هذه قصة فؤاد الذي سيجمع الجزائريين على تحدي التصحر والإسمنت
على بعد ثلاثة أيام، من اليوم الموعود، الخامس والعشرين من شهر أكتوبر، حيث سيلتقي الجزائريون في الغابات، لأجل غرس مليون شجرة في يوم واحد، يواصل المهندس فؤاد معلى ابن مدينة باتنة، إطلالاته اليومية، من على صفحته ليؤكد أن “الروتوشات الأخيرة قد بلغت مداها، استعدادا لإنجاح التحدي، خاصة أن ثلاثة وزراء هم حاملو حقائب الفلاحة والتنمية الريفية والبريد والشباب، قرّروا أن يشاركوا في الحملة الكبرى ويمدوها بكل الإمكانات الهامة، وأولها المليون فسيلة أو شجيرة، التي سترى أولى دقائق حياتها في غابات وصحراء الجزائر”.
خلف هذا التحدي، شاب في حيويته ونشاطه، وكهل في سنه، يدعى فؤاد معلى، عاش للشجرة ويبدو أنه بدأ يجني ثمارها أفكارا ومبادرا وتطبيقا، بدءا من يوم الأحد، كأول قطرة من الحلم الكبير إلى أن تتحقق الأمنية في جزائر خضراء “خضراء بإذن الله” أولا، وثانيا بلد نظيف “نقي وما ترميش”، يضرب به المثل في كل بلاد العالم.
الفكرة التي تبنتها حكومة بأكملها
لا أحد بما في ذلك السيد فؤاد معلى، تصوّر أن الفكرة التي عاشت في عقل وقلب فؤاد 12 سنة، ستتحول إلى تحد للشعب والسلطة معا، والمشروع ليس كلاما ولكنه عمل، فقد توفرت حاليا مليون شجيرة، وتضاف إليها بعض أشجار الخواص، الذين ضخوا ما اقتنوه للمشاركة في حملة المليون، وبعد ان كان فؤاد خائفا من عدم بلوغ مليون شجرة، تأكد بأن الرقم أكبر من ذلك بكثير وهو ما جعله يقول أمس الثلاثاء، بدأنا بالمليون وقد نرتقي إلى عشرة ملايين وربما مائة مليون.
وزراء الفلاحة والشباب والبريد، لم يتوقف تدعيمهم للمبادرة عند الكلام، بل سيتحركون فعليا رفقة قطاعات حكومية أخرى، حيث سيتوفر العتاد والنقل وكل ما يليق بتحدي المليون في أهم عملية تشجير من حيث النجاعة والاحترافية.
وقد بلغ التشوق لإنجاح العملية والمساهمة فيها أن حضر العديد من أبناء الجالية الجزائرية في أوروبا، من فرنسا وإيطاليا وانجلترا خصيصا لأجل غرس شجرة أو أكثر في هذا العيد الكبير.
يقول نور الدين سامعي، القادم من مدينة ليون الفرنسية، أنه تابع منذ سنوات نشاط فؤاد، وكان يتساءل دائما عن عدم دعمه من السلطات، ولكن بمجرد تحرك وزراء الحكومة الحالية، بعث فيه الأمل، وتمنى أن يكون في كل مجال أشباه فؤاد، تتحرك معهم السلطات ليعطونا خيرا كما هو الحال مع خيرات الأشجار، لأجل ذلك جاء نور الدين مع ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات لغرس شجيرات، وسيزورها في كل سنة سقيا وعناية.
موعد 25 أكتوبر سيشهد حضورا قويا من كل فئات المجتمع من نقابات وجمعيات تخص العدالة والتربية والتعليم وصناعيين من تجار العجلات المطاطية والخضر والفواكه والمصوغات الذهبية وغيرها.
وبين الحين والحين، تبرق تنسيقية من هناك، وجمعية من هنا، مع عناصرها، لأجل المشاركة في يوم الغرس الموعود، حتى متعاملي الهاتف النقال من موبليس وجيزي وأوريد سيكونون حاضرين بقوة، بدعم مادي ومعنوي وبشري، كما قال وزير البريد.
وفي المقابل، واصل فؤاد تقديم النصائح يوميا ليكون الغرس ناجحا، مقدما نصائح للمتطوعين في الصحراء وفي التلال والهضاب، وهو كيفية حفر ما لا يقل عن 60 سنتم وتحرير الشجيرة من حافظها البلاستيكي، ومنحها حوضا للتنفس وإروائها حتى تضع جذورها في التربة، كما قدّم لأهل الصحراء أنواعا من الأشجار الخضراء الصامدة في الجفاف، والتي بإمكانها أن تعيش ما بين ثلاث وأربع سنوات من دون ماء.
