-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الجزء الثاني والأخير

ماذا عن مسؤولية بن طوبال في تصفية بعض قيادات الثورة؟

بقلم: صالح لغرور
  • 1295
  • 1
ماذا عن مسؤولية بن طوبال في تصفية بعض قيادات الثورة؟

يروي بن طوبال التفاصيل الدقيقة للصعوبات المختلفة التي واجهوها وهم في الطريق إلى تونس، يكتب أنهم التقوا بعمار بوقلاز في سوق الأربعاء الذي أعجب بقرارات الصومام ووضع نفسه تحت تصرف لجنة التنسيق والتنفيذ وقال إنه مستعد للقيام بتنفيذ أية مهمة تسند له، وتقبل أية مسؤولية يكلف بها من طرف القيادة. كان فعلا اعترافا كليا بالولاء للقيادة، كما يكتب بن طوبال. عند وصولهم إلى تونس استقبلهم -قاسي- وتكلف بإيوائهم. بوالصوف رفض الإقامة وفضّل كعادته حسب بن طوبال الإقامة في مكان يجهله الجميع. في هذه الظروف تعرض بوالصوف للاغتيال لكن عدم ثقته في أي شخص أنقذته.

يروي أنهم وجدوا فوضى في تونس وأن مجموعات جيش التحرير الوطني لا تخضع لولاية سلطة مركزية. الفصائل كانت مسيرة من طرف “أفراد” (لاحظوا تعبير كلمة أفراد) جاؤوا من الأوراس أو القاعدة الشرقية..” وأحدثوا فوضى، وأن أوعمران قام بنشاط كبير في فرض سلطة لجنة التنسيق والتنفيذ، وأن مزهودي اجتمع بقادة النمامشة الذين جاؤوا من الجزائر.

مخلفات تعيين رائد سابق في الجيش الفرنسي على رأس الولاية الأولى

يضيف أن أوعمران أصبح مسؤول قيادة الأوراس وعين أول مجلس الولاية على رأسه “رائد سابق في الجيش الفرنسي محال على المعاش…” وهو محمود الشريف. يستمر بن طوبال في القول: “عند لقائنا بأوعمران تحدثنا عن تشكيل أعضاء هذا المجلس، أي مجلس الولاية الأولى.. في نفس الوقت التقى بن عودة الذي ساعد أوعمران في حل الأزمة”، وطلب منه معلومات حول محمود الشريف، فاندهش لكون هذا الأخير عضو في حزب فرحات عباس، وأنه من قدماء الجيش الفرنسي ومسؤول “دار العسكري في تبسة وعميل إلى غاية 1956 تم توقيفه من طرف رجالنا، وحكم عليه بالإعدام على أساس أنه مرشد للفرنسيين”. يذكر بن طوبال أن عضوا من الولاية الأولى وهو صالح بن علي دافع عنه وعرض فكرة تكليفه بعملية ضد القوات الفرنسية، فإذا نجح يجند في جيش التحرير وإذا اغتيل تخلصوا منه. نجح محمود الشريف في تنفيذ العملية لكنه أصيب بجراح نقل خلالها إلى المستشفى، فتم إنزاله قائدا للولاية”. يضيف بن طوبال أن أوعمران هو من عينه، وقد اعترف هذا الأخير بخطئه. كما يعترف بن طوبال بالأخطاء التي ارتكبوها خصوصا مغادرة الجزائر وترك مصير الولايات بين أيدي من لا يستحقونها.

بن طوبال ودوره في تصفية قيادات بارزة

أعطى بن طوبال تفاصيل دقيقة ومطولة عن علاقتهم بعبان رمضان ومحاولة هذا الأخير الاستيلاء على السلطة بكل الوسائل وكيف تم اغتياله. يكتب: “اعتبرت دائما وأقولها أمام التاريخ بأن عبان يستحق الموت وأتمسك بقولي إلى حد الآن، لكن ما لا أقبله لا لعبان ولا لأي شخص آخر هو أن هذا قد يحدث سابقة خطيرة جدا تكون ضحيتها أي قائد من قادة الثورة…” ويقول إنه كان بإمكانهم ما داموا على حق تحضير ملف اتهام لعبان ومحاكمته.

