من وحي الملتقى الوطنيّ الرابع للمجاهد العقيد الحاج لخضر 2/2
تكريما لهؤلاء الشهداء أقيم لهم نصبٌ تذكاري يليق بمقامهم، قرأنا في رحابه سورة الفاتحة ترحّما على أرواحهم. ولم أتمكّن من الوصول إلى بيت عائلة الحاج لخضر العتيق، لعدم وجود طريق معبّد، ولأن الوقت كان يقترب من الغروب، لذا اكتفيت بالتقاط صورة له من مسافة بعيدة نسبيا.
حدّثني د.عبد الحميد خزار أنه حرصا على تاريخ عائلته وخاصة تاريخ والده الشهيد الذي كان يعلّم القرآن ويؤم الناس في صلاة التراويح والعيدين، بادر إلى بناء مسجد بمعية بعض المحسنين بقرية عمارة ليكون معلما للأجيال، وانتهى بناؤه سنة 2014م، لكن الإدارة تلكأت في تدشينه بحجة غياب مسكن للإمام، لذلك شرع في بناء المسكن وسيكون جاهزا عن قريب.
وقفنا عند عودتنا أمام نصب تذكاري آخر للشهداء، أخبرني د.عبد الحميد خزار أن رُفات هؤلاء الشهداء قد جرى انتشالها من بئر غير بعيدة عن مكان النصب التذكاري.
زيارة مكتبة قرفي
بدأتُ نشاط اليوم الثالث والأخير من زيارتي لمدينة باتنة (الأربعاء 15 أفريل 2026م) بزيارة مكتبة ڤرفي الواقعة في وسط المدينة، وتعدّ أقدم مكتبة في باتنة، إذ فتحت أبوابها للقرّاء سنة 1962م كما هو مسجلٌ في لافتتها. دخلتُ إليها وطفتُ بأروقتها الغاصة بالكتب المختلفة المصفوفة بإتقان، ثم وقع بصري على كتاب هامّ يحوي المقالات التي كتبها الفرنسيّ إميل ماسكري في القرن الـ19 م عن منطقة الأوراس، وسَعِدتُ أيّما سعادة بالعثور عليه لأنه غير موجود في مكتبتي. لكن رغم ثراء معلوماته، فمن المستحسن أن يقرأه القارئ بحذر وفطنة، لأنه كُتب في سياق تكريس الاستعمار الفرنسي للجزائر في القرن19م. ثم قدَّمت نفسي لعاملة المكتبة، فرحّبت بنا نحن الاثنين، وأسرعتْ إلى التقاط صورة تذكارية لنا أنا ومرافقي د.عبد الحميد خزار، بنيّة نشرها في حساب المكتبة. لا شكّ أنّ هذا التصرّف سلوكٌ حكيم ينمّ عن الفطنة ويخدم سُمعة المكتبة.
المحاضرة الثانية
اتجهنا بعد خروجنا من المكتبة إلى كلية العلوم الإسلامية لإلقاء المحاضرة الثانية بعنوان: “البعد التحرّري الوطنيّ في نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وكانت البداية أن استقبلني السيد العميد منصور كافي في مكتبه، وأهديتُ له عددا من كتبي، ثم انتقلتُ إلى قاعة المحاضرات حيث وجدتُ الطلبة وبعض الأساتذة في انتظاري، وقام الدكتور محمد العايب بتقديمي للحاضرين. هذا وقد مرّ اللقاء في ظروف جيدة تخللها نقاشٌ علميّ مفيد.
شيء من الطوبونيميا
تبادرت إلى ذهني -ونحن في طريق العودة من زيارة بلدية سڤانة- بعض الأسئلة الخاصة باشتقاق أسماء الأماكن بعد أن شاهدت ثلوجا كثيفة تكسو قمم جبال ثوڤر (أي جبال شامخة) على مشارف مدينة باتنة، أوّلها اسم “أوراس”، فأجابني د. فؤاد بن عبيد أنه مشتق من الكلمة الأمازيغية (اُورَغ) أي الذهب، وعليه فـ”أوراس” يعني جبال الذهب. والسؤال الثاني حول اسم “الشاوية”، أجابني عنه د. الحاج دواق اُوحمنة بأنه مشتق من الكلمة الأمازيغية ” ثِيشَّاوْ” أي قمم الجبال، وعليه فإن اسم “إشّاوِيَّنْ” يعني سكان قمم الجبال.
