هذا هو العقابُ الذي يُؤلم فرنسا
حينما يزعم الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون أنّ الجزائر قد “فقدت شرفها” بإقدامها على اعتقال الكاتب بوعلام صنصال، فإنَّ السؤال الذي يجدر ذكرُه بهذا الصدد هو: هل يحقّ لهذا الرئيس أن يتحدّث عن “الشرف” ويوجّه دروسا أخلاقية للآخرين؟ هل هو مؤهَّلٌ لذلك؟
هل نسي ماكرون تاريخ فرنسا الاستعماري البغيض في الجزائر ودول كثيرة في إفريقيا والعالم؟ لا يذكر المؤرّخون المنصفون هذا التاريخ الأسود إلا مقرونا بالمجازر وجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مجازر 8 ماي 1945، وقصف سكان الأغواط بالسِّلاح الكيميائي، وحرق سكان أولاد رياح في مغارة، والتجارب النووية الـ17 التي فتكت بأرواح آلاف الجزائريين آنذاك ولا تزال تقتلهم إلى الآن بالسّرطانات، وقتل نحو 5.6 مليون جزائري خلال قرن وثلث قرن من الاحتلال… وغيرها من الجرائم التي يندى لها جبينُ الإنسانية جميعا إلا فرنسا التي لا تخجل من تاريخها المخزي وتسمح لنفسها بتوجيه دروس أخلاقية للآخرين.
وعندما يتحدّث ماكرون الآن عن “حرية الرأي”، فإننا نودّ أن يجيبنا عن مدى التزامه بما يدعو إليه حينما يتعلّق الأمر بنقد المذابح الصهيونية في غزّة، والحالُ أنّنا نرى تضييقا شديدا على كلّ فرنسي حرٍّ شريف ينتقد هذه الجرائم؛ إذ يتعرّض لحملات تشويه حاقدة ويُتّهم بـ”معاداة السامية” إلى أن يُجبر على الصمت، فضلا عن التّضييق على المسيرات المؤيِّدة للفلسطينيين في فرنسا، وكذا مساندتها جرائم الاحتلال في غزة ومشاركتها فيها من خلال الاستمرار في بيع أسلحة متطوّرة للجيش الصهيوني وهي تعرف تماما أنّها تُستعمل لقتل الأطفال والنساء بكلّ وحشية ونازية.
لذلك تعدُّ فرنسا آخر من يحقّ له أن يتحدّث عن “حرية التعبير” التي أضحت تساوي عندها فقط حرية التطاول على الإسلام كما رأينا في قضية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة التي طالما دعمها ماكرون، وعلى سيادة الدول ووحدتها الترابية، وإلا كيف تقبل أيُّ دولة أن يصرّح أحد أبنائها أن نحو رُبع أراضيها كانت تابعة لدولةٍ أخرى قبل الاستعمار الفرنسي، ولا يحاكَم بتهمة المساس بوحدتها الترابية؟ هل تقبل فرنسا أن يصرّح أحدُ مثقفيها بأنّ شمالها كان أراضي ألمانية ويجب أن تعود إليها؟
لقد اختار ماكرون معسكره عندما قرّر الانحياز الأعمى لطرح الحكم الذاتي الذي يحاول المخزن إجبار الشعب الصحراوي عليه، ومن ثمّة، فقد عرّض مصالح بلاده في الجزائر للانحسار أكثر، وبهذا الصدد نودّ أن نتجاوز ردود الأفعال الكلامية ونذهب إلى ردود عملية.. أصلا كان ينبغي فعلُ ذلك عقب التصريح المهين الذي أدلى به ماكرون في سبتمبر 2021 ومجّد فيه الاستعمار الفرنسي للجزائر، وأعاد إليه الفضل في إنشاء الجزائر الحديثة، آنذاك كان يجب وضعُ ماكرون عند حدّه، وعدم البحث عن مصالحةٍ مع هذه الدولة التي لا يزال قادتُها وسياسيوها يفكّرون بعقليةٍ استعمارية وينظرون إلينا باستعلاء واحتقار.. مثل هؤلاء لا يمكن بناء علاقات عميقة معهم، والأفضل تعزيز العلاقات مع مجموعة من الأصدقاء الذين يعاملوننا باحترام مثل إيطاليا وتركيا وروسيا والصين وغيرها من دول هذا العالم الواسع، لكن البلاد اكتفت آنذاك بردود ظرفية ومنها تعريب بعض الوزارات بشكل استعجالي لم نر أثره في الميدان، قبل أن تعيد علاقاتها مع فرنسا إلى ما كانت عليه من قبل وأكثر، ما شجّع ماكرون على مواصلة التفوّه بإهاناته.
اليوم، جاءت الفرصة لتصحيح الوضع تدريجيًّا على جميع الأصعدة؛ سياسية واقتصادية وثقافية وغيرها، والشروع في إجراءات تأديبية ضدّ فرنسا، ومن أبسطها بعث مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي والتصديق عليه في البرلمان، و”طرد” اللغة الفرنسية من الإدارات والهيئات والمؤسّسات العمومية والخاصّة والمحيط العامّ من خلال رفع التجميد العملي عن قانون تعميم استعمال اللغة العربية، ودحْرَجة تدريس الفرنسية من الثانية ابتدائي إلى الأولى متوسّط، بعد أن أثبتت التجربة أنّ هذا “الازدحام اللغوي” في الابتدائي، من خلال تدريس أربع لغات للتلاميذ، وهي العربية والأمازيغية والفرنسية والانجليزية، قد أرهق عقول أطفالنا ولا يتناسب مع قُدراتهم الاستيعابية المحدودة بحكم صِغر سنّهم.
لقد أهاننا ماكرون في سبتمبر 2021 فتجاوزنا عنه، فشجّعه ذلك على العودة، وإذا تغاضينا عنه مجدّدا فستتحوّل إهاناته لنا إلى خُبز يومي، لذلك يجب أن نضعه عند حدّه هذه المرّة بالأفعال وليس بالأقوال، ونعتقد أنّ رفع التجميد عن مقترح قانون تجريم الاستعمار، وعن قانون التعريب، ودحْرَجة تعليم الفرنسية إلى المتوسّط، كخطوة أولى نحو الاستغناء عنها نهائيًّا في المستقبل والاكتفاء بالانجليزية، هو العقابُ المناسب الذي يؤلم فرنسا أكثر من أيِّ عقابٍ آخر؛ ففرنسا قد تقبل تقزيم نفوذها الاقتصادي في الجزائر، لكنها لن تهضم أبدا ضياع نفوذها الثقافي واللغوي.