الرأي

آخر الدواء الكيّ!

جمال لعلامي
  • 3783
  • 0

تنامي ظاهرة استهداف الأطفال بالاختطاف والاغتصاب والتعذيب والقتل، تستدعي وقفة شجعان واستفاقة ضمير، وتستدعي أيضا قرارات جريئة، وتستدعي أيضا وضع اليد على الجراح دون نبشها، وإن اقتضى الأمر، فإن آخر الدواء الكيّ!

إن القضية هي قضية أخلاق وتربية، فالمجتمع الجزائري لم يعد ذلك المجتمع الذي كانت تخرج فيه المرأة من بيتها، فتجد كلّ الرجال في حمايتها، فكان المجتمع محميا بالدين ومكارم الأخلاق، وبالقانون الصارم كذلك!

لم يعد الرجال في مأمن، وهم داخل بيوتهم، فما بالك بالحديث عن النساء والأطفال، ممّن استباح عرضهم صعاليك وقطـّاع طرق، استباحوا شرف وكرامة الجزائريين وضربوا فحولتهم في الصميم!

البعض يُطالب بالقصاص، والبعض الآخر يُنادي بإعادة تنفيذ أحكام الإعدام، وآخرون يرغبون في إعادة تشغيل مقصلة “الخروبة” كأحسن وسيلة لردع الجرائم المستفحلة، وتأديب المجرمين وتخوين “مشاريع” الإجرام في الجزائر!

عندما تتطوّر الجريمة إلى حدّ قتل الأطفال وتلاميذ المدارس والتنكيل بالبراءة، فمن الضروري دقّ ناقوس الخطر، والانتفاضة جماعيا، لقطع دابر الإجرام، الذي يكاد يتحوّل- والعياذ بالله- إلى ماركة “مايد إن ألجيريا”!

هل هذه صفات الجزائريين؟ وماذا أصابنا يا جماعة الخير، حتى تتحوّل الجريمة والخوف إلى جزء من يومياتنا؟ ومن يتحمّل مسؤولية الرعب الذي أصبح رفيقا وصديقا لنا حيثما رحلنا وارتحلنا وصُلنا وجُلنا؟

إيه.. على الزمن الجميل، حيث كان الجزائريون يبيتون آمنين سالمين، وأبواب ديارهم مفتوحة، دون أن يجرأ أو يتجرّأ أيّ كان على اقتحامها أو مدّ يده إلى قطعة من قطع البيت، فما بالك بقاطنيه من الرجال والنساء والأطفال؟

اليوم، أصبح كلّ مواطن يفكـّر في تسييج منزله بالحديد والجدران وتعداد الأبواب، حتى يسلم من اعتداء محتمل، وإذا استمرّ الحال على ما هو عليه، فلا غرابة أن يلجأ البعض إلى تلغيم محيط بيته، وارتداء أحزمة ناسفة لتخويف المجرمين واتـّقاء شرّهم!

قديما قالوا: “الهنا غلب الغنى”، لكن عوامل متعددة اجتمعت ونجحت في تسلّل الرعب إلى قلوب الآمنين، فأصبح الجزائري يخاف على حياته وأبنائه وممتلكاته، أكثر ممّا يفكـّر في لقمة عيشه ومنصب عمله. فاللهمّ لا نسألك ردّ القضاء وإنـّما نسألك اللطف فيه!

من الطبيعي أن تستفحل الجريمة، ويتحوّل المجرم إلى “بطل” يتبختر ذات اليمين وذات الشمال، في الشوارع والمقاهي والطرقات، طالما أن المجتمع بكلّ فئاته استسلم له، وأصبح يتعامل معه وفق نظرية: “ابعد عن الشرّ وغنـّيلو!”

المصيبة، أن الظروف القاهرة، حتـّمت على الجزائريين “التعايش السلمي” مع الجريمة، عوض الانخراط الجماعي في محاربتها واجتثاث أسبابها بالحلول الواقعية، وبالتشخيص الدقيق لأعراض هذا المرض الخطير الذي يمزق الجسم الجزائري!

لم يعد المسجد والمدرسة و”الجماعة” والعائلة، مصدرا لتحقيق الأمن والأمان وسط المجتمع، وإنـّما أصبحوا أصواتا ناشزة لا يسمعها إلاّ أصحابها. وهذه هي الطامة الكبرى! الجميع خضع للعقيدة الإجرامية التي أصبحت مفروضة على المجتمع فرضا، وأصبحت “أنسنة” السجون والعفو عن المجرمين في الأعياد، مكسبا لهم، بدل أن يوقظ ضمائرهم ويدفعهم إلى التوبة!

مقالات ذات صلة