مختصون يقرؤون نفسية “اللامبالاة” عند الخطر لدى البعض
رغم التحذيرات الرسمية المتكررة من حدوث مخاطر، مثلما عشناه مؤخرا عند هبوب رياح قوية، قد تهدد الأرواح والممتلكات، ومع ذلك رصدنا وجود فئة من الجزائريين تعاملت مع هذه التنبيهات بسخرية واستخفاف. وهو سلوك يثير القلق، ويطرح تساؤلات عميقة حول علاقة الفرد بالعلم والخطر والمسؤولية الجماعية، بحسب تفسير المختصين النفسانيين.
يفسر المختص في الأمراض النفسية والبسيكوجسمانية، كمال بن روان، سلوك الاستهتار بالتحذيرات، سواء تلك الصادرة من السلطات أم جهات معينة، عند حدوث طوارئ، بوجود ما اعتبره آليات نفسية واجتماعية عميقة، تتحكم في هذا الفرد “المشكك” في كل شيء.
بن روان: هشاشة عميقة و”سطحية” معرفية بين الأسباب والنتائج
وأكد في تصريح لـ” الشروق” أن الاستهتار ليس قوة ولا شجاعة، بل هو “ذروة السطحية المعرفية”، وأضاف أن بعض الأفراد لا يؤمنون بالعلم ولا بالمؤسسات، ويحوّلون التحذير العلمي إلى مادة للسخرية، في محاولة نفسية يائسة لإثبات القوة أمام الدولة، وأمام النظام، وحتى أمام الطبيعة ذاتها.
التحدي… كآلية دفاع نفسي
وبحسب المختص، فإن هذا السلوك هو تحدٍّ في جوهره، وفسره على أنه “محاولة للتغطية على هشاشة في الوعي والمعرفة، وتشوه في الأفكار، وعندما يتحول الخطر الحقيقي إلى تفاهة داخل المجتمع، تتسع الفجوة بين الواقع والإدراك العلمي، ويُعوَّض هذا النقص بالاستهزاء بدل الشعور بالمسؤولية، على حد قوله.
ويرى بن روان، أن المجتمع الجزائري، ونتيجة تراكم الأحداث والصدمات، يعيش ما يمكن تسميته بـ “المراهقة المجتمعية”، حيث يسود الانفعال، والاندفاع، وغياب النضج في التعامل مع المخاطر، وأكد أن بعض الأفراد، وعلى الصعيد النفسي، يعانون من هشاشة وضعف يجعل منهم أشخاصا هستيريوم في مواجهة الأزمات، خاصة مع ضعف الثقافة الإحصائية واليقينية المتعلقة بالكوارث الطبيعية، لدى الفرد.
غياب الثقافة الاستباقية والسخرية من الخطر
ويضيف المتحدث، أن ضعف المعرفة بالمناخ وتقلباته، وغياب النظرة الاستباقية، يدفع بعض الأفراد إلى “التعامل بسخرية مع التحذيرات الجوية.. فالشخص الذي لا يمتلك رصيدا معرفيا كافيا، ولا يستفيد من التجارب السابقة، لا يرى في الخطر سوى مبالغة إعلامية”، على حد قول المختص النفساني.
“الخطر لا يصيبني…!”
ومن بين الأسباب النفسية البارزة، يشير بن روان إلى ما يسمى بـ الانحياز المعرفي، حيث يعتقد الفرد أنه أقل عرضة للمخاطر مقارنة بالآخرين، فيسطّح الأمور بمبررات واهية، ويقنع نفسه بأنه “يعرف كيف يتصرف” حتى لو وقع الخطر.
ويحذر المختص من فجوة خطيرة بين التفكير الملموس والتفكير المجرد، إذ لا يدرك بعض الأفراد أهمية الفترة الفاصلة بين التحذير ووقوع الكارثة، فيبقون في حالة انتظار سلبي، بدل اتخاذ إجراءات وقائية، وهذا السلوك الذي قد يؤدي بحسبه إلى هلاك عدد كبير من الأشخاص في حال وقوع كارثة كبيرة، لا قدر الله.
ويضرب محدثنا مثالا بسيطا من الحياة اليومية، وهو جهل كثير من النساء السلوك الصحيح عند حدوث تسرب غاز متبوع بحريق في المطبخ، معتبرا أن ذلك نتيجة مباشرة لغياب ثقافة إدارة المخاطر، وسوء التكوين الاجتماعي.
فجوة بين التحذير ووقوع الكارثة
وقال محدثنا: “كما يبرز دور نظرية القطيع، حيث ينخرط الفرد في سلوك الاستهزاء بمجرد ملاحظته لآخرين يفعلون الشيء نفسه، خوفا من الاختلاف، ورغبة في الشعور بالانتماء، حتى وإن كان ذلك على حساب سلامته، والحل بحسب المختص في الأمراض البسيكوجسمانية، يبدأ من الجذور، بحيث يرى أن الحل الأول يكمن في التربية النفسية، موضحا أن المجتمع تربّى على الخوف، وفي غياب الرقيب تظهر ثقافة الاستهتار.
ويشدد على ضرورة ترسيخ التربية الذاتية التي تجعل الفرد مسؤولا حتى في غياب الرقابة.
كما يؤكد، على أن الإصلاح الحقيقي يكون عبر إصلاحات معرفية وإدراكية، والانتقال من ثقافة التلقين والحفظ إلى تعليم الأطفال منذ الصغر، الربط بين السبب والنتيجة، وتعلم سلوكيات بسيطة لإدارة المخاطر في الحياة اليومية.
النموذج الإيجابي بدل “القطيع السلبي”
وفي ختام حديثه، يدعو المختص إلى بناء ثقافة القطيع الإيجابية، من خلال إشراك المؤثرين والمشاهير والناجحين والمختصين النفسيين في حملات توعوية، تزرع احترام العلم، وتعيد الاعتبار لفكرة الوقاية، باعتبارها أول خطوة لحماية الإنسان والمجتمع.