الشروق العربي
نساء جيل ما بعد الاستقلال

آخر ما يربط المرأة الجزائرية بالتراث والتقاليد

نسيبة علال
  • 1515
  • 0

تعيش المرأة الجزائرية، اليوم، صراعا مريرا، بين هويتها العريقة التي اجتهدت نساء ما بعد الاستقلال في ترسيخها عبر عادات وتقاليد متوارثة، وما تصبه العصرنة من تغييرات عبر مختلف المنافذ المفتوحة على مصراعيها، كوسائل الإعلام والإنترنت.

عندما انتبه المجتمع الجزائري إلى كم العادات الجديدة، والتقاليد المستنسخة، ومدى الانحراف الذي بلغه تراثنا العريق، كان من البديهي تسليط الضوء على هوية المرأة الجزائرية، باعتبارها المدرسة التي تخرج الأجيال، وكيف لم يعد يربطها بالجيل القديم من الجدات والأمهات سوى النسب.. فقد اختلفت عنها في كل شيء، وصار من الصعب، أو لنقل من المستحيل، مقابلة نسخة جديدة عنها.

الجزائريات يفقدن الحديث وآدابه

الحياة العصرية، جعلت المرأة تمارس حقها في التعليم والتكوين، وتقتحم مجالات عمل متنوعة. وخلال هذه الرحلة التي قد تبعدها عن محيطها الضيق، تحتك بفئات اجتماعية مختلفة، وبثقافات كثيرة، وتضطر إلى التعامل مع الجنس الآخر.. وفي خضم هذا، يكون على المرأة استعمال أساليب تواصل عديدة ولغة مغايرة، قد تختلف عن تلك التي تعلمتها من والدتها وجدتها، ونساء تجد اليوم أنهن بتن يختلفن عنها في كل شيء. تقول الخبيرة الاجتماعية كريمة رويبي: “إذا حللنا لغة المرأة الجزائرية اليوم، وجدناها بعيدة كل البعد عن النعومة والأنوثة التي كانت تتحدث بها السابقات، فقد اضطرت المرأة اليوم إلى أن تحدث أصناف البشر المتنوعة في حياتها المهنية والخاصة، كل بأسلوبه وبما يفهمه، ففقدت تدريجيا عباراتها الظريفة اللطيفة، وهدوءها ورزانتها في الحديث، بفعل التأثيرات التي تعيش تحتها”.

حتى المظهر مختلف !

أناقة جيل الاستقلال يطمسها الانفتاح والعصرنة

سعي المرأة العصرية إلى جعل أناقتها تتماشى مع صيحات الموضة العالمية، أثر بشكل مباشر على هوية اللباس التقليدي الجزائري،

المخصص للمناسبات أو حتى النسق اليومي، الذي تعتمده في المنزل أو خارجه، فتم تدريجيا استبدال الجبة بالبيجامة، والحايك أو الألبسة الفضفاضة كسروال مدور، بالقطع الضيقة والمكشوفة. وباعتبار هذا حرية شخصية، تخضع أزياء جزائرية كثيرة لتغييرات من قبل مصممين، ونزولا عند طلب الزبونات، جعلت من الكراكو يبدو بدلة مطرزة بلا هوية واضحة، والقفطان يبدو كفساتين السهرة المرصعة بأشكال وخطوط لا اتجاه لها.. وما حصل من تغير في اللبس لم يستثن بعض الجدات والأمهات، اللاتي بدأن يجدن في لبس الحايك وتغطية معالم الوجه بـ “العجار” تخلفا أو ربما فتنة وجلبا للأنظار ولفتا للانتباه أكثر، فيما تظل قلة قليلة من نساء الزمن الجميل، برغم كبر سنهن ومرورهن بكل ما حصل ويحصل من تغييرات وتشويه للتراث، متمسكات بشدة بالهوية الأصيلة، يذدن عنها، فيلبسن الكراكو بسرواله الأصلي، الشلقة أو المدور، ويفضلن قفطان القاضي على أي نموذج مستنسخ للقفطان، وفي مناطق كثيرة من الوطن، لا تخجل نساء ما بعد الاستقلال بالوشم الأمازيغي على وجوههن، إلا من كونه محرما، يتجملن بالكحل الطبيعي، وتتفوق النظافة والتعطير على المكياج في روتينهن.

المطبخ الجزائري في خطر بعدهن

المرأة التي كانت تطبخ بأقل الإمكانيات الموسمية المتاحة، أطباقا مغذية شهية، تكاد اليوم تضع مشعلها مستسلمة، وتغادر المطبخ الذي تفوح منه رائحة الدهون، فلم تعد نساء الزمن الجميل من جدات وأمهات قادرات على كبح غزو الأطباق الدخيلة، غير الصحية، ولا على وضع حد لكل تلك المكونات المعلبة، بعضها تحضيرات، ونكهات اصطناعية، وأخرى سموم ومواد مسرطنة لا قيمة غذائية لها، وما يخيف الجدات اليوم، أن كل هذه المنتجات التي تدخل قدر العائلات الجزائرية كإضافات لأطباق، بعضها تقليدي يدخل في تراثنا، لم تترك طبقا إلا وغيرت طريقة طهيه وشكله وطعمه.

مقالات ذات صلة