الرأي

آليات دخول الجامعات الجزائرية إلى التصنيفات العالمية: تصنيف QS نموذجًا

د. عمر العربي/ جامعة بشار
  • 115
  • 0

لم يعد الحديث عن حضور الجامعة الجزائرية في التصنيفات الدولية مجرد حلم مؤجل أو شعار احتفالي يرفع في المناسبات، بل صار واقعًا أوليًا بدأ يتشكل على الأرض مع دخول جامعات جزائرية مؤخرًا إلى تصنيف QS العالمي حسب التخصصات. وهذا التطور، على أهميته الرمزية والمعنوية، يطرح سؤالًا أكبر من مجرد الاحتفاء بالإنجاز: هل نحن أمام بداية تحول حقيقي يضع الجامعة الجزائرية على طريق التموقع الدولي، أم أننا ما زلنا في حدود الظهور الجزئي الذي يحتاج إلى رؤية أعمق حتى يتحول إلى صعود مستدام؟ من هنا تنبع الإشكالية الأساسية: كيف يمكن للجامعات الجزائرية أن تنتقل من تسجيل حضور أولي في التصنيفات العالمية إلى بناء مكانة مستقرة وتنافسية داخلها، وما الذي يجعل تصنيف QS مدخلًا مناسبًا لفهم هذا المسار ورسم خارطة طريق قابلة للتنفيذ على المدى القريب والبعيد؟
دخلت الجامعة الجزائرية في الأشهر الأخيرة مرحلة تستحق التفاؤل؛ إذ أُعلن رسميًا عن تمكن جامعات جزائرية، لأول مرة، من الظهور في تصنيف QS العالمي حسب التخصصات لسنة 2026. ويعود هذا التصنيف إلى مؤسسة QS، وهو اختصار لـ Quacquarelli Symonds، وهي مؤسسة بريطانية مستقلة متخصصة في تصنيفات التعليم العالي عالميًا ومقرها لندن. وفي هذا السياق، برز حضور جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا في ثلاث تخصصات استراتيجية، فيما تمكنت جامعة جيلالي ليابس من التموقع ضمن قائمة أفضل 450 جامعة عالميًا في أحد التخصصات المصنفة. ولا يقتصر هذا التطور على كونه خبرًا جديرًا بالاحتفاء، بل يمثل مؤشرًا عمليًا على أن الجامعة الجزائرية بدأت تشق لنفسها طريقًا إلى الخريطة الأكاديمية الدولية من بوابة التميز التخصصي.
غير أن هذا التقدم يطرح إشكالية جوهرية: كيف ننتقل من الظهور الرمزي أو الجزئي في التصنيفات إلى حضور مؤسسي مستدام وقابل للتوسع؟ فالتصنيف العالمي ليس مكافأة تمنح مرة واحدة، بل هو نتيجة منظومة كاملة من الحوكمة والجودة والبحث والسمعة الدولية والتشبيك مع الصناعة واستقطاب الكفاءات. ومن ثم فالسؤال الحقيقي ليس: كيف ندخل التصنيف فقط؟ بل: كيف نبني جامعة جزائرية قابلة للