-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل كان الإعلام الغربي موضوعيا في تغطيته لعملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من أحداث؟

حاوره : ماجيد صرّاح
  • 629
  • 1
هل كان الإعلام الغربي موضوعيا في تغطيته لعملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من أحداث؟
الأناضول
صورة من الأرشيف

منذ إطلاق حركة “حماس” لعملية “طوفان الأقصى” يوم 7 أكتوبر، عادت القضيّة الفلسطينية للواجهة في الإعلام العالمي. لكنّ هذا مع تحيّز ملحوظ للإعلام الغربي نحو الرواية الإسرائيلية، وهذا ما يظهر في المصطلحات المستعملة كتسمية حركة “حماس” بالإرهابية، تغييب الضحايا الفلسطينيين جراء القصف على قطاع غزة والحصار الذي تصفه منظّمات أممية بجريمة الحرب، بل حتى أحيانا نشر معلومات مغلوطة كاّتهام وسائل إعلامية لحركة “حماس” بقطع رؤوس نساء وأطفال.

في هذا الحوار مع “الشروق أونلاين”، شريف دريس، أستاذ العلوم السّياسية بالمدرسة العليا للصّحافة و علوم الإعلام، والمسؤول عن تخصّص جيوسياسية وسائل الإعلام بذات المدرسة، يشرح هذا التحيّز للإعلام الغربي في تغطيته لهذه الأحداث.

الشروق أونلاين : بداية، كيف تنظرون إلى تغطية كبريات المؤسّسات الإعلامية الغربية لعملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من أحداث ؟

شريف دريس : صحيح الآن ومند بداية عملية “طوفان الأقصى” اهتمّ الإعلام العالمي الغربي على وجه الخصوص بهذه الأحداث، حيث ركّز عليها كثيرا وهذا يدل على عودة القضيّة الفلسطينية إلى الأجندات الإعلامية بعد أن كانت قضيّة هامشية منذ سنوات، لاسيما بعد الغزو الرّوسي لأوكرانيا أوالحرب الأوكرانية الرّوسية. الآن استعادت القضية الفلسطينية طابعها المحوري، لكن ما يمكن قوله عن هذه التغطية الإعلامية أنّ هناك اتجاها بارزا ألا وهو محاولة إظهار الطرف الصهيوني على أنّه الضحية، والطرف الفلسطيني على أنّه المعتدي. وهذا يبدو جليّا من خلال العناوين، ترتيب الأولويات، الأطر وزوايا المعالجة، وأيضا العبارات والمفردات المستخدمة، من منظور أنّ الطّرف الإسرائيلي له الحقّ في الدّفاع عن نفسه وهذا عبارة عن ردة فعل وأن إسرائيل تحظّر لعملية عسكرية، في حين عندما تتحدث بعض الوسائل الإعلامية الكبرى العالمية عمّا قامت به كتائب عز الدين القسام تصوّره على أنّه عمل إرهابي، عمل عسكري غير قانوني وغير شرعي. خلاصة القول هي أنّنا أمام ما يسمّى سردية غربية تحاول أن تقلب المعادلة، بمعنى تشرعن ردّ الفعل الإسرائيلي وتفكّ الشّرعية عمّا قامت به كتائب عزّ الدّين القسّام.

كيف يمكن لتركيز الإعلام الغربي على هجومات كتائب عزّ الدّين القسّام التي يصفها بالإرهاب وتجاهل القصف الذي تقوم به قوّات الإحتلال على غزّة والحصار الذي تفرضه على القطاع والذي تقول أنه “دفاع عن النفس” حين تذكره إضافة لتجاهل جذور الصّراع وأسبابه، أن يؤثّر على الرّأي العام الغربي ؟