أمّا السؤالُ الثالث فهو خاص باشتقاق اسم “باتنة”، ذكر د. فؤاد بن عبيد ثلاثة احتمالات في شأنه: الاحتمال الأول أن يكون مصدره أمازيغيا (بَاثنْتْ) وهو المرجَّح في نظره، معناه الأرض المنخفضة الخصبة ذات المياه الوافرة. والاحتمال الثاني أن يكون مشتقا من عبارة Armée Terrestre Nord Africaine . Bataillons والاحتمال الثالث أن يكون الاسم مشتقا من الكلمة العربية “المبيت”. والله أعلم.
زاوية سيدي بوسالم (المجد المنسيّ)
تعدُّ زاوية سيدي بوسالم من الأمجاد التي طواها النسيان في غفلة من الإنسان. وقد حدّثني عنها د. الحاج دواق اُوحمنه أثناء زيارتنا لمسقط رأس المجاهد الحاج لخضر يوم الثلاثاء باقتضاب خلاصة حديثه؛ أن هذه الزاوية أسّسها سيدي أمْحَندْ اُوشْريفْ المدعو سيدي بوسالم الشريف، القادم كغيره من الأشراف من الساقية الحمراء في حدود القرن الـ17م إلى عرش أولاد أشْلِيحْ (بلدية وادي الشعبة). كان شيوخها ينشرون العلم ويُصلحون ذات البين ويحتفلون بالمواسم الدينية. وكانت علاقتهم بالإيالة العثمانية متوتّرة بسبب تعسّف داياتها في مجال فرض الضرائب على الفلاحين. وعندما وصل الغزوُ الفرنسيّ إلى هذه المنطقة، وقف السكان ضده، فسمّاهم الفرنسيون “العرش الأحمر” كناية عن مقاومتهم للاحتلال الفرنسيّ.
وقد أفادني د. فؤاد بن عبيد في خرجة يوم الأربعاء، بمعلومات في غاية الأهمية، اطّلع عليها في المصادر الفرنسية، ذكر منها بصفة خاصة المجلة الإفريقية La Revue Africaine التي صدرت ما بين 1856- 1962م. ذاكرا أن الشيخ المؤسِّس عاش في القرن الـ17م، وبنى مجدا ثقافيا تليدا في منطقة عمارة (بلدية وادي الشعبة)، وذكرت المصادر الفرنسية أن قريته كانت تضم نحو 500 منزل، ولا يزال ضريح سيدي بوسالم الشريف يُزار إلى يومنا هذا. وقد سبق للمؤرخ الدكتور بلقاسم سعد الله أن تحدَّث في كتابه المخصَّص لتاريخ الجزائر الثقافي، عن حفيده المدعوّ الشيخ الشلِيحِي الذي كان على صلة بحاكم بايلك قسنطينة “الباي بوحْنك” الذي أسند له مهمة رعاية الحجيج -في نطاق أراضي عرش أولاد الشليح التي كانت ممرّا للحجيج- لكفاءته العلمية ولمكانته الروحية، ولقوّته العسكرية، أي كان يجمع بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية. وممّا يدل على سموِّ منزلة أحفاد سيدي بوسالم لدى باي قسنطينة -حسب شروح د. فؤاد بن عبيد- أن منح لهم مسجدا في المدينة يسمى مسجد أربعين شريفا.
وعندما اندلعت انتفاضة 1871م بقيادة الحاج محمد المقراني والشيخ محمد أمزيان بن الحداد، أسرع أحفاد سيدي بوسالم الشريف إلى احتضانها، لذلك قام الجيش الفرنسيّ بتدمير قريتهم وتهجير سكانها وتفريقهم على مناطق عديدة، منها بوزينة وقسنطينة وشلغوم العيد. واعتبارا لمكانتهم الروحية المرموقة في الأوساط الشعبية، كانوا يحظون بالترحاب حيثما حلّوا. هذا وقد تأسَّف الراوي الدكتور بن عبيد على ما أصاب أطلالَ حاضرة أولاد سيدي بوسالم الشريف من إهمال، يهدّد جزءا معتبرا من تراثنا الثقافي الجزائري بالزوال.