“جدتي”.. شجرة وأمل
على مشارف الخمسين من العمر، ما بلغ عشق الشجرة بفؤاد هذا المستوى الذي انتقل من الحلم إلى التطبيق، إلا لأن للغرس جذورا، تعود إلى أكثر من أربعين سنة. في بداية ثمانينيات القرن الماضي، كان فؤاد طفلا يعيش في عاصمة الاوراس باتنة، وكان والده الراحل أستاذا في التعليم المتوسط، يأخذه كلما خيمت نسمات الصيف الحارة، إلى مسقط رأسه، حيث جدة فؤاد من والده، في إحدى قرى تكوت، على مسافة تزيد بقليل عن تسعين كلم، كان الطفل فؤاد ينجذب بالفطرة إلى ما تقوم به جدته من غرس واهتمام بدواجنها وأرانبها ونباتاتها، يصارع فأسا كبيرا في محاولة لقلب التراب، ثم يقطف مع جدته حبات الطماطم والفلفل الحار والبصل، وأصبح والده الأستاذ، يجد صعوبة في إعادة ابنه إلى البيت بمدينة باتنة، مع اقتراب الدخول المدرسي.
ظل الصغير فؤاد في كل موسم دراسي يعدّ الأيام ويسارع الامتحانات، منتظرا العطلة، خاصة الصيفية، ليرتمي في حضن الطبيعة هناك عند جدته التي كانت تنصحه بالتفوق الدراسي والنجاح، وكان يسرق منها كيفية تعاملها مع الأرض، فعشق الطبيعة ونمت بأغصانها في قلبه الصغير، وكلما مرّ موضوع دراسي في الأدب أو العلوم أو الجغرافيا تعلق بالأشجار أو الغابة أو الطبيعة، كان يتشبث به وينجح في مسائله.
ومن غرائب فؤاد، أنه لم يدرس في قطاع الفلاحة مثلا، وإنما تحوّل إلى المعهد الوطني للمحروقات بمدينة بومرداس، بمجرد أن نال شهادة البكالوريا في إحدى ثانويات مدينة باتنة، والأغرب أيضا أنه في سنوات دراسته وقبل تخرجه في الدراسات العليا بمعهد المحروقات، كان يشتغل في تجارة قطع الغيار بسجل تجاري نظامي، في قلب بومرداس والعاصمة، كما تعلق بعالم الكرة وصار فريق “البوبية” الباتني يُعرفه على مختلف مدن الوطن، يتنقل معه حيثما يلعب، ولم تغب عن ذاكرته، عندما كان تلميذ متوسط، في سن الـ13 وتابع بلوغ فريقه المحبوب مولودية باتنة نهائي كأس الجزائر، ولعب النهائي في ملعب الخامس من جويلية بالجزائر العاصمة، ولكنه خسر بهدف واحد أمام فريق وفاق سطيف.
الكرة والدراسة الجامعية في المحروقات والتجارة في قطع الغيار، لم تنس فؤاد الشجرة والغابة، وكلما شاهد مساحة خضراء استبشر خيرا، وكلما شاهد منطقة قاحلة شعر بالأسى والحزن.
الصيف… الغول الذي يُرعب فؤاد
إذا كان حلول الصيف هو راحة بالنسبة لعامة الناس، فإنه في المقابل هو مبعث رعب بالنسبة لفؤاد. الحرائق المدمرة التي ضربت غابات جرجرة وخنشلة والطارف وسوق اهراس في السنوات الثلاث الأخيرة، كانت بالنسبة لفؤاد أيام حزن.. كان يذرف الدموع على مناطق تجول فيها سابقا، وشعر بحرية المكان والزمان، ليشاهدها بعد ذلك رمادا، فالصيف هاجس بالنسبة إليه، لو تمكن من اختصار الفصول لأسقط الصيف من مخيلته، لا يستطيع قراءة الصحف أو الاستماع إلى الإذاعة والتلفزيون في فصل الصيف، وفي شهري جويلية وأوت بالتحديد، خوفا من قراءة أو الاستماع إلى خبر يهزه عن حريق أتى على عشرات الهكتارات من غابة صنوبر أو أرز أو أي شجرة كانت.
يضع فؤاد يده على خده، ويمسح في كل صيف دمعته ليتحدى، ويزداد إصرارا على أن دواء الحريق هو مزيد من جرعات الغرس، في حرب غير منتهية ستكون فيها الغلبة للخضرة والحياة.
من عشرة آلاف شجرة في الحي الذي يقطن فيه إلى مئات الآلاف في الصحراء إلى الملايين في الغابات، الأرقام تتصاعد والأشجار تتكاثر وحتى عشاق الشجرة من جمعيات بيئة تزداد، ولا يرى فؤاد أي مشكل في ذلك، بل يتمنى أن يكون بدل فؤاد الكثير من الشباب متفوقون عليه في منح الأخضر لبلادنا الجنة، كما يصفها.
