آباء يقاطعون بناتهم مدى الحياة
يختلف عقاب الأولياء لبناتهم عن أخطاء ارتكبنها في مرحلة ما، خاصة في فترة المراهقة.. لكن أقسى هذه العقوبات، بحسب مختصين، هي المقاطعة، والامتناع عن معاملة البنت بطيبة، ومنحها الاهتمام الذي تحتاجه كأنثى. فقط، لأنها أخطأت، أو تصرفت بطيش.
تفكك أسري وروابط نبيلة في مهب الريح
يشكل الوالد بالنسبة إلى ابنته السند ومصدر الحماية والأمان. فغالبية الفتيات يشعرن بالحفظ ما دام في حياتهن أب. هذه هي القاعدة الطبيعية. أما ما دون ذلك من الآباء، فالعكس تماما. فقد يكسر تعنته وتشدده تجاه غلطات ابنته أواصر المحبة، وأمتن الروابط داخل الأسرة. تقول ناريمان، 31 سنة: “.. كان أبي شخصا متشددا نوعا ما. يرفض اللقاءات قبل الزفاف. ومع هذا، كنت ألتقي خطيبي، الذي يربطني به عقد شرعي، لشراء بعض المستلزمات لي ولبيتنا. وحدث أن التقيت بوالدي صدفة في محل صديقه لبيع الأحذية النسائية. وعندما عدت إلى البيت، كنت على يقين من كونه سيوقف زواجنا.. غير أن الأسوأ قد حصل، لقد عجل أبي بزفافنا، وظل منذ ذلك الحين مقاطعا لي ولزوجي، لا يكلمنا ولا يزورنا في بيتنا منذ سنتين تقريبا..”. عقب هذه التصرفات، التي يقوم بها والدها، تغيرت حتى معاملة زوجها لها، فقد أصبح يقلل من احترامها أحيانا، ولا يمنحها حقوقها كاملة، لأنه يعلم أنه لا أحد يسند ظهرها، أو يضمن كرامتها.
عقد نفسية وتبعات اجتماعية خطيرة
ككل الظواهر الاجتماعية السلبية، تجر مقاطعة الآباء لبناتهن، على وجه الخصوص، العديد من الكوارث غير المحسوبة، التي تتجلى في بنية المجتمع، أو حتى على الحياة الخاصة للفتيات. تروي السيدة شريفة، من تيزي وزو، كيف أن لها ثلاث فتيات، لا واحدة منهن يكلمها والدها، أو يعاملها كابنة، منذ سنوات.. وهذا، ما انعكس على شخصيتهن، وشكل لهن عقدا نفسية عميقة. ذلك أن والدهن يكره البنات، وكان في كل ولادة إحداهن يرغب في طفل. تقول شريفة: ابنتي الكبرى رفضت ترك دراستها الثانوية، للمكوث عند جدتها المريضة وخدمتها. فقاطعها والدها منذ أكثر من ثماني سنوات، ووصفها بالبنت العاقة. أما الصغرى، فهو لا يكلمها بتاتا، لأنها في يوم من الأيام ذهبت مع زملائها ومعلميها في المدرسة لإجراء مسابقة بين المتوسطات في ولاية أخرى. ولسوء الحظ، كان يوما ممطرا، وتأخرت في العودة، فعنفها ضربا وشتما.. وهو لا يرغب في لقائهن عند دخوله المنزل، بمن فيهن أختهما الثالثة..”. تضيف السيدة شريفة أن زوجها متملص من جميع مسؤولياته تجاه بناته الثلاث: “.. إنهن يعملن أشغالا يدوية وحرفا، ويبعنها إلى الجارات والصديقات، حتى يتمكنّ من شراء ملابس وحاجيات خاصة”. ومثل هذه الحالات كثيرة في المجتمع الجزائري، بحسب الأخصائية، الباحثة الاجتماعية، عليم رونق، التي تؤكد روايات السيدة شريفة، بأن ابنتها الكبرى ترفض الزواج، لأنها كرهت الرجال من شخص أبيها، وهي تعتقد أن بداخل كل زوج الكثير من التسلط والعدائية تجاه الأنثى. وهذا ما نشاهد تبعاته الخطيرة على تركيبة المجتمع الجزائري. تقول الأستاذة رونق عليم: “… المقاطعة بين الأب وأبنائه من أشد أنواع العنف المعنوي، الممارس بكثرة داخل العائلة. وهناك نوعان من رد الفعل الذي تقبل عليه البنات في هذه الحالات: إما أنها، كما سبق أن أشرنا، تكره جنس الرجال وترفض الارتباط، وتتكون لديها نزعة عدائية تجاه نظيرها، إما أن تلجأ إلى البحث عن الاهتمام والاحتواء من رجال غرباء في الشارع.. وهو الخطأ الأكثر شيوعا في مجتمعنا الجزائري. فيجب على الأولياء الانتباه إلى الأمر، خاصة في فترة المراهقة، لأنه يخلف الكثير من المآسي غير المحسوبة”.