هذه جهود سعد الله في تعريب تخصص التاريخ بالجامعة
اختار القائمون على الندوة الفكرية الخامسة ”الدكتور ابو القاسم سعد الله”، تسليط الضوء على شخصية الجزائر الوطنية من خلال كتابات شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله، والتي تنظم سنويا إحياء لذكرى وفاته يوم 14 ديسمبر 2013، أين شارك فيها وأثث فقراتها دكاترة ومؤرخون وأساتذة ورفقاء شيخ المؤرخين وتلامذته، على غرار، المؤرخ محمد العربي الزبيري والمؤرخ ناصر الدين سعيدوني والمؤرخ محمد عباس والمؤرخ عمار بوحوش والإعلامي والباحث سعدي بزيان والباحث والمؤرخ مولود عويمر، كما كان لأساتذة قسم التاريخ بجامعة الشهيد حمة لخضر بالوادي، مشاركة لافته، بداية من رئيس قسم التاريخ الدكتور علال بن عمر، والدكتور عبد القادر عزام عوادي، وطالب الدكتوراه الزبير بن بردي وغيرهم.
وافتتحت الندوة الفكرية الخامسة التي احتضنها المركز الثقافي بمدينة قمار، مسقط رأس شيخ المؤرخين سعد الله، بحضور والي الولاية والسلطات المحلية، وأعيان وسكان مدينة قمار وضيوف الولاية، أين أقيم معرض لمؤلفات وكتب الراحل وكذا إسهاماته في الجرائد والمجلات والنشريات، فيما تم الإعلان عن الفائز بجائزة الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله.
البروفيسور علي غنابزية:
سعد الله مدرسة تاريخية وتراثه يحتاج إلى فرق بحث

اعتبر البروفيسور بجامعة الوادي، علي غنابزية، بأن الندوة الفكرية الخامسة للدكتور ابو القاسم سعد الله، المقامة بمدينة قمار، هي إحياء لذكرى الدكتور ابو القاسم سعد الله، ذلك الرجل القمة ويعتبر مدرسة تاريخية، إذ خصصت هذه الندوة لتسليط الضوء على شخصية الجزائر الوطنية من خلال كتابات ومواقف ومؤلفات الدكتور ابو القاسم سعد الله، وكانت لهذه الندوة توصيات، لمواصلة الدراسة لهذا التراث الزاخر الذي تركه المرحوم شيخ المؤرخين، الذي يحتاج إلى مخابر ويحتاج إلى فرق بحث عديدة لإخراج هذا التراث إلى النور، ليس فقط في شكل كتابات، بل كأبعاد حضارية بالنسبة للمجتمع الجزائري.
طالب الدكتوراه الزبير بن بردي:
سعد الله أبرز البعد الديني للحركة الوطنية

اختار طالب الدكتوراه تخصص تاريخ معاصر، الزبير بن بردي، عنوان البعد الديني في أعمال ابو القاسم سعد الله، معرجا على أن أعمال شيخ المؤرخين تنوعت بين التأليف والترجمة والتحقيق والتعليق، والتي شملت العديد من المواضيع المتفرقة في التاريخ والأدب والثقافة وكذلك في الاعلام والرحلات، وتتجلى فيها أحد أهم مقومات الشخصية الوطنية الجزائرية وهو الدين الإسلامي، الذي ابرزه سعد الله في كتاباته سواء كان في العهد العثماني أو في إطار اقتران الاسلام بالعروبة، وذلك في إطار إبرازه لدور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي قامت بالعديد من النشاطات خدمة للدين الاسلامي في مرحلة الاستعمار وما بعده، وكذا تطرقه إلى ضرورة إنشاء جامعة إسلامية في الجزائر أسوة بما هو موجود في تونس ”جامع الزيتونة” وكذا جامع القرويين بفاس، وكما هو موجود في مصر ”جامع الأزهر”، وكذلك ابرز البعد الديني والثورة التحريرية الجزائرية، كما ظهر البعد الديني في كتابات سعد الله باستشهاده بالآيات القرآنية والتعابير الدينية الاسلامية التي هي جلية في مؤلفات وأعمال وآثار شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله، على غرار كتاب الحركة الوطنية الجزائرية وكذلك تاريخ الجزائر الثقافي.
