السنّة والسيرة، ولكنّها قلّة الاطّلاع، بل الجهل المركّب الذي ينسى معه صاحبه أنّه لم يطو كتابا من كتب السيرة ولا فتح كتابا من الكتب المتخصّصة في شرح الأحاديث النبوية.. والإجابة عن هذه التساؤلات سهلة لمن تجرّد في طلب الحقّ، وكلّف نفسه جهدا متواضعا في البحث:

  1. اليهود لا يعتمدون في حسابهم على الأشهر القمرية بأسمائها العربية، إنّما يعتمدون حسابا خاصّا بهم، يجمع بين الحساب القمريّ والحساب الشّمسيّ؛ فالأشهر اليهودية تُحسَب على دورة القمر، وتتألّف من 29 أو 30 يوما، بينما السنوات تتبع دورة الشمس، ويعتمد اليهود في حسابها على تقويم خاصّ له بداية يزعمون أنّها تمثّل بدء الخليقة، في العام 3760 قبل الميلاد! أي إنّهم الآن في العام 5782 عبري! والسنة اليهودية العبرية تتوافق -في مجملها- مع السنة الميلادية، وتتألّف من 12 شهرا، تبدأ بين سبتمبر/ أكتوبر بشهر عبريّ يسمّى “تشري”، والأشهر عندهم مع ما يوافقها هي بالتقريب: تِشري (يوافق أكتوبر)، حِشوان (نوفمبر)، كِسلو (ديسمبر)، طِبِت (جانفي)، شباط (فيفري)، آذار (مارس)، نيسان (أفريل)، أيار (ماي)، سِيفان (جوان)، تمّوز (جويلية)، آب (أوت)، أيلول (سبتمبر).

حتى يتطابق الحسابان؛ الحساب القمري للشهور (354 يوما) والحساب الشمسي للسنين (365 يوما)، يجمع اليهود الفرق بينهما في شهر زائد نسيء يسمّى “آذار الثاني” يضاف إلى التقويم بين آذار ونيسان 7 مرات خلال 19 سنة، لتكون السنة اليهودية الكبيسة 13 شهراً.. كلّ هذا حتى تبقى المناسبات الدينيّة اليهوديّة في فصل واحد، ولا تنتقل بين الفصول كما هي الحال عند المسلمين.

  1. “عاشوراء” أو “عشوراء” أو “العاشوراء” في الاصطلاح العربيّ يعني اليوم العاشر من الشّهر، والعرب كانوا يهتمّون بعاشوراء محرّم خاصّة، وكانت قريش تصومه وتكسو فيه الكعبة، أمّا اليهود فلا يعرفون عاشوراء الذي عرفه العرب ويعرفه المسلمون، في العاشر من شهر محرّم، إنّما يعرفون “عاشوراء” خاصّا بهم في العاشر من شهرهم الأوّل “تشري”، يصومون فيه صياما خاصّا، وهذا اليوم يسمّى عندهم “كبور” أو يوم “الغفران”، وهو اليوم الذي فُرض عليهم صيامه تكفيرا عن عبادة العجل بعد أن ذهب موسى –عليه السّلام- لميقات ربّه، أمّا احتفالهم بذكرى خروج موسى -عليه السّلام- مع بني إسرائيل من مصر ثمّ نجاتهم من فرعون، فيكون من 15 إلى 21 نيسان، وهي أيام “الفصح” عندهم.
  2. اختلف أهل السير في اليوم الذي دخل فيه النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- المدينة مهاجرا، بين 2 و8 و12 ربيع الأوّل، وقد اجتهد بعض الباحثين في علم الفلك في تحديد هذا اليوم، بينهم الباحث الكويتي صالح العجيري، فوجدوا أنّه يوم الاثنين 8 ربيع الأول من السنة التي اصطلح فيما بعد على أنّها السنة 1 هجرية، المصادف لـ 23 سبتمبر 622 ميلادية، وباعتماد الحساب، وجد الباحثون أنّ هذا اليوم كان موافقا لـ 10 من الشهر اليهوديّ الأوّل “تشري” سنة 4383 عبرية، وهو يوم الكبور (الغفران)، ولهذا كان اليهود يومها صائمين.. ويمكن التأكّد من هذا التوافق التاريخي بالدّخول إلى موقع “تحويل التاريخ الديني” على شبكة الإنترنت.
  3. موسى –عليه السّلام- ومن معه من بني إسرائيل، لم تكن نجاتهم في “يوم الغفران” الموافق لـ10 تشري، ولا حتّى في 21 نيسان كما يزعم اليهود، إنّما كانت في 10 أيار 2534 عبري، وكان موافقا ليوم الخميس 29 أفريل 1227 ق.م، وموافقا أيضا لـ 10 محرّم 1905 ق.هـ، حسب ما أكّده الباحث المهندس محمّد عبد الرزاق جويلي، الذي توصّل أيضا إلى أنّ يوم الزّينة الذي تحدّى فيه موسى -عليه السّلام- سحرة فرعون، والذي كان قبل الخروج بـ40 سنة، وافق يوم السّبت 10 محرّم 1945 ق.هـ/ 9 يوليو 1266 ق.م/ 11 تموز 2494 عبري.

