-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أنار أول مصباح كهربائي بإفريقيا وأنقذ فرنسا خلال الحرب

منجم الفحم بالقنادسة.. شاهد على الجشع الاستعماري

الشروق أونلاين
  • 1516
  • 0
منجم الفحم بالقنادسة.. شاهد على الجشع الاستعماري
أرشيف

ناشد الكثير من المهتمين بالتراث، والمعالم التاريخية ببلدية القنادسة 18 كلم عن مقر ولاية بشار، الجهات الوصية على التراث الثقافي، والتاريخي، تدارك ما تبقى من معالم منجم الفحم الحجري، الذي فقد نسبة كبيرة من أجزاء بناياته، وهو المنجم الذي كانت السلطات الاستعمارية تنهب ثرواته، وأفاد الكثير من سكان بلدية القنادسة، أن معالم المنجم في طريقها إلى الاندثار، جراء ما صفوه، باعتداءات سارقي الحديد، الذين وجدوا ضالتهم في هذه المادة، التي باتت تدر عليهم بعد سرقتها، وبيعها، أرباحا طائلة، الأمر الذي أثر على المعلم المذكور في المدة الأخيرة، وجعل هؤلاء المهتمين بالتراث الثقافي، والتاريخي، يناشدون الجهات المعنية، لتسييجه، وحمايته من الاعتداءات التي لازالت قائمة، محذرين في ذات الوقت من اندثار هذا المعلم التاريخي، والذي سيؤدي إلى طمس حقبة تاريخية لمجاهدي المنطقة، وعمال من مختلف الجنسيات، من الذين عانوا في تلك الفترة، من كوارث صحية، لازالت تداعياتها تلقي بظلالها على سكان مدينة القنادسة.

القصة بدأت بـ”تراب لامع”
تجدر الإشارة إلى أن دائرة القنادسة، ومنذ سنة 1906، كانت تحوم حولها شكوك، باحتمال وجود الفحم الحجري بها، إلى أن عثر أحد أهالي البلدة على تراب أسود لامع، جلب انتباهه، ليتم إرساله إلى فرنسا، أين تم إجراء التحاليل عليه من طرف أكبر مخبر بأوروبا في ذلك الوقت (فلاماند)، الذي أثبت بعد تحاليل جيولوجية، بأن القنادسة حوض منجمي، حيث تم التركيز على التنقيب، واستخراج أول كمية من الفحم الحجري رسميا سنة 1917، مما جعل فرنسا تركز كل اهتماماتها على المنطقة منذ ذلك التاريخ، استكشاف طور فرنسا اقتصاديا، وصناعيا في تلك الحقبة الزمنية، حيث أنار أول مصباح كهربائي بإفريقيا سنة 1914، تاريخ بداية العمل بهذا المنجم واستغلال فرنسا لثرواته وآلاف العمال من المحليين، ومن مختلف مناطق الوطن، وحتى من الأوروبيين، والأفارقة من مختلف الجنسيات، من الذين عملوا تحت الأرض لمدة تعدت ثلاثين عاما، عاشوا طيلتها مأساة حقيقية جراء تلك الأشغال القاسية، منهم من فارق الحياة تحت الأرض، ومنهم من التحق بصفوف جيش التحرير، ومنهم من مات ويموت في صمت جراء معاناته مع مرض السيليكوز الفتاك، الناجم عن غبار الفحم الذي أتى على عدد كبير من هؤلاء العمال، الذين بلغ عددهم بداية استغلال المنجم حسب وثائق فرنسية، 4400 عامل في تلك الحقبة الزمنية، من بينهم 700 من الأوروبيين، و2500 جزائري، و700 آخرين، تم جلبهم من مناطق أخرى.