المؤرخ محمد العربي الزبيري:
ساهمت في عودة أبو القاسم سعد الله إلى الجزائر

اعتبر المؤرخ محمد العربي الزبيري، بأن الندوة الفكرية للدكتور أبو القاسم سعد الله، تعتبر مناسبة عظيمة، أين كشف بأنه من الذين ساعدوا على عودة الدكتور أبو القاسم سعد الله إلى الجزائر، حين كان في أمريكا، ولم يكن وقتها في الجزائر معهد للتاريخ يدرس باللغة العربية، مُردفا بالقول بأنهم عندما تخرجوا من معهد الدراسات والعلوم الأدبية، وكان معهم الدكتور سعيدوني الذي كان يستمع للمؤرخ الزبيري، إذ أنه عقب تخرجه وامتلاكه شهادة، تجول ذات يوم في أروقة الجامعة، التي كانت عبارة عن أقسام وقتها، فإذا به يفتح أحد الأبواب فيجد فيه أستاذا يدرس التاريخ باللغة الفرنسية، عرف بعد ذلك بأنه الأستاذ ”فيفريي”، حيث وجده يتحدث عن الجزائر وكأنها تلك الهدية التي أعطيت لفرنسا، فجملتها ووسعت مفهومها، وهي شبه دولة.
وهنا، أكد المؤرخ محمد العربي الزبيري، بأنه تدخل بقوة عندما سمع كلام الأستاذ ”فيفريي”، وكان وقتها معه 3 طلاب لا يزالون على قيد الحياة إلى الآن، أين واجهه بالحقائق التاريخية الموثقة بالأدلة، بأن الجزائر كانت دولة قبل فرنسا ولها أفضال على فرنسا، منها على سبيل المثال أن الداي حسن في 1793، حين كان كل العالم ضد النظام الجديد الذي جاءت به فرنسا، وهو النظام الجمهوري، كانت الجزائر هي الدولة الوحيدة التي اعترفت بالجمهورية الجديدة في فرنسا، ولم تراع حتى موقف الخلافة الإسلامية، لأننا كنا جزءا من الخلافة الإسلامية وقتها، وكان موقف الداي حسن بأن النظام الجديد في فرنسا صادر عن الجماهير الشعبية، فإن الجزائر تعترف به وتضمن له الحماية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، غير أن أوروبا بأكملها اجتمعت على أن تغزو فرنسا وتحاسبها وتعاقبها على اختيارها للنظام الجمهوري، وكلفوا بذلك إنكلترا في ذلك الوقت لتقوم بتأديب فرنسا، حيث حشدت قواتها وبدأت في غزو بعض الموانئ الفرنسية، فأرسل القادة الفرنسيون وقتها رسالة إلى الجزائر، مفادها طلب المساعدة وفقا للوعد الذي أطلقته الجزائر، المتضمن الرعاية والدفاع والبقاء إلى جانب فرنسا، لاسيما وأنهم تعرضوا لهجوم من الأعداء، حسب نسخة من الرسالة التي قال المؤرخ محمد العربي الزبيري بأنها بحوزته، فما كان من الداي حسن باي إلا أن جهز اسطولا وقام بتحرير الموانئ الفرنسية.
وكان ما سبق ذكره عبارة عن رد على الأستاذ ”فيفريي” وإفهامه بأن الجزائر كانت موجودة كدولة قبل فرنسا، ولنا أفضال عليكم، ثم خرج من القاعة وهنا جاء تساؤل المؤرخ محمد العربي الزبيري، لماذا لا يدرس تاريخ الجزائر باللغة العربية؟ وهو ما دفعه للذهاب لبن شنب الذي كان رئيس المعهد، وطلب منه تدريس تاريخ الجزائر باللغة العربية، إذ لم يعارض الفكرة إذا توفر الأساتذة، فما كان من المتحدث إلا أن جلس وبدأ في إعداد قائمة بأسماء الأساتذة، وكان على رأسها الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي كان قد أكمل دراسته في التاريخ، كما أدرج كذلك اسم الدكتور سعيدوني والدكتور لقمان وجميع الأسماء التي كانت في ذهنه، حتى وصل عدد المدرسين لـ14 أستاذ، فسأله رئيس المعهد عن الأستاذ الذي سيشرف على هؤلاء الدكاترة، فوقع الاختيار على الدكتور المصري، عبد الهادي شعيرة، غير أنه أعلم بأنه أنهي عقده في تلك الأيام وسيعود لأبنائه وأهله في القاهرة، فتكفل المؤرخ محمد العربي الزبيري، بالذهاب إليه من أجل إقناعه على البقاء وهو ما حدث، حيث توجها إلى الوزارة لإعادة تجديد العقد، وكانت هذه أول لبنة لإنشاء قسم التاريخ بجامعة الجزائر.
