من ملاح فاس إلى حائط مراكش
لا يمكن قراءة مشهد صلاة يهود “الحريديم” أمام أسوار باب دكالة بمراكش في ربيع عام 2026 كواقعة سياحية عابرة أو مجرد ممارسة عفوية لحرية العبادة، بل هي “اللحظة الصفر” التي تتدفق فيها قرون من الهندسة السياسية والاجتماعية التي بدأت منذ عام 1666م، عندما اختار المؤسس الأول للدولة العلوية، السلطان الرشيد، أن يدشن حكمه من قلب “الملاح” بمدينة فاس، مبيتًا في بيوت أساطير المال اليهودي، لم يكن ذلك مجرد بحث عن مأوى، بل كان إعلانا مبكرا عن “عقد تأسيسي” يربط استمرارية العرش بالتحالف مع القوى المالية والأمنية اليهودية العابرة للحدود، بعيدا عن تطلعات “الرعايا” الذين أُلبسوا قسرا رداء القداسة الزائفة والنسب الشريف لتبرير خضوعهم المطلق.
هذه “الخديعة التاريخية” التي استُخدم فيها الدين والنسب أدوات لتخدير الوعي، هي التي سمحت للنظام (المخزن) عبر القرون بممارسة الاستحمار السياسي والديني في أبشع صوره؛ إذ تاجر بآلام الجيران عبر طعن المقاومات الشعبية الجزائرية كما حدث مع الأمير عبد القادر.
وفي خمسينيات القرن الماضي، طلب من المغاربة تصديق معجزات خيالية -من ظهور السلطان على سطح القمر إلى ملء خزانات الطائرات بـ”البركة”، وتحرير الوطن بثورة الملك والشعب، وتقديس شعار المخزن: الله- الوطن-الملك. كان النظام يمارس براغماتية سوداء باعت الرعايا اليهود بالدولار في الستينيات للكيان الصهيوني، وباعت السيادة للموساد في قمة الرباط عام 1965، وافتعال الأزمات مع الجزائر الثائرة لضمان بقاء “الرعية” داخل سياج الجهل والخوف.
واليوم، يكتمل المشهد في مراكش حيث تتحول حماقة الحسن الثاني المدعاة إلى واقع مرير في عهد ابنه محمد السادس؛ فالتواجد الصهيوني العلني أمام أسوار مراكش، وحماية طقوس “الحريديم” في قلب الزحام الشعبي، هو التدشين الفعلي لـ“الوطن البديل“. إنه إعلانٌ بأن التحالف التاريخي مع “الملاح” عام 1666م قد انتقل من الغرف المظلمة إلى الشارع العامّ في 2026، إذ يُطرد المواطن المغربي من أرضه ومنزله ليُفسح المجال للمستثمِر والمستوطِن القادم من الكيان الصهيوني، تحت حراسة أمنية تضمن أن تظل “الرعية” ممسوحة الوعي، تصفق لجلادها وتصدق أن “احتلال الفضاء العام” هو انتصار استراتيجي للعرش.
إن “حائط دكالة” بمراكش اليوم ليس مجرد سور تاريخي، بل هو شاهدٌ على سلالة سياسية اختارت أن ترتمي في أحضان الغريب منذ 1666م، محولةً المغرب من مملكة إلى مملكة إقطاعية وظيفية تخدم أجندة لا صلة لها بأهل البيت ولا بتضحيات الشعب المغلوب على أمره.
وتشكل واقعة أداء يهود “الحريديم” لطقوسهم الجماعية أمام أسوار باب دكالة بمراكش -في مشهد يحاكي رمزية حائط المبكى- اللحظة الأكثر تجليا لتحوُّل عميق في بنية الدولة المخزنية، فالمسافة الفاصلة بين مقولة الحسن الثاني الشهيرة حول “مزاوجة العبقرية اليهودية بالمال العربي“ وبين واقع المغرب في عهد محمد السادس، لم تعد مجرد مسافة زمنية، بل هي انتقالٌ جذري من الدبلوماسية السرية إلى الاندماج المؤسساتي والمجالي.
لقد أرسى الحسن الثاني سردية “المغرب الاستثناء” الذي يحمي رعاياه اليهود كأوراق ضغط دولية، لكن النظام اليوم يبدو وكأنه يتجاوز دور الحارس إلى دور الشريك الهيكلي، إذ تُفتح الفضاءات العامة التاريخية لتكون مسرحا لتدشين هوية بصرية ودينية جديدة.
في هذا السياق، لم يعد “الرعايا” مجرد مشاهدين، بل أصبحوا يراقبون كيف تُعاد صياغة رمزية أسوار مدنهم العتيقة لتستوعب وطنا ثانيا مفترضا، يتحول فيه السائح إلى صاحب حق، وتتحول فيه الصلاة أمام الحائط من فعل تعبدي إلى إعلان سياسي بامتياز، يكرس واقعا تكون فيه السيادة للعلاقات الإستراتيجية الكبرى، بينما يبقى المغربي حبيس شعار يقدِّس العرش ويمنحه الحق المطلق في إعادة هندسة الجغرافيا والبشر.
ولم تكن عملية غسل المكان التي قام بها أحرار مراكش عقب تدنيس الصهاينة لأسوار باب دكالة مجرد تنظيف عابر، بل كانت في جوهرها إدانة صامتة وصرخة عجز مدوية تنبع من أعماق الرعايا الذين سُلبت إرادتهم عبر القرون. إن لجوء المغربي للمنظفات لتطهير أثر طقوس “الحريديم” هو التجسيد المأساوي للمسافة الفاصلة بين عاطفة الرعية وبين تغول السلطة؛ فهو يغسل الرصيف لأنه لا يملك القدرة على غسل المؤسسات، ويطهر الحجر لأنه يدرك -ولو في لا وعيه- أن القرار السياسي قد تلوث بتبعية صهيونية لم تُبقِ للسيادة المغربية باقية.
هذا الفعل الرمزي يضعنا وجها لوجه أمام الحقيقة المرة: إن الفساد الذي ينخر جسد المملكة المغربية، ليس مجرد انحرافات إدارية، بل هو فساد هيكلي يمثل المخزن فيه الرأس والقلب معا، فمنذ اللحظة التي ارتهن فيها نظام السلطان الرشيد في 1666م للمال والمصالح الضيقة في “الملاح”، تحولت المملكة المغربية إلى ضيعة وظيفية يُساق فيها الناس كـ”رعايا” تحت وطأة تخدير ديني وأساطير خرافية، بينما يُدار القرار الحقيقي في الغرف المظلمة لخدمة بقاء العرش وتحالفاته المشبوهة. إن الاكتفاء بتطهير الأرصفة هو اعتراف ضمني بأن رأس الفساد يمتلك من القوة الأمنية والقداسة الزائفة ما يجعله عصيًّا على التنظيف، طالما أن الوعي الجمعي لا يزال محاصَرا بين شعارات الولاء المطلق وبين واقع الارتماء في حضن الصهيونية.
إن التطهير الحقيقي الذي يحتاجه المغرب اليوم، لا يبدأ من أسوار مراكش، بل يبدأ من اقتلاع جذور الاستبداد التي جعلت من المغرب مساحة مستباحة للصهاينة ومن “الرعايا” مجرد كائنات ممسوحة الوعي تكتفي بمحو أثر الأقدام، في حين أن الخيانة قد استوطنت في قمة الهرم السياسي، فما دام المخزن هو من يفتح الأبواب، ومادام هو من يقمع الحناجر، فإن كل عمليات غسل المكان ستبقى مجرد محاولات لتجميل وجه واقع قبيح، واقعٍ يثبت يوما بعد يوم أن الفساد الأكبر ليس في بقايا صلاة غريبة، بل في نظامٍ باع تاريخه وجيرانه وسيادته مقابل “بركة” مزعومة لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وقبل أن أختم أدعو القراء إلى قراءة كتاب: “بِيبِيُو.. الخراب على الباب”، للدكتور أحمد ويحمان، وهو رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع في المغرب. ويقدِّم هذا الكتاب قراءة تحليلية نقدية للواقع السياسي والاجتماعي في المملكة المغربية، محذرا من أخطار خارجية وداخلية تهدد وحدة البلاد واستقرارها. إليك ملخص لأهم الأفكار الواردة في المصادر:
-دلالة العنوان (بِيبِيو): وهي صرخة استغاثة أو إنذار أمازيغي يُطلق في حالات الخطر الوشيك أو الكوارث التي تهدد الجماعة، وتتطلب تدخلا فوريا. ويستخدمها المؤلف كعنوان للتنبيه إلى أن المغرب يمر بظروف جد خطيرة.
-تشخيص نظام الحكم: ينتقد الكتاب بنية الدولة المغربية واصفا إياها بـ”البايريمونيالية الجديدة” (Neopatrimonialism)، إذ يختلط الشأن العامّ بالشأن الخاص، وتتحول الدولة إلى ما يشبه المقاولة السياسية الخاصة التي يهيمن عليها الحاكم وحاشيته والمقربون منه. ويؤدي هذا النظام إلى انتشار الفساد، والمحسوبية، وغياب المحاسبة.
-مخطط التفتيت والتقسيم: يحذر المؤلف مما يسميه “المخطط التخريبي” الذي تقوده قوى استعمارية وصهيونية لتقسيم المغرب إلى كيانات صغيرة أو “دويلات” على أسس عرقية ومناطقية. ويشير الكتاب إلى وجود مخططات لإنشاء ست “جمهوريات” مفترضة (مثل جمهورية الريف، وجمهورية أسامر، وجمهورية سوس) لضرب وحدة الدولة المركزية.
-ظاهرة “الصهيدنة” والاختراق الصهيوني: يركز الكتاب بشكل مكثف على ما يصفه بـ”صهيدنة” المجتمع والدولة، وهو مصطلح يجمع بين الصهيونية واستغلال الهوية (الأمازيغية أو العبرية). ويؤكّد المؤلف وجود اختراقات صهيونية واسعة في مجالات الفلاحة، والسياحة، والتعليم، وحتى الأمن عبر ما يسمى “الطابور الخامس” أو “الهياثيم”.
-استهداف الهوية واللغة: ينتقد الكتاب بشدة ما يسميه “العياشية” (نسبة إلى نور الدين عيوش)، وهي تيار يتهمه المؤلف بالعمل على تهميش اللغة العربية في الإدارة والتعليم وتشجيع الدارجة والفرنسية لقطع صلة الأجيال القادمة بتراثها العربي الإسلامي.
-التجييش والعمل المسلح: يشير الكتاب إلى خطورة انتقال بعض التيارات المرتبطة بجهات خارجية من العمل الثقافي إلى الدعوة للعمل المسلح وتشكيل مليشيات تحت مسمى “الدفاع الذاتي”، مما ينذر بحرب أهلية أو فتن عرقية.
الحل المقترح: يرى المؤلف أن المخرج الوحيد هو بناء “جبهة للإرادة الشعبية” أو “كتلة تاريخية” تجمع مختلف القوى الحيَّة لمواجهة نظام الاستبداد والفساد، وتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي يحمي البلاد من الاختراق الأجنبي والتمزق الداخلي.
إن لجوء المغربي للمنظفات لتطهير أثر طقوس “الحريديم” هو التجسيد المأساوي للمسافة الفاصلة بين عاطفة الرعية وبين تغول السلطة؛ فهو يغسل الرصيف لأنه لا يملك القدرة على غسل المؤسسات، ويطهر الحجر لأنه يدرك -ولو في لا وعيه- أن القرار السياسي قد تلوث بتبعية صهيونية لم تُبقِ للسيادة المغربية باقية.