مسؤولون يُسَهِّلون تهريب 26 ألف مليار إلى الخارج
عالجت محكمة الجنايات الابتدائية بمجلس قضاء وهران يومي الاثنين والثلاثاء واحدة من أكبر الفضائح المتورط فيها 33 متهما، منهم مديرون ونواب مديري بنوك، إلى جانب مسيري شركات استيراد وهمية، تسببت على مدار ست سنوات في تحويل أموال ضخمة إلى الخارج باستغلال تصاريح جمركية، سندات وجداول إرسال كلها مزورة، ليصل حجم تهريب الأموال بالعملة الصعبة إلى رقم فلكي، بلغ في المجموع 26800 مليار سنتيم بالعملة الوطنية.
في جلسة محاكمة متواصلة، استغرقت يوما كاملا بنهاره وليله، نطقت محكمة الجنايات الابتدائية بمجلس قضاء وهران في حدود الساعة السابعة والنصف من صباح الثلاثاء بأحكام إدانة تراوحت بين سنتين حبسا نافذا لمسؤولتين في بنك أجنبي، وأيضا بـ5 سنوات و10 سنوات سجنا نافذا في حق أعضاء آخرين من الشبكة، منهم مدير بنك المؤسسة العربية المصرفية (ABC)بوهران، الذي نال أقصى عقوبة منطوق بها، فيما تمت تبرئة أحد الموظفين، واصدار أمر بالقبض الدولي على اثنين من المتهمين الفارين، أحدهما يمثل هذه الشبكة ومهندس كافة عمليات التوطين البنكي لشركاته الوهمية التي أسسها بأسماء مستعارة، في مقابل بعض العمولات وأطباق من السمك، ليفر مع انفجار القضية بعشرات الملايير إلى الخارج.
هكذا انكشفت خيوط القضية
تعود وقائع هذا الملف إلى سنتي 2009 و2014 في وهران، عندما تلقت الفرقة الاقتصادية والمالية للشرطة القضائية لأمن ولاية وهران تعليمة نيابية للتحقيق بشأن التصريح بالشبهة، الوارد من المؤسسة العربية المصرفية بالجزائر (ABC)، جاء فيه الاشتباه في مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، متورطة فيه الشركة ذات الشخص الوحيد والمسؤولية المحدودة (لونغ إلكترونيك)، المسيرة من طرف المدعو (م. مراد)، لتتوصل التحريات إلى قيام هذا الأخير في سنة 2014، بتحويل ما قيمته 190536.45 أورو باسمه لفائدة ممون صيني على مستوى وكالة بنك (أ.بي. سي) رقم 311 بوهران، بعد ما قام على مستواها بإيداع التصريح الجمركي الخاص بالعملية، مدعيا أنه استلم تلك الوثيقة من مصالح الجمارك، في حين أن الإجراءات تقتضي ورودها إلى البنك عن طريق قناة بريدية رسمية، ليكشف البحث على مستوى المنظومة المعلوماتية الخاصة والتصريحات الجمركية على مستوى البنك عن غياب بيانات التصريح الجمركي المزعوم، ويتضح أن المودع منه عبارة عن وثيقة مزورة.
كما قاد الجرد في عمليات الاستيراد العشر التي قامت بها شركة (Eurl Long electonic) والموطنة على مستوى نفس الوكالة البنكية، إلى التفطن لممارسات مماثلة في عمليتين أخريين، ومنه كانت هذه العمليات الثلاث المشبوهة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ونقطة انطلاق لكشف ما في “جراب الحاوي” من مفاجآت، جرّت معها الكثير من الرؤوس والخيوط التي سببت أضرارا للاقتصاد الوطني، منهم مسؤولون كبار في مؤسسات مصرفية وغيرهم.
نادل في مطعم يتحول إلى مستورد
وجاء في الملف أنه عند سماع أول المشتبه فيهم (م. مراد) أمام الضبطية القضائية، تم التوصل إلى الواقفين خلفه، حيث صرح أنه كان يعمل قبلا نادلا في مسمكة وهران، إلى أن التقى بالمدعو (إ. شريف)، الذي عرض عليه إنشاء شركة استيراد مقابل حصوله على عمولة في كل عملية، ثم عرّفه على شخص يدعى (إبراهيم الغليزاني)، على أساس أنه سيكون شريكه الذي يغطي مصاريف الاستيراد والضرائب المترتبة عن نشاط الشركة على أن أن يقتصر دوره على التوقيع على الوثائق البنكية الخاصة بالاستيراد، كما أكد استنادا للمهمات التي قام بها مع شريكه، وهو الرأس المدبرة لنشاط الشبكة برمتها المدعو (ب. إبراهيم)، أن الأخير كان يقوم بنفسه بإيداع المبالغ المالية نقدا لأجل تغطية مصاريف الاستيراد بالمؤسسة العربية المصرفية – وكالة 311 وهران، التي كانت له فيها علاقات مميزة مع نائب مديرها المدعو (خ. ن. بغداد)، كما كان يهاتف مسؤولين في كافة البنوك التي كان يرافقه إليها قبل تنقلهما إليها لتسهيل الإجراءات، على غرار وكالة بنك ناتيكسيس بغليزان.