وذكر المؤرخ محمد العربي الزبيري، بأن الدكتور سعد الله أشرف على أعماله، أين ناقش معه أولى الدكتوراه سنة 1970، وكان الدكتور سعد الله يمتلك روح البحث وروح العلم والمعرفة، ويضيف ذات المتحدث بأنه كم مرة عرض عليه طلب من جهات مسؤولة، طلب تقلد مسؤوليات في جهات مختلفة، إلا أنه رفض، وقال بأن مسؤوليتي يجب أن تبقى علمية، ولم يخف المؤرخ محمد العربي الزبيري، بأنه اصبح يشعر بالذنب، لأنه عمل من أجل أن يأتي سعد الله من أمريكا وكذا إنشاء قسم التاريخ باللغة العربية، مرجعا ذلك بأن انطلاقتهم كان الهدف من ورائها هو دراسة التاريخ من أجل أن يكون التاريخ للجزائر، وذلك من أجل أن تعرف الأجيال الصاعدة من نحن، وماذا نريد أن نكون، وكيف ينبغي للجزائري أن يكون، وهو ما لم يتحقق، بسبب أننا – يضيف المؤرخ محمد العربي الزبيري- كنا ننشط ولم نكن نرى عدونا يتربص بنا، من أجل أن لا تتكون إطارات يمكن أن تقف في وجهه.
المؤرخ ناصر الدين سعيدوني
الاستقلال مفهوم حضاري روحه الإسلام وخصوبته العربية

قال الدكتور سعيدوني إن سعد الله عاش أزمة الهوية في الجزائر، وعاش يبحث عن المشروع الوطني الذي يكمل الاستقلال ولم يجده، ورغم أنه لم يفصح عليه، لكنه كان واضحا حسب المؤرخ سعيدوني من الجلسات والمحادثات معه سواء في الأردن وخارجها، وفق مداخلته التي ألقاها في قاعة المحاضرات بالمركز الثقافي بقمار، بمناسبة الندوة الفكرية الخامسة للدكتور ابو القاسم سعد الله، وأردف ذات المتحدث بأن المشروع الوطني الذي عاش شيخ المؤرخين يبحث عنه، وهو كيف يمكن تفعيل عملية استغلال وتحويل وطنية الأرض التي تهمل الإنسان إلى وطنية الإنسان الذي يخصب ويفعل شروط الحياة، وفي ذات السياق يتساءل، ما هي فكرة سعد الله؟ ليجيب عنها من خلال ما عاشه مع الراحل وما سوف يُنشر من دراسات حول أمسيات المفرق بالأردن وكذلك حول أمسيات في الولايات المتحدة الامريكية والمشرق العربي وحول جولاتهم في مكة والمدينة وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان، إذ يرى المؤرخ سعيدوني، أن الدكتور سعد الله يتميز بأشياء لم نبحث عنها كما يجب، أولا إيمانه بأصالة الجزائر ووحدتها الحضارية والفكرية والثقافية، وكان متحسسا من التبعية الثقافية، واعتبر أن مفهوم استقلال الجزائر هو مفهوم حضاري روحه الإسلام وخصوبته العربية وتبني لكل مقومات الجزائر، وذكر المؤرخ ناصر الدين سعيدوني، بأن سعد الله باح له بتخوفه من الفراغ الثقافي، حين كانوا في الأردن، وأسر له بأن هذه نقطة ضعف، وعمل على إصدار تاريخ الجزائر الثقافي، وهو بذلك وضع أسسا متينة لمشروع ينتظر من يكمل بناءه، كما أردف المتحدث بأن سعد الله يرى بأن الجزائر بحثت عن نفسها فأضاعتها، لسبب واحد تتحمله النخبة الجزائرية، ليستدرك ويقول بأن واقع النخبة لا ينطبق، فما أكثر المتعلمين وما أقل المثقفين، لاسيما أن الثقافة أصبحت ثقافة أجنبية ولا يمتلك المثقف الموسيقى الداخلية التي تعبر عن روح الجزائر، وبدون العزف على الوتر الاسلامي والروح العروبية فلن تصل أبدا إلى واقع الجزائر.