ممّا لا شك فيه أنّ من بين الأهداف التي يريد الإعلام الغربي تحقيقها من خلال تغطياته هو خلق نوع من الرّأي العام المتعاطف مع الطّرف الإسرائيلي، لكن ما يلاحظ هو أنّ الإعلام الغربي اعتمد كثيرا في بناء رواياته على المصادر الإسرائيلية، ونسوق كمثال المصيدة التي وقع فيها الرّئيس الأمريكي جو بايدن عندما تحدّث عن أطفال ونساء قطّعت رؤوسهم من قبل عناصر كتائب عزّ الدّين القسّام، واتّضح فيما بعد أن هذه عبارة عن أخبار كاذبة ومغلوطة سوّق لها الطّرف الإسرائيلي. فالطّرف الإسرائيلي من خلال تحكمه في مصادر المعلومة يريد أن يوجّه الإعلام الغربي نحو الإتجاه الذي يريده، وهذا لخلق نوع من الإرتباك لدى الرّأي العام الغربي. وقد لاحظنا في السّنوات الأخيرة تزايد تعاطف الرّأي العام الغربي مع القضيّة الفلسطينية، وبعد الحجر الإعلامي الذي فرض على قطاع غزّة، بدأت بعض الأصوات في الغرب، وحتّى داخل إسرائيل، تندد بالسياسة الإستيطانية والسّياسة القمعية التي يفرضها الكيان الإسرائيلي، وبعض الأصوات تنادي بكشف الحقيقة، لأن ما يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزّة هو جحيم على الأرض، وذهب البعض حتّى لوصف غزّة بأنها سجن مفتوح، فبعض السّياسيين الغربيّين، بعض صناع الرأي، بعض المثقفين، وبعض الفنانين لا يتردّدون في التّنديد بما يحدث للفلسطينيين، زيادة على أنّه حتّى في إسرائيل هناك  بعض الأصوات تندد بسياسات الحكومات الإسرائيلية. فالحكومة الإسرائيلية حاليا تواجه نوعين من الضغط : ضغط خارجي، لأن الرّأي العام الغربي بدأ يدري ويقتنع بحقيقة ما يحدث مع الفلسطينيين في غزّة، وبحقيقة الظّلم وبشاعة الإحتلال الذي يفرضه الطّرف الإسرائيلي، زيادة على أنّ الحكومة اليمينية داخل إسرائيل تعاني من أزمة سياسية وتواجه ضغطا رهيبا، لا سيما بعد محاولة فرض الإصلاحات القضائيّة. فالإعلام الغربي وتحت التأثير الإسرائيلي من مصلحته أن يقلب المعادلة، بمعنى أن يقلّص من دائرة تعاطف الرّأي العام الغربي مع الفلسطينيين ويوسع دائرة التعاطف مع الإسرائيليين، خاصّة أن الرّواية الإسرائيلية تحاول أن تصوّر ما تقوم به حماس عملا إرهابيا و تربط بين ما تقوم به حماس وما كانت تقوم به داعش. وهذا مردّه خلق تعاطف عالمي، يعني نفس الإستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتّحدة في 2001، بمعنى أنّ الأمريكيين كان لهم “11 سبتمبر” والآن الإسرائيليون يجب أن يكون لهم “11 سبتمبر” الخاصّ بهم، ولتصوير أن ما يقم به الإسرائيليون هو صراع ضدّ الإرهاب والهمجية، وأن هذا يهم كلّ العالم الغربي. هذه هي الرّواية التي تريد إسرائيل أن تقترحها وتوجّه إليها الإعلام الغربي.

وهل يمكن أن يتجاوز تأثير هذه الرّواية التي يسوق لها الاعلام الغربي، الرّأي العام إلى السّياسات الدّولية تجاه هذا الصّراع؟

أعتقد أنّه من السّابق لأوانه معرفة ما إن كان لهذا التركيز الغربي أن يؤثر على السياسات الدّولية وخاصة على المؤسّسات الدولية، لكن ما نلاحظه هو ربما وجود محاولات لبناء سرديّة إسرائيليّة غربيّة لنزع كل مصداقية وشرعية عمّا يقوم به الفلسطينيون، لكن ما يلاحظ هو أنه حتّى الحكومات الغربية تواجه تأثيرا وضغوطا من الرأي العام الغربي، بدليل أنّ المفوضية الأوربية كانت بصدد إصدار قرار تعليق المساعدات الإنسانية لغزّة، لكن بعض الحكومات الأوروبية على غرار إيرلندا، بلجيكا، فرنسا وإسبانيا عارضت هذا القرار. معارضة أعتقد أنها جاءت خوفا من الضّغط المتزايد من تأثير انعكاسات قطع هذه المساعدات الإنسانية، وهي انعكاسات كارثية ممّا قد يتسبّب في تزايد ضغط الرّأي العام الأوروبي على حكومات هذه الدّول. في اعتقادي هناك اتّجاه للإعلام الغربي نحو توجيه الرّأي العام نحو سردية واحدة ورواية واحدة وهي الرّواية التي يسوّق لها الكيان الصّهيوني، لكن هناك بعض المحاولات، وإن كانت لحدّ الآن هامشية لنوع ما، تحاول أن تتصدّى لهذه الرّواية لاسيما أن بعض الدول الغربية عرفت مظاهرات تندّد بالسّياسة الهمجية والقمع والعنف الذي تمارسه القوّات الإسرائيلية.