ما نلاحظه في هذا المقطع، أن بن طوبال لا يعتبر كل الاغتيالات التي وقعت قبل تصفية عبان رمضان سابقة خطيرة. أتساءل يا ترى ما هو سر عدم تعرضه لتصفية قادة الولاية على رأسهم عباس لغرور رغم صراحته الجريئة في سرد الأحداث.

هل هو بريء من هذه المذبحة؟  هل هو انتقاص من قيمة ووزن القادة المغتالين؟  أم إنه لم يجد مبررا لهذه الجريمة ففضل السكوت؟

في ما يخص البراءة: لا أظن أنه بريء، لأن كل الاتهامات في كل المصادر سواء مذكرات أو تصريحات المجاهدين وبعض المؤرخين توجه أصابع الاتهام إلى لجنة التنسيق والتنفيذ على رأسها بن طوبال وكريم وأوعمران.. فقط شهادة عمار بوقلاز لجريدة أول نوفمبر يدلي بتوضيحات جد مهمة. فيجيب عن سؤال حول مصير عباس لغرور: “لا.. عباس لغرور لم يحاكم قبل قتله ومثله أيضا التيجاني ومنتوري وغيرهم، فهؤلاء أجهل من قرّر قتلهم، ولكن بعض الجماعة ومنهم عمار بن عودة والرائد ايدير يعرفون دون شك من أصدر إليهم الأمر بقتل هؤلاء. أما الأشخاص الذين حوكموا من طرف محكمة عسكرية فهم جماعة تبسة المعارضين لمحمود الشريف، وكانت تلك المحكمة برئاسة عبد الله بن طوبال وبعضويتي أنا وعمار بن عودة والرائد قاسي. وكان المدعي العام هو محمود الشريف الذي كان خصما لتلك الجماعة في آن واحد، وهو الذي أعد ملفات ضخمة ضد أفراد تلك الجماعة التي منها شريط لزهر، كما حوكمت أيضا جماعة عبد الحي وعبد الكريم المسؤولون في تونس”.

بن عودة في تصريح له يقول إن عبان رمضان هو من أمر بقتل عباس لغرور لكنه لم يذكر إن كانت هناك محاكمة له. يؤكد انه حضر محاكمة لزهر شريط ودافع عنه.

أما قيمة ووزن القادة المغتالين: في اعتقادي وبصفته مجاهدا لا يمكن أن يجهل وزن كل من أحمد محساس وعباس لغرور وعمر بن بولعيد ورفاقهم من إطارات الحركة الوطنية وقادة نوفمبريين وميدانيين أمثال شريط لزهر وحوحة بلعيد والسعيد عبد الحي وعثماني التيجاني ومنتوري محمود وايت زاوش خميمي والقائمة طويلة جدا. أرد هنا بما كتبه محمد حربي حول هذه المجزرة يتساءل حربي: “هل تتمتع القيادة (المنبثقة من مؤتمر الصومام) بإجماع قوي؟ فيجيب: غياب الأوراس وفدرالية فرنسا والوفد الخارجي سيغذي احتجاجات سوف تغرق في الدماء. إن محكمة لجنة التنسيق والتنفيذ في جلسة لها من 15 إلى 21 جويلية 1957 أصدرت خلالها 17 حكما بالإعدام في ظروف من شأنها أن تؤثر بثقلها لاحقا على مسار الثورة…”*

ها هي الأسماء كما هي واردة في كتاب حربي: أحمد محساس وعمر بن بولعيد (حكم عليهما بالإعدام غيابيا). أما الذين تم إعدامهم فهم السعيد عبد الحي وايت زاوش حميمي وبالعيد حوحة بن علي محمد وبوحديجي العيد وشوشان الباهي وشريط لزهر التومي، إضافة إلى قرفي الربيع وهالي عبد الكريم ولغرور عباس ومنتوري محمود وعثماني التجاني والسوفي عبد الحفيظ وزعرور عبد المجيد. حكم عليهم جميعا بالإعدام ونفذ فيهم. حكموا جميعا في نفس الجلسة رغم كونهم ليسوا جميعا مناوئين لقرارات الصومام كما يكتب حربي.