رحلة في أعماق ذكريات التهجير
فضّل د. خزار أن تكون خاتمة رحلتي الثقافية هذه إلى ربوع باتنة، بزيارة منطقة جرّ بلدية سڤانة، التي استقرت فيها عائلته بعد تهجيرها من قرية عمارة سنة 1955م. مررنا في طريقنا إليها بربوة تسمى “أشراف الحلفا” كانت في زمن الاستعمار معروفة بإنتاج الحلفاء، وبمصنع الاسمنت (بلدية تيلاطو الواقعة بين عين توتة وبريكة)، ومررنا ببلدية سڤانة وقرية تازَغْتْ حيث أشجار الزيتون التي غُرست حديثا. ثم تراءت لنا مدينة سَفيان المشهورة في منطقة الأوراس بزيت الزيتون والمشمش والرمان. وصلنا إلى “الجَرّ” (مركز الشعابنة، بلدية سڤانة) الواقع في منطقة عبور المجاهدين أيّام الثورة، وهناك قضى سي عبد الحميد خزار طفولته المعذبة ما بين 1955-1959م. ويبعد هذا المركز عن مدينة باتنة بنحو 70 كلم. شاهدتُ هناك أطلال منازل تقليدية وأطلال كُتّاب تعليم القرآن. هذا ولم تنعم عائلة خزار بالأمن في هذا المنفى، إذ خرّبت فرنسا منازلها، وهجّرتها للمرة الثانية في حدود 1959م نحو منطقة المِلقْ ببلدية سڤانة، ومكثت هناك إلى غاية استرجاع الاستقلال سنة 1962.
المدرسة العربية الحرة في باتنة
رغبتُ في زيارة المدرسة العربية الحرّة التي أسِّست بباتنة في عهد الاستعمار الفرنسيّ، غير أن ضيق الوقت قد حال دون تحقيق رغبتي. وقد حدّثني الكاتب سعدي بزيان (ابن المنطقة) بعد عودتي إلى العاصمة عن دور السيّد حنفي لعُوبي في بناء هذه المدرسة، وهو القادم من منطقة جرجرة إلى باتنة بصفته تاجرا. وكان قبل ذلك يحضر دروس الشيخ عبد الحميد بن باديس في مدينة قسنطينة أثناء تنقله إليها لجلب السلع، لذلك رغب في نقل ذلك الجو الثقافي إلى باتنة، فعزم على تأسيس مدرسة تنقذ الناشئة من الضياع، لذا اقترح على الشيخ بن باديس أن يفتح قسما في سكن له يحتوي على غرفتين وذلك سنة 1936م، وهو ما جرى بالفعل وأشرف الشيخ بن باديس على تدشينه. لكنه لم يلبث أن انتقل –حسب المعلومات التي أفادني بها د. خزّار- إلى مكان أوسع هو سكن مشترك بين إسماعيل شيخي، وبلقاسم شرفة الذي كان أمينًا للمال، علما أن الثلاثة من منطقة الزواوة (القبائل). واستمرّ التعليم هناك إلى أن فُتحت مدرسة النشء الجديد سنة 1954م.
حمودة بن ساعي.. فيلسوفٌ عاش في طيّ النسيان
يعدُّ السيد حمودة بن ساعي علما بارزا في تاريخ الجزائر الثقافي، وهو من أبناء مدينة باتنة. سافر إلى فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين لمزاولة دراسته في الفلسفة بجامعة السربون. وكان مهيئا للحصول على أعلى الدرجات العلمية، لكن لمّا أدرك الفرنسيون وجهته الفكرية الساعية إلى بعث الهوية الجزائرية المسلمة، تعرّض للعرقلة والتحطيم، لذا عاد إلى الجزائر مكسور الوجدان دون أن يكمل دراسته. وقد تعرَّف في فرنسا على المفكِّر مالك بن نبيّ، وكان له الفضل في توجيهه نحو دراسة الحضارة الإسلامية، وقد اعترف بن نبي بذلك، من خلال كلمة الإهداء الواردة في نسخة كتابه (الظاهرة القرآنية) التي أهداها له حين صدوره سنة 1946م على النحو التالي: «إلى صديقي وأستاذي حمودة بن ساعي الذي عانى كثيرا من تحالف القوى الاستعمارية الشرسة التي جعلته مهمَّشا في الساحة مثل آخرين».