ومن خلال استغلال جهات التحقيق لإفادات كل من المدعو (م. مراد) و(خ. ن. بغداد)، تم التوصل إلى أن المسمى (ب. إبراهيم) كان يستعمل شركات استيراد أخرى موطنة بنفس وكالة بنك (آ. بي. سي) بأسماء مستعارة، ويتعلق الأمر بشركات (Eurl Wld) لمسيرها على الورق المدعو (ت. أحمد) وهو تاجر، (Eurl Biscotex) للمدعو (م. أمين)، (Eurl Mazoun Yahia Othmani) للمدعو (ع. يحيى)، (Eurl Lrt) المدعو (م. صلاح الدين)، (Eurl Fantanille) المدعو (س. مختار)، (Mta Electronic) المدعو (أ. عبد الحق)، (Eurl Willis) المدعو (ب. زكرياء)،(Tato) يسيرها المدعو (ق. العجال)، (Askiou) المدعو (ق. فاروق)، (Free) المدعو (ب. هواري)، بحيث قدر عدد الشركات الوهمية التي انكشف أمرها لصالح المدعو (إبراهيم) 11 شركة، قام باستغلال أسماء أشخاص، وأيضا الظروف الاجتماعية والمستوى الدراسي المحدود للبعض، إضافة إلى جشعهم من أجل تحويل ما قيمته 26800 مليار سنتيم من الأموال بالعملة الصعبة إلى الخارج بوساطة واستدراج للضحايا من المتهمين (م. محمد إلياس)، الذي لا يزال في حالة فرار، والمتهم الموقوف المدعو (إ. حسين شريف)، وبمساعدة وتسهيلات إجرائية من مسؤولين وموظفين في البنوك محل عمليات التوطين المخالفة للتشريع.
“أنا ضحية الأمية والسذاجة!”
في جلسة المحاكمة، حاول جل المتهمين نفي علمهم بحقيقة تلك المعاملات التي ارتكبت من طرفهم، كما أخذ كل واحد منهم يلقي بثقله للدفاع عن نفسه بتحميل التهمة للطرف الآخر، بمن فيهم إطارات في كل من وكالات وفروع المؤسسة العربية المصرفية وبنك الخليج بالجزائر، بحيث اعتبر صاحب أول شركة تفجرت بسببها قضية الحال، وهو المدعو (م. مراد)، نفسه مجرد ضحية لأميته وسذاجته وقلة حيلته، مصرحا أنه مواطن بسيط كان يعمل نادلا في مسمكة إلى أن التقى بالمدعو (إ. ح. شريف) الذي عرّفه بالمتهم الفار (ب. إبراهيم)، واقترح عليه تأسيس شركة باسمه ليجني من ورائها عمولات شهرية بقيمة 10 ملايين سنتيم، نافيا علمه بأن في الأمر شبهة وبأن الشركة وهمية، مضيفا أنه فتح له بالفعل حسابات بنكية في أكثر من وكالة في وهران وخارجها، حيث أنه كان يوقع على الوثائق البنكية، فيما كان (ب. إ) يباشر المعاملات المالية بمعزل عنه مع مدير بنك (Abc).
وحسب الخبرة المالية التي أجريت في إطار هذه القضية، اتضح أن المدعو (م. مراد) قد قام باسمه بتحويل مبلغ 320 مليار سنتيم من وكالة 311 بوهران، 6 ملايير سنتيم من البنك الخارجي الجزائري و34 مليارا من وكالة ناتكسيس بغليزان إلى الخارج عبر 16 عملية توطين بنكي.
وجبات السمك لشراء الذمم
وبنفس الطريقة تم تحويل 430 مليون دج عبر 23 عملية توطين باسم المدعو (م. أمين) تحت غطاء شركته على الورق (بروتكس)، مشيرا إلى أن العرض تلقاه من (إبراهيم)، بعد ما تنازل المدعو (أ. عبد الحق) عن تلك الشركة التي كان هو أول من أسسها، مضيفا أنه كان السائق الخاص لـ(إبراهيم)، الذي كان يكلفه أيضا بنقل أطباق السمك لموظفين ومسؤولين في البنوك التي كان يتعامل معها.