المنجم شهد عذابات الآباء والأجداد
السيد سلطاني مختار، شخصية بارزة من جيل أبناء القنادسة الذين عايشوا الفترة الإستعمارية، وأحد المثقفين، والباحثين في تاريخ المنطقة، والمهتمين بالتراث الثقافي، ومرجعا للباحثين في كل كبيرة وصغيرة تخص تاريخ القنادسة، ومنطقة الجنوب الغربي، أفاد بكل حسرة خلال حواره مع الشروق اليومي، قائلا: “هذا المعلم التاريخي، حاليا هو آيل إلى الاندثار، وقد فقد 80 بالمائة من الحديد، وهو بالنسبة لنا كأحفاد، يحمل أنين آبائنا، وأجدادنا، الذين كانوا يعملون داخل أنفاق مظلمة، عرضة لكل أنواع الحوادث المميتة، فمنهم من مات في تلك الفترة، بمرض السيليكوز الفتاك، ورغم أن المعلم من بقايا الاستعمار، إلا أنه بالنسبة لنا، معلم يحمل ذاكرة جماعية، نقشها آباؤنا، وأجدادنا بعرقهم، ومعاناتهم، وتضحياتهم، ذلك أن هذا المعلم (منجم الفحم الحجري)، كانت آلاته تدور، وتكرر ملايين الأطنان من الفحم الحجري، الذي لازال شاهدا على خيرات بلادنا التي كانت تنهب وتهرب إلى مرافئ فرنسا، وبلدان أوروبية أخرى”، ويواصل “سلطاني مختار” في حديثه للشروق اليومي، قائلا: “الآن مع الأسف، تُرك هذا المعلم عرضة للنهب، والسرقة، والتخريب، حيث سُرقت كل تجهيزاته، وحديده بِيع في أسواق الحديد، نحن كأحفاد المنجميين، نستنكر اللامبالاة، والواقع المر، حيث لازال يتعرض للنهب الذي فرض علينا كغيورين على تاريخ المنطقة، أن نقترح وبشدة، إنقاذ ما تبقى من معالمه للحفاظ على الذاكرة التاريخية، وحراسته، وتسييجه، وتجهيز محيطه بالإنارة، وتصنيفه من تراث محلي، إلى تراث وطني تاريخي، وثقافي”.
وأضاف المتحدث: “تاريخيا، ومنذ بداية الأربعينيات من القرن الماضي، بدأ الحس الوطني يتسلل إلى داخل المنجم، نظرا لتعداد العمال الذين جلبتهم فرنسا من كل نواحي الوطن، وخارجه، حيث تم إنشاء نقابات عمالية من بينها، “فورص أوفريار” ومعناها (القوة العاملة)، و”السي. جي.تي” التي تحولت بعد الاستقلال إلى الاتحاد العام للعمال الجزائريين. وهو الحس الثوري الذي نتج عنه لدى العمال المحليين، بما في ذلك سكان القنادسة، إدراك أهمية العمل الثوري، وتحسيس الشباب، وجمع الإشتراكات، ولفت سلطاني إلى أن العديد من الشباب من عمال المنجم الذي التحقوا بصفوف المجاهدين، والعديد منهم استشهد”.

زقاق الأربعين أرملة
وبخصوص عائدات الفحم الحجري في تلك الفترة، أضاف السيد سلطاني مختار، “فرنسا خلال استغلالها للفحم الحجري بالقنادسة، كانت تستخرج أربعة أنواع من الفحم، ساعدها في صناعتها، وفي تحريك آلاتها الصناعية، وفي اقتصادها الذي كان منهارا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث ساعدها في صناعة الدبابات، وحرك الشغل، ودواليب المعامل الفرنسية في الأربعينيات، مع العلم أن مناجم الفحم الحجري الفرنسية، كانت قد دمرت من طرف السلاح الجوي الألماني، وعليه، لجأت فرنسا عند اكتشافها لمنجم القنادسة، إلى مضاعفة اليد العاملة، والإنتاج، حيث وصل الإنتاج السنوي إلى ثلاثمائة ألف طن سنويا من الفحم الحجري المستخرج بالقنادسة، عمل مضني للعمال في تلك الفترة، أدى إلى عدد كبير من الوفيات، “وقد اكتشفت شخصيا بعد مراجعة سجل الحالة المدنية لتلك الفترة، أن المتوفين، لم تكن أعمارهم تتعدى 45 سنة، وبالتالي سجلت القنادسة بالمقابل، عددا كبيرا من الأرامل، وخير شاهد على ذلك، اسم يعرفه الكثير من جيل الفترة الإستعمارية، وهو تسمية “زنقة الأربعين أرملة” (La rue des 4إضافة إلى عدد كبير من المصابين الذين ظلوا يعانون من السيليكوز، وأتأسف كثيرا على عدم تمكينكم من الحديث معهم اليوم، لأن معظمهم توفوا”.