بالنّظر إلى هذه النّتائج البحثية، يمكن أن نخرج بنتيجة مفادها أنّ كُلا من يوم الزّينة ويوم النّجاة كان موافقا يقينا لـ10 محرّم (عاشوراء) حقيقة، وأنّ النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- عند دخول المدينة، يوم 8 ربيع الأوّل، وجد اليهود يصومون يوم الغفران، الموافق للعاشر من شهرهم الأوّل تشري، لكن ولأنّهم كانوا يكذبون ويحرّفون الكلم عن مواضعه ويلبسون الحقّ بالباطل، فقد زعموا أنّهم يصومون اليوم الذي نجّى الله فيه نبيّه موسى عليه السّلام، بينما هم في حقيقة الأمر يصومون يوما فُرض عليهم صيامه بعد الذّنب العظيم الذي اقترفوه يوم عبدوا العجل، فدلّ الله نبيّه الكريم على كذبهم، فأمر –عليه الصّلاة والسّلام- أصحابه بصيام اليوم الذي نجا فيه موسى -عليه السّلام- حقيقة، وهو يوم 10 محرّم الذي كان النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- يصومه قبل ذلك في مكّة كما كانت قريش تصومه، لكنّه لم يكن حينها يأمر أحدا بصيامه.

بعد الذي سمعه من اليهود يوم دخوله المدينة، أراد النبيّ -عليه السّلام- أن يثْبت لهم أحقية أمّة الإسلام بكليم الله موسى عليه السّلام، فأمر النّاس بصيام عاشوراء وأوجب عليهم صيامه، فصاموه في محرّم من العام الثّاني الهجريّ.. وفي شعبان من ذات العام نزل فرض صيام رمضان، فنسخ وجوب صيام عاشوراء، ورخّص النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- في ترك صيامه، تقول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه”.

استمرّ الأمر كذلك، حتّى كان العام 11 هـ، وصام من صام من المسلمين عاشوراء، حيث تزامنت الفترة بين 14 و20 محرّم مع أيام الفصح عند اليهود التي تبدأ –حسبهم- يوم 15 نيسان الذي يمثّل عندهم يوم خروج نبيّ الله موسى –عليه السّلام- مع بني إسرائيل من مصر، وتنتهي –حسبهم- يوم 21 نيسان الذي يمثّل عندهم يوم العبور (النّجاة)، فلمّا رأى المسلمون اليهود يتزيّنون ويفرحون في هذه الأيام ويلبسون نساءهم الحليّ، وأخبروا النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- بذلك، أراد –عليه الصّلاة والسّلام- أن يُمعن في مخالفتهم، فقال: “لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التّاسع” مع العاشر من محرّم، أي إنّه قصد أن يزيد احتفاء المسلمين بموسى –عليه السّلام- بزيادة الطّاعة، في مقابل توسّع اليهود في الاهتمام بالمظاهر، لكنّه –صلّى الله عليه وآله وسلّم- قُبض قبل أن يأتي عاشوراء من السّنة 12هـ، وصار صيام تاسوعاء وعاشوراء من كلّ عام سُنّة حافظ عليها الصّحابة الأبرار وأهل البيت الأطهار.

كما كان عليه الأمر على عهد النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- فإنّ عاشوراء لم يزل يوم طاعة وصوم بعد وفاته –عليه الصّلاة والسّلام- في عهد الخلفاء الرّاشدين، وكان عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- يصومه ويحثّ على صيامه، وقد شهدت كتب الشّيعة نفسها بذلك، حيث روت عنه أنّه كان يقول: “صوموا العاشوراء التّاسع والعاشر فإنّه يكفّر ذنوب سنة” (تهذيب الأحكام: 4/ 299، الاستبصار: 2/ 134).

بعد استشهاد الحسين -رضي الله عنه- في عاشوراء سنة 61هـ، على أيدي زبانية يزيد بن معاوية، ظلّ صيام هذا اليوم سنّة يحافظ عليها المسلمون عامّة وأهل البيت خاصّة، على خلاف ما يدّعيه الشّيعة أنّ صيام عاشوراء بدعة أموية؛ فهذا مثلا الإمام محمّد الباقر حفيد الإمام الحسين يقول كما تشهد كتب الشّيعة نفسها: “صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة” (تهذيب الأحكام: 4/ 300، الاستبصار: 2/ 134)، وهذا خلافا للنّواصب المارقين الذين اتّخذوا هذا اليوم يوم فرح، ووضعوا أحاديث ترغّب في إظهار الفرح والتوسّع في المآكل في عاشوراء! وقابلهم الشّيعة الذين جعلوه يوم جزع ولطم وتطبير!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!