وكذلك تم استغلال شركة (ع. يحيى) للاستيراد المزعوم للألبسة في تهريب 164 مليون دج إلى الخارج في 36 عملية تم توزيعها على وكالات ببنك البركة، المؤسسة العربية المصرفية ووكالة الأمير عبد القادر بوهران، مشيرا إلى أن رأس الشبكة تعرف عليه بواسطة جاره المدعو (م. محمد إلياس) عندما كان يعمل بأحد مقاهي البرج البحري.
أما المدعو (م. صلاح الدين) فقد اعترف بقبضه عمولات وصلت إلى 30 مليون سنتيم مقابل 4 عمليات توطين باسم شركته المفترضة لاستيراد قطع الغيار، والتي أسسها في لقاء مع (إبراهيم) الذي كان يعرفه من دون وسيط، وعرض عليه أيضا في إحدى المرات تسفيره إلى الصين من أجل إتمام المزيد من الصفقات، لكنه لم يفعل.
ونفس الأمر تم مع بائع السمك (ب. زكرياء)، الذي ساعد المتهم الرئيسي الفار في تهريب مليار سنتيم على مراحل، والعامل في مجال الأحذية (ب. هواري)، الذي ساهم في تحويل 363 مليون دج هو الآخر بذات الطريقة والإجراءات والإغراءات أيضا مثل ما فُعل بغيرهم من مسيري الشركات الوهمية، والذين أجمعوا على علاقة (إبراهيم) الوطيدة سواء مع مدير البنك (ع. بوعامر) أو نائب مدير وكالة 311 (خ. ن. بغداد).
وكذلك حملت مفوضة فرع العمليات الداخلية ببنك المؤسسة العربية المصرفية المسماة (ب. عائشة سعاد) مسؤولية تنفيذها للإجراءات المتعلقة بأول عملية مشبوهة في قضية الحال، عندما قام (ب. إبراهيم) بإيداع مبلغ 18 مليون دج بحساب داخلي للبنك خاص بمستندات الصندوق لشراء سندات غير معرفة، ويحوله في حساب الشركة الوهمية لمسيرها (م. مراد) رغم عدم وجود علاقة قانونية له مع تلك الشركة، حيث صرحت أن مسؤولها الأول (ع. بوعامر) هو من أمرها بذلك وأيضا بضغط من نائبه (خ. ن. ب).
تقاذف للمسؤوليات
فيما حاولت المسماة (ر. نظيرة) رئيسة مصلحة التجارة الخارجية بوكالة الأمير عبد القادر للبنك الخارجي الجزائري درء التهمة المنسوبة إليها بخصوص مسؤوليتها عن عدم مراقبة عمليات التوطين غير القانونية، بالقول أن نظام (أنيتا) الذي يعمل لهذا الغرض لم يكن يعمل خلال تلك الفترة، فيما اعتبر المدعو (ب. جمال) نائب مدير هذه الأخيرة أن المسؤولية تعود إليها، وأن توريطه في القضية غير مؤسس على اعتبار أن توقيعه على عمليات التوطين كانت تتم بناء على مراقبة وقبول من المسماة (ر. ن).
أما المتهمة (ح. ربيعة نادية) وهي مديرة وكالة بنكية، فقالت أنها هي من بلغت عن الشبهة، أما بخصوص قيامها بعمليات التصفية في الملفات المشبوهة، فبررت الأمر بأنها كانت وقتها حديثة العهد بالتعيين، وأنها فعلت ذلك على أساس أن عمليات المراقبة تمت قبل مجيئها على رأس الوكالة بالنسبة لملفات شهري مارس وأفريل من تلك السنة.
أما المدعو (ت. كمال) مكلف بالعمليات على مستوى المديرية العامة لبنك (Abc) فقال أن العمليات المصرح بها كانت سليمة باستثناء تلك الثلاث التي كانت محل شبهة، وأعطى تعليمات لأعوانه من أجل التأكد من صحتها، مشيرا إلى أن التصاريح المزورة لم يكن يتسنى على مستواه التفطن لها مما يشير إلى وجود ثغرة مقلقة في عمليات المراقبة والتدقيق، ونفس الحجج حاول باقي الموظفين التشبث بها لرفع التهم عنهم.
من جهتها، اعتبرت النيابة العامة التهم المنسوبة لكافة المتهمين ثابتة في حقهم، ليلتمس توقيع عقوبات تراوحت بين 7 سنوات و10 سنوات سجنا قبل النطق بالأحكام سالفة الذكر.