وكان الدكتور أبو القاسم سعد الله، يرى بأن الميدان الحقيقي لمعركة المستقبل هو التاريخ، على اعتبار أن التاريخ هو أم العلوم وأساسها، انطلاقا من اللغة التي يكتب بها التاريخ إلى الأفكار التي تفرزها، ومن هنا يضيف المتحدث، نجد فرقا واسعا لمن يكتب للجزائر ولمن يكتب عليها، وأردف بأن سعد الله خاف من توطين اللغة الفرنسية، لأن الإدارة الجزائرية كانت تعمل ضد عقارب الساعة، لاقتلاع الجزائر وتوطين اللغة الفرنسية، وإذا وطنت اللغة الفرنسية فهذا يعني أن هناك انحرافا اساسيا في سيرورة التاريخ الجزائري. ولم يخف المؤرخ ناصر الدين سعيدوني تقاسمه مع أبو القاسم سعد الله، الخوف من المؤرخين الهواة، والمثقفين الهواة، وهؤلاء يملأون الساحة ضجيجا وعجيجا، إذ يصبح بهم الأسود أبيض ويصبح الفشل انتصارا، وهناك تغيب الرؤية ويقع الخطر، وهو ما وقع في الشرق الأوسط على غرار مصر والعراق وغيرها، مؤكدا على أن التاريخ يجب أن يكون لأصحاب الاختصاص، ومن يقرأ التاريخ بنظرة تحليلية سواء كان من إعلاميين أو الصحافيين أو من السياسيين فهو بذلك يدخل إلى نطاق الاختصاص، لكن عندما تتحكم الأهواء السياسية والتوجهات الإيديولوجية والظرفية وتصبح المصالح الذاتية تغطي على الأهداف الوطنية، هناك يقع الخرق، وعليه يجب أن نراجع أنفسنا ونفكر في أمرنا ونبحث عن المشروع المكمل لمشروع الحركة الوطنية الذي توقف في الطريق، وذلك بخلق ثقافة وطنية تحررية فاعلية لها نظرة للمستقبل بتغيير الواقع وتجعل من الانسان مواطنا مسؤولا يقوم بواجباته قبل ان يطالب بحقوقه وبذلك يمكن أن نلتحق بالركب.
جائزة الدكتور أبو القاسم سعد الله للبحث التاريخي
أعلن الدكتور عبد القادر عزام عوادي، أستاذ التاريخ بجامعة الشهيد حمة لخضر بالوادي، عن الفائز بجائزة الدكتور أبو القاسم سعد الله للبحث التاريخي وكانت من نصيب الباحث والطالب عبد القادر تركي، وفي ذات السياق تحدث بأن هذه الجائزة تم إطلاقها في ختام الندوة الفكرية الرابعة للدكتور ابو القاسم سعد الله سنة 2020، وأعلن عنها بالتنسيق مع قسم التاريخ بجامعة الوادي، أين خصصت هذه المسابقة لطلبة التاريخ والباحثين في الجامعة كخطوة أولى، حيث تم استقبال 9 بحوث، في موضوع الهوية الوطنية من خلال كتابات المرحوم الشيخ أبو القاسم سعد الله، مُردفا بأن الأعمال التسعة التي تم استقبالها ترقى للبحوث الجادة، وهي من إنجاز طلبة من قسم التاريخ وطلبة من قسم علم الاجتماع الذين شاركوا في هذه المسابقة، أما لجنة التحكيم فتتكون من البروفيسور علي غنابزية، والدكتور محمد ماني، والدكتور عبد القادر عزام عوادي.
كما أكد هذا الأخير بأن البحث الفائز في المسابقة سيتم نشره في إحدى المجلات العلمية المحكمة وذلك بالتنسيق مع قسم التاريخ، إذ أن أحد شروط المسابقة هو نشر العمل الفائز في المسابقة بإحدى المجلات العلمية المحكمة بجامعة الشهيد حمة لخضر بالوادي، كما أوصت لجنة التحكيم بترسيم هذه الجائزة، باسم الدكتور أبو القاسم سعد الله للبحث التاريخي، مع فتح المسابقة لتكون مسابقة وطنية ولا تقتصر على طلبة التاريخ بجامعة الوادي فقط.