محمد حربي يكتب أن المحكمة هي محكمة لجنة التنسيق والتنفيذ. لذا لا يمكننا تبرئة بن طوبال. هذه القائمة لا تشمل القادة أمثال مصطفى لكحل. بالإضافة إلى من تم إبعادهم من ميدان الجهاد ودوائر السلطة كالوردي قتال وعمر عون وآخرون.

اجتماع القاهرة وعزل عبان رمضان

بعد اجتماع القاهرة أين تم حذف البندين: أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج وعزل عبان رمضان بتعيينه مسئول الإعلام: يقول بن طوبال “استمر عبان في بث أفكاره واستغل UGTA اتحاد العمال الجزائريين، فعين مولود قايد على رأسه بعد وفاة عيسات ايدير”. يصفه بن طوبال: “لا اعرف كيف أصنفه سياسيا لكن هو من قدماء UDMA وفي نفس الوقت صديق الحاكم السابق DE LAFAYETTE، كان أيضا رجل كل مهام التليلي* (مؤسسو الاتحاد العام للشغل التونسي برفقة فرحات حشاد وأحمد بن صالح ثم رئيسه) وأحمد بن صالح الذي كان مكلفا بالاتحاد العام التونسي للشغل UGTT، في نفس الوقت كان رجل مهام عبان رمضان “. يستمر بن طوبال في القول: لجنة التنسيق والتنفيذ لم تكن في توافق مع الفكرة التي يتصورها وكذلك المجلس الوطني للثورة لم يتمكنوا من إحداث تغيير كبير، فقط إبراهيم مزهودي تم عزله. يقول أنه أثناء لقائهم الأول مع بورقيبة بطلب منه حاول هذا الأخير نصيحتهم واستدراجهم نحوه لكنهم تمكنوا من تجنب سيطرته عليهم، يقول أن بورقيبة لم يكن راضيا بمواقفهم لكنه كان خائفا من العلاقات التي قد يربطونها مع صالح بن يوسف” فكان لينا معنا”.

نلاحظ هنا أنهم دفعوا ثمنا كبيرا لبورقيبة بسبب موقفه اللين معهم وهو التضحية بقادة الولاية الأولى المناصرين لصالح بن يوسف.

معارضو مؤتمر الصومام.. صراعات وتساؤلات

مباشرة بعد هذه الفقرة يتعرض إلى من رفضوا قرارات الصومام فيكتب: “في تونس كانت الفوضى مع مجموعات صغيرة groupuscule وتجاوزات الولاية الأولى والقاعدة الشرقية، يتصرفون كما يريدون نفس الشيء بالنسبة لمناصري محساس. أراد البعض توقيف محساس لكن التليلي ساعده على السفر إلى ألمانيا.

لم يعترف محساس بمؤتمر الصومام وبالتالي بالسلطة المنبثقة منه. يعتبر نفسه كأحد التاريخيين وأحد المدافعين عن الشرعية خصوصا بعد توقيف (القادة) الخمسة. يعتبر نفسه ممثلهم الحقيقي. كان في فدرالية فرنسا، لكنه لم يرفض قرارات الصومام باسمها.

كانت أيضا مجموعة منشقي الولاية الأولى. كانوا الحلفاء الموضوعين لليوسفيين عندما كان هؤلاء مسلحين لم يكونوا محساسيين (نسبة إلى محساس). طالب العربي يسيطر على الجنوب التونسي معتبرا نفسه المتمرد الحقيقي على المجلس الجديد (القيادة) للولاية الأولى”.

هذه هي الفقرة الوحيدة التي يتحدث فيها عن رافضي قرارات الصومام والفوضى كما يقول الناتجة عنها.

لم يعط أي تفاصيل لا عن أسباب تجاوزات “المجموعات الصغيرة” والقاعدة الشرقية ولا عن مدافعي محساس ولا عن أسباب رفضه لقرارات الصومام ولا عن مجموعة الحلفاء الموضوعيين لصالح بن يوسف ولا عن طالب العربي وأسباب انشقاقه عن القيادة الجديدة للولاية الأولى. والأهم من كل هذا وللأسف لم أجده هو محضر محاكمة القادة المعدومين. المؤكد هو أن مصيرهم انتهى في واد من الدم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • vombastic le curieux

    الجزائر استقلت أحمدوا ربي و نبينا و صلينا عليه و خلوا البير بغطاه و الله يرحم الجميع.