هل تطرّق الباحثون في الإعلام إلى نزاعات سابقة لم يكن الإعلام موضوعيا في تغطيتها وكان لتلك التغطية تأثير على ذلك النزاع؟

نعم، تغطية النّزاعات والحروب لطالما كانت محل اهتمام الباحثين في علوم الاجتماع لاسيما الباحثين في علوم الإعلام والباحثين في العلوم السياسية. وهناك الكثير من النزاعات، سواء تعلّق الأمر بالقضية الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وحتى الثمانينات وأيضا في بداية الألفية، كذلك نزاعات وحروب على غرار الغزو الأمريكي للعراق في 2003، أحداث غزّة كما قلنا، الحرب في أوكرانيا، فهناك دراسات وأبحاث حاولت أن تعالج ما يسمّى بالتعاطي الإعلامي من هذه الزّوايا وخاصّة انحياز بعض وسائل الإعلام لسردية معينة. بمعنى أنّ الإشكاليات التي طرحت هي : ما مدى قدرة الأجندة الإعلامية للاستقلال عن الأجندة السياسية ؟ بمعنى آخر كيف يمكن للخطاب الإعلامي أن ينأى بنفسه عن الخطاب السّياسي في حالة النّزاعات والأزمات السياسية، وهذه من بين الإشكالات التي طرحت، وخلصت الكثير من الدّراسات إلى انحياز بعض وسائل الإعلام للخطاب السّياسي وكيف أنّ بعض الأجندات السّياسية حاولت أو جنّدت بعض وسائل الإعلام لشرعنة سياساتها وقراراتها، وهذا فيما يتعلّق بغزو بعض الدّول أو التدخّل العسكري في بعض الدّول.

ما الذي يمكنه أن يدفع مؤسّسات إعلامية معروفة بالمهنية، بوضع تلك المهنية والموضوعية جانبا والإنحياز لأحد أطراف النزاع ؟

غياب المهنية عند بعض المؤسّسات الإعلامية قد يفسّر بعدة عوامل. العامل الأول هو بنية هذه المؤسسات الإعلامية خاصّة من حيث رأس مالها وقانونها، فالآن هذه المؤسّسات تقع تحت هيمنة شركات مالية عالمية. وهيمنة الرّأس مال العالمي على الإقتصاد الحقيقي بما فيه على الصّناعات الثّقافية والصّناعات الإعلامية يفسر غياب المهنية وانحياز بعض وسائل الإعلام لطرف على حساب طرف آخر، فبعض الشّركات الكبرى الإعلامية أو المجمّعات الإعلامية العالمية هي ملك لبعض البنوك والشّركات المالية، فهذه الشّركات المالية لها امتدادات مع ما يسمّى اللوبي الصهيوني واللّوبي العسكري الصناعي، خاصّة في أوروبا وأمريكا الشّمالية. فهذا اللّوبي وهذه الشّركات منحازة نوعا ما ولها تعاطف مع الكيان الإسرائيلي، وفي بعض الأحيان مالكو هذه الشركات هم من أصل يهودي ولهم توجّه إسرائيلي صهيوني، وبالتّالي فهم يؤيدون ويدافعون عمّا يسمّى “حق إسرائيل في الدفاع” و”حق إسرائيل في الوجود”. فهذا الإنحياز مردّه، من وجهة نظري، هيمنة هذه الوسائل الإعلامية والتي هي تحت سيطرة بعض الشّركات المالية وبعض رجال المال ذووا الأصل اليهودي والذين لهم تعاطف مع الكيان الصهيوني ويؤيدون السّياسة الإستيطانية الإسرائيلية.