جمل بسيطة نمت في قلب فؤاد بدأها منذ 12 سنة، بـ”أمام كل بيت شجرة”، إلى أن تحولت إلى “خضراء بإذن الله”، حملته شملت في البداية قرابة الـ61 بلدية بولاية باتنة، بغرس 200 شجرة يوميا، وتشعبت الآن في مختلف ولايات الوطن.
كان فؤاد كلما وصل ولاية إلا واتصل بمراسل الشروق اليومي، ليس من أجل ان يغطي ما يقوم به من غرس، وإنما ليقوده إلى المناطق الجرداء وأيضا ليساهم معه في غرس الأشجار.
في باتنة مثلا صار الشباب يعرفون أنواعا عديدة من الأشجار، على غرار الأكاسيا والفلفل الأسود والغراكاندا والخرّوب، لا يعرفونها بالإسم والشكل فقط، وإنما بمكوناتها وحياتها وما تتطلبه لنموها السليم، بالرغم من أن فؤاد معلى يوضح للشروق اليومي، أنه يفضّل شخصيا شجرة الميليا، وهي شجرة برية سريعة النمو لسبب واحد هو سرعة نموها ومقاومتها للجفاف والظروف المناخية السائدة في أغلب ولايات البلاد في السنوات الأخيرة، التي تعاني من الجفاف.
حي “بوزوران” النموذج الأخضر
يعيش فؤاد مع أسرته الصغيرة محاطا بثلاثة أبناء، ولكن بمئات الأشجار، فحي بوزوران الذي كان يشبه الفيافي صار أخضر يسر الناظرين. المتجول في مدينة باتنة، لا بد وأن يلاحظ لمسات فؤاد. في حي الممرات مثلا تتعالى الأشجار مع إرادة أهل المدينة، حتى أنك إذا رأيت شيخا يتظلل في الصيف، تحت شجرة باسقة تخال من غرسها هو فؤاد معلي. في زمن كورونا، حيث الحجر الصحي، كان فؤاد يحمل شجرة ويدسها في التراب، ولم تكد الجائحة تسدل ستارها حتى كانت أشجار بوزوران قد نمت وأظلت سكان الحي وكامل مدينة باتنة بظلالها.
يشتري الشجيرات بأمواله الخاصة، ثم يجد من يتطوع بشجيرات أخرى، وتطورت الفكرة إلى أن أصبح هناك من يتطوعون بشاحنات وبصهاريج مياه السقي وآلات حفر ثقيلة.
لا يزعم فؤاد تمكنه من علم النباتات، ويعتبر نفسه طالبا يتعلم من يوم إلى آخر، ولا يريد أن يكون المبادر الوحيد أو الأحسن على المستوى الوطني، بل لا يريد غير أن يرى الأخضر أمام عينيه، سواء غرس عمرو أو زيد كما قال.. المهم ان تكون “خضراء بإذن الله”.
الناس صارت تتابع فؤاد في خرجاته فأحبت ما يقوم به، وأحبت الشجرة. وفي شهر ديسمبر من السنة الماضية عندما أصيب بوعكة صحية، رقد في المستشفى لبضعة أيام تلقى الزيارات وكان الناس يدعون له بالشفاء مع غرس الأشجار.
على بعد ثلاثة أيام فقط من العيد الذي تنتظره الجزائر في رحلتها الخضراء، تقدم مزيد من المنظمات والجمعيات في كامل أنحاء الوطن اعتمادها المعنوي، لأن تكون ضمن الفريق الكبير أو الشعب في الغابات والفيافي.
ومن جميل الأقدار أن مصالح الأرصاد الجوية استشرفت ليوم السبت القادم 25 أكتوبر، جوا مشمسا، بكامل أنحاء الوطن، سيمنح الراحة للمتطوعين الغارسين، في أرضية تلقت كمية من مياه الأمطار خلال شهري سبتمبر وكتوبر الحالي، لتتهاطل الأمطار حسب نشريات الأرصاد الجوي، يوم الأحد 26 أكتوبر في جو ملائم جدا من غرس وسقي في اليوم الموالي من الأمطار في غالبية المناطق الشمالية.
وعبر الشروق اليومي، أوصى فؤاد بالاطلاع على صفحته، حيث سيقدم الأماكن التي سيتم الغرس فيها في مختلف الولايات، أمام الهيئة التي تشرف على الغرس المنظم، فهي مديرية الغابات لكل ولاية، كما قال أن ساعة البداية ستكون بين الثامنة والتاسعة حسب الولايات من يوم السبت القادم، مع الإشارة إلى أن الغرس سيكون في الصحراء والغابات، أما بقية المناطق فالأنسب لها هو غرس شهر مارس في الربيع، كما قال السيد فؤاد معلى.