بصمة في الحركة الوطنية وثورة نوفمبر
وفي حوار جمع “الشروق اليومي” بالسيد لحدب محمد، المدعو الطاهر النعيمي، أحد المهتمين بالتاريخ، والدراسات التاريخية للمنطقة، والأرشيف، وأحد العاملين السابقين بقطاع الصحة، بدأ حديثه لنا قائلا: “الأجرة الزهيدة التي كان يتقاضاها عمال المنجم بالقنادسة في تلك الحقبة الزمنية، كانت 20 فرنكا فرنسيا، تذهب منها 10 فرنكات للاشتراك، أو بعبارة أخرى، لتمويل ثورة التحرير التي كانت في بداية التحضير لها، بدون أن ننسى العمل السياسي لعمال المناجم في الأربعينيات، والمتمثل في تخريب وتعطيل آلات المنجم، وبالحديث عن الفحم الحجري لمنجم القنادسة، نشير إلى أن فرنسا اعتمدت عليه بشكل أساسي، من خلال نقله إلى بواخر تصنيع الأسلحة التي كانت ترسو بالبحر الأبيض المتوسط، لتموين المقاومة الفرنسية بالسلاح، من أجل تحريرها من الألمان، واعتمدت فرنسا عليه كمصدر طاقوي، لتشغيل المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، ولهذا، يعتبر منجم الفحم الحجري بالقنادسة حاليا، معلما مصنفا كتراث تاريخي، ثقافي، تشرف عليه مديرية الثقافة”، وأضاف محدثنا خلال حواره، أن “هناك بطاقة تقنية لدى مصالح الولاية، من أجل حماية ما تبقى من هذا المنجم، الذي لا زالت بقاياه من أطنان الفحم المعالج متراكمة بالقنادسة، والتي أثّرت، حسب الإحصائيات التي لدينا، على 12.8 من النسيج العمراني، وباعتباري قضيت أربعين سنة في قطاع الصحة، كنت شاهدا على أن عدد المصابين بـ”السيليكوز” إلى غاية 1970، بلغ 7500 مصاب”.
وبالمقابل، نشير إلى أن الدعوات الرسمية إلى الإسراع في توثيق تاريخ الجزائر النضالي، كانت قد حركّت عددا من المجاهدين، وقدامى عمال المناجم والباحثين بالقنادسة ببشار، حيث طالب هؤلاء بنفض الغبار عن إحدى الحوادث التاريخية الهامة، حيث تُعدّ من أخطر الحوادث التي عاشتها مناجم الفحم الحجري بالقنادسة بولاية بشار سنوات الأربعينيات، وأدت إلى وفاة عدد من العمال حرقا، وألحوا على الإسراع في تدوينها من أفواه باحثي المنطقة، وممن تبقى من عمال المناجم، الذين ما زالت ذاكرتهم تحتفظ بما سمعوه عن الواقعة من زملائهم الذين عايشوها، حيث اعتبروا هذه الحادثة محطة تضاف إلى عديد المحطات التي واجهها عمال مناجم الفحم الحجري، وهم الذين عانوا، إضافة إلى الحوادث المميتة تحت الأنفاق، من القهر، والأجور الزهيدة وفتك داء “السيليكوز” بهم.
ويأمل الكثير من أبناء المنطقة في أن تتحرك جهود وزارة المجاهدين، في الإسراع بتدوين الحادثة صوتا وصورة، وحماية مكان الحادثة الذي توشك معالمه أن تندثر بفعل الإهمال، لاسيما وأن هناك من الباحثين العصاميين من أبناء المنطقة، من لديهم حقائق تاريخية عن الحادثة، فضلا عما تبقى من شهادات ممن هم على قيد الحياة من عمال المناجم، فضلا عن أن الفرصة مناسبة لمطالبة فرنسا بأرشيف الحادثة المحفوظة إلى اليوم بأرشيف مجلس النواب الفرنسي، الذي عقدت به جلسة طارئة عقب الحادثة للنظر في حيثياتها.

دخلوا أحياء وخرجوا جثثا متفحمة
وفي سياق نفض الغبار عن تاريخ منجم الفحم الحجري، المرتبط بثورة التحرير، كانت جمعية “مشعل الشهيد” ببشار، قد أحيت في عدة مناسبات، ذكرى احتراق عدد من عمال مناجم الفحم الحجري كانوا يعملون في تلك الحقبة الزمنية في استخراج الفحم الحجري، الذي كان يزوّد محطات توليد الكهرباء بفرنسا، جمعية “مشعل الشهيد”، وإيمانا منها بأن المستقبل لا يبنى بدون الماضي، باعتباره وعاء للمستقبل، حاولت على لسان رئيسها السيد بن عياد محمد، إحياء هذه الحادثة الأليمة، لاستنطاق ذاكرة التاريخ بعد مرور سنين على الأحداث الأليمة التي ذهب ضحيتها 14 عاملا من العمال المنجميين الجزائريين، وأجانب انتشلوا في تلك الفترة من داخل النفق جثثا متفحمة.
تلك هي إحدى المحطات التاريخية التي تستحق كل اهتمام وتقدير، رغم ما تحمله من ألم وأحزان، لتُضاف إلى محطات أخرى عاشها الشعب الجزائري إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، فذكرى أحداث احتراق المنجم رقم (09) بالقنادسة سنة 1949، كان لها صدى واسعا بمنطقة بشار، ومناطق أخرى من الوطن، بل أسالت الكثير من الحبر بالعديد من الصحف الفرنسية، والدولية، وانشغلت بها عدة نقابات عمالية، ودُونت آنذاك، بأرشيف مجلس النواب الفرنسي، وجاء إحياء هذه الذكرى الأليمة، لتوثيق تاريخ المنطقة عبر مراحله الخالدة، بالصوت والصورة، مع الذين عايشوا الأحداث، وتوثيق معاناة عمال المناجم الذين ضحوا بحياتهم، داخل أنفاق في أعماق الأرض، لاستخراج ثروات ظلت تنعم بها فرنسا في تلك الحقبة الاستعمارية، حيث ظلوا يعانون في صمت، جراء مرض “السيليكوز” الرئوي، إلى أن التحقوا بالرفيق الأعلى. ونشير إلى أن “الشروق اليومي”، وبعد تنقلها إلى بلدية القنادسة، حاولت من خلال رحلة بحث مضنية، عن عامل من عمال المناجم المتبقين على قيد الحياة، المصابين بمرض “السيليكوز” الرئوي، لكنها لم تفلح في إيجاد أحد منهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!