حسب رأيك، هل سيزيد هذا النزاع من توسّع الهوّة أكثر بين الغرب وغيره من دول العالم، خصوصا دول  العالمين العربي والإسلامي ؟

الهوّة بين الغرب وغيره قد تتسع بسبب هذا الصّراع في حالة ما إذا واصلت الحكومات الغربية في الدّفاع عن السياسة الإسرائيلية لاسيما إذا ما أقدمت إسرائيل على تنفيذ تهديداتها بالغزو البرّي، ومحاولة القضاء على حركة المقاومة الإسلامية وما سيخلّفه ذلك من خسائر مادّية وبشرية، وممّا لا شكّ فيه هو أنّ التّموقع المطلق لصالح السّياسة الإسرائيلية قذ يزيد الهوّة بين الغرب وغيره، بل حتّى بعض الحكومات قد تزداد عزلنها داخليّا بسبب تزايد ضغط الرّأي العام الدّاخلي.

كمستهلكين لما ينتجه الإعلام الغربي، كيف يمكننا أن نحمي أنفسنا من الوقوع ضحيّة تحيّز هذا الإعلام، ما يجعلنا ننظر للجلّاد على أنّه هو الضّحية؟

هناك مخاوف من وقوع المواطن في العالم العربي الإسلامي ضحيّة لهذا التعاطي الإعلامي والرّواية والسّردية الغربية، فالتأثّر بما ينشر من محتوبات مكتوبة، مرئية، ومسموعة أمر غير مستبعد، ويبقى الآن أنّه من بين السّبل التي يمكن أن تقي المواطن العربي، مستقبل هذه المحتويات، هو أن تنتهج الحكومات والدّول العربية سياسات إعلامية قوامها أوّلا الاستثمار في البنى التحتية، خاصّة من أقمار صناعية وقنوات وآليات للبث الإذاعي والتلفزيوني وما إلى ذلك، الاستثمار في الإعلام الإلكتروني، الإستثمار في التكنولوجيات الحديثة. هذا من الجانب التقني. ومن الجانب الثّاني، الذي هو إنتاج محتويات مغايرة وتقي المواطن العربي من مخاطر بعض المحتويات الغربية المنحازة، فهذا يقوم على الإستثمار والتّواجد فيما يسمّى بسوق الأخبار العالمية. فنحن الآن أمام سوق لما ينتج من الأخبار على مستوى العالم، يعني الاستثمار والتواجد في مصادر المعلومة ومصادر الخبر. ثانيا التكوين، أي تكوين الصّحفيين المحترفين. ثالثا التكوين فيما يسمى بالتّربية لوسائل الإعلام، يعني توعية المواطنين. رابعا وأخيرا، في اعتقادي، وهو نقطة فتح الفضاءات والمنابر الإعلامية للكلمة الحرّة، لأن التضييق الإعلامي في بعض الدول العربية، وانتهاج سياسات أو تشريعات إعلامية تحدّ من عمل الصّحفي ووصوله إلى المعلومة، وتفرض عليه نوعا من الرّقابة أو أنه يفرض على نفسه رقابة ذاتية، فلا أعتقد أنّ هذا يخدم مصلحة المواطن الذي يستقبل الرسالة في العالم العربي الإسلامي. فالحجر على الكلمة الحرّة وحريّة التّعبير من شأنه أن يجعل المواطن البسيط ينتقل إلى القنوات الغربية ويعتبرها كبديل عمّا ينتج ويذاع وينشر في العالم العربي، والاستراتيجيات الإعلامية التي تنتهج من قبل بعض الدّول العربية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ضمان حرية الصحافة، حرية الصحفي أن ينقل الخبر، بشريطة أن يتقيد بأدبيّات وأخلاقيات المهنة، ثم حريّة المواطن أن ينقل إليه الخبر وأن يطلع على ما يحدث، وفي اعتقادي هذه من بين الشروط والعوامل التي تجعلنا، إن لم نتمكّن من التحرّر كلية من هذه الرّوايات الغربية، على الأقل تجعلنا نقلّل من تداعياتها السّلبية على المواطن العربي والإسلامي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • Lynda CHEMLI

    J'apprécie vraiment la manière dont ce journaliste écrit, son style est à la fois captivant et informatif. Les sujets qu'il choisis sont toujours intéressants, pertinents et d'actualité. Ton travail en tant que journaliste est véritablement ! inspirant Madjid SERRAH. Keep going