لما عاد المفكر حمودة بن ساعي إلى الجزائر خائبا، قضى بقية حياته في بؤس وشقاوة وتهميش بمدينة باتنة، يسترزق من كتابة العرائض للناس، ويقيم عند أخته في كنف العزلة والانطواء إلى أن فارق الحياة. تعرّف عليه د. فؤاد بن عبيد فحزّ في نفسه أن يراه في تلك الحالة المزرية. وأخبرني أنه لازمه خاصة خلال فترة دراسته في جامعة قسنطينة، كان يجالسه ويتجاذبان أطراف الحديث في أمور متعلقة بالفكر والحياة، استخلص منها أنه كان صديقا حميما للمفكّر مالك بن نبي، وللشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي، وغيرهم من رجالات الإصلاح. ومن أهم المعلومات التي سمِعها د. فؤاد بن عبيد من المفكر حمودة بن ساعي، أن الشيخ عبد الحميد بن باديس لم يكن معاديا للتصوُّف والطرقية كما يتصوّر البعض، لأن مرجعيته الدينية كانت جزائرية، خلافا لبعض أعضاء الجمعية الفاعلين الآخرين الذين تأثروا بالأفكار الوافدة من المشرق. وممّا يؤكد صواب هذا الرأي أن الشيخ بن باديس قد قام بتصحيح الطبعة الثانية لـ”المنظومة الرحمانية” المطبوعة في مطبعة النجاح بقسنطينة سنة 1923م، بطلب من حفيده سيدي محمود بن محمد شيخ الزاوية الخلوتية الرحمانية. هذا وقد أكّد لي د. فؤاد بن عبيد أن السيد نور الدين خندودي (دبلوماسي) قد ألف كتابا عن حياة المفكر حمودة بن ساعي بعنوان: “محمد حمودة بن ساعي أو المصير البائس لمثقف جزائري”. وقد أهدى لي د. عبد الحميد خزّار نسخة منه مشكورا.
تكريم المفكر حمودة بن ساعي في حياته
أكدّ لي د. فؤاد بن عبيد أن الفضل في تعريف سكان مدينة باتنة بالمفكر حمودة بن ساعي، وفي ظهوره في التلفزة الوطنية لأول ولآخر مرة، يعود إلى أ. د. عبد الحميد خزّار الذي كرّمه في إطار نشاط جمعية الإصلاح الاجتماعي والتربوي التي كان يشرف عليها. وممّا تجدر الإشارة إليه أن المفكّر حمودة بن ساعي قد رفض تقديم كلمة أثناء الحفل من فرط الإحباط، كما رفض استلام مبلغ المال الخاص بالتكريم رغم حاجته الماسّة إليه، مفضِّلا تسليمه لفائدة الجمعية. وقامت مجلة “الرواسي” ذات التوجه التربوي -التي كانت تصدر في تسعينيات القرن الماضي تحت إشراف سي عبد الحميد خزار- بتغطية الحفل إعلاميًّا، ونشرت خلالها رسالة المفكر حمودة بن ساعي التي أرسلها إلى الجمعية من باب الشكر والعرفان.
وأكّد لي أيضا د. فؤاد بن عبيد أن الدكتور عبد الحميد خزّار، قد استغل فرصة حضور التلفزة الوطنية إلى مدينة باتنة لتسجيل حوار مع المجاهد العقيد الحاج لخضر -رحمه الله- ليعرض على الصِّحافيين فكرة محاورة المفكر حمودة بن ساعي وهو طريح الفراش، فحظي اقتراحه بالقبول، فأجرى معه الصحافي فضيل بومالة حوارا شاهده الجزائريون في حصة “الجليس” الذائعة الصيت. وكان الشيخ البشير الإبراهيمي -حسب ما جاء في شهادة د.عبد الحميد خزار- قد رقّ لحال بن ساعي يوم التقاه في مدينة باتنة (20 مارس 1950م)، ونصحه بمغادرة الجزائر الواقعة في قبضة المستعمِر الذي ضيّق عليه الخناق ولم يحترم منزلته العلمية. كما كان حمودة بن ساعي -حسب الشهادة نفسها- صديقا للشهيد مصطفى بن بولعيد، وتألَّم كثيرا يوم استشهاده، وشعر أنه فقد سندا قويّا.
العودة إلى الجزائر العاصمة
عدتُ إلى العاصمة ليلة 15 أفريل 2026م على الساعة التاسعة ليلا، وقد رافقني إلى المطار السادة الأساتذة: عبد الحميد خزار، نوار لمباركية، نصر الدين معاشي. وكانت آخر حلقة في جولتي المفيدة، زيارة مزرعة هذا الأخير الواقعة قرب المطار، غرس فيها أشجار التفاح، وبنى فيها مسكنا مريحا جميلا، صلينا هناك صلاة المغرب، ثم اتَّجهنا إلى المطار، وهناك حظيتُ بمعاملة طيّبة يَّسرت لي إجراءات السفر الإدارية، فعدتُ إلى أهلي سالما غانما والحمد لله.
كلمة شكر وعرفان
لا يسعني في الأخير إلاّ أن أقدِّم جميل الشكر للسادة: مدير الجامعة الدكتور عبد السلام ضيف، والسيد عميد الكلية منصور كافي، والسيد مدير الملتقى عبد السلام عبد القادر، وجميع الحاضرين من أساتذة وطلبة، وكلّ الإخوة الأساتذة الذين شرَّفوني بالمرافقة أثناء رحلاتي الثقافية، دون أن أنسى عمال الفندق الذين لم يقصِّروا في واجب الضيافة، وعمال المطار الذين غمروني بالتقدير والاحترام.
أشكر بصفة خاصة د. عبد الحميد خزار الذي لم يدَّخر أيَّ جهد من أجل تمكيني من زيارة أكبر عدد ممكن من المعالم الثقافية على هامش الملتقى. فضلا عن تواصله معي في العاصمة عن طريق صديقنا المشترك الكاتب بشير فريك. وأدركتُ منذ الوهلة الأولى -وأنا أحاوره- أنني أمام قامة علمية كبيرة يحسن التواصل بطريقة تربوية مفعمة بالتواضع. ولا غرابة في ذلك بالنظر إلى مساره الطويل في التعليم وفي تنوير المجتمع وتحصينه بالوعي التربوي باللسان والقلم عبر مجلة “الرواسي” وجمعية الإصلاح الاجتماعي التربوي اللتين كان يشرف عليهما، فقد كان ظهيرا قويّا للمجاهد العقيد محمد الطاهر عبيدي (المدعو الحاج لخضر) صاحب مشروع مسجد أول نوفمبر ومعهد العلوم الإسلامية (1980-1998م) الذي يعدُّ من معالم التنوير في باتنة. والله وليّ التوفيق.
تبادرت إلى ذهني بعض الأسئلة الخاصة باشتقاق أسماء الأماكن بعد أن شاهدت ثلوجا كثيفة تكسو قمم جبال ثوڤر (أي جبال شامخة) على مشارف مدينة باتنة، أوّلها اسم “أوراس”، فأجابني د. فؤاد بن عبيد أنه مشتق من الكلمة الأمازيغية (اُورَغ) أي الذهب، وعليه فـ”أوراس” يعني جبال الذهب. والسؤال الثاني حول اسم “الشاوية”، أجابني عنه د. الحاج دواق اُوحمنة بأنه مشتق من الكلمة الأمازيغية “ثِيشَّاوْ” أي قمم الجبال، وعليه فإن اسم “إشّاوِيَّنْ” يعني سكان قمم الجبال.
أمّا السؤالُ الثالث فهو خاص باشتقاق اسم “باتنة”، ذكر د. فؤاد بن عبيد ثلاثة احتمالات في شأنه: الاحتمال الأول أن يكون مصدره أمازيغيا (بَاثنْتْ) وهو المرجَّح في نظره، معناه الأرض المنخفضة الخصبة ذات المياه الوافرة. والاحتمال الثاني أن يكون مشتقا من عبارة Armée Terrestre Nord Africaine . Bataillons والاحتمال الثالث أن يكون الاسم مشتقا من الكلمة العربية “المبيت”. والله أعلم.
سافر حمودة بن ساعي إلى فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين لمزاولة دراسته في الفلسفة بجامعة السربون. وكان مهيئا للحصول على أعلى الدرجات العلمية، لكن لمّا أدرك الفرنسيون وجهته الفكرية الساعية إلى بعث الهوية الجزائرية المسلمة، تعرّض للعرقلة والتحطيم، لذا عاد إلى الجزائر مكسور الوجدان دون أن يكمل دراسته. وقد تعرَّف في فرنسا على المفكِّر مالك بن نبيّ، وكان له الفضل في توجيهه نحو دراسة الحضارة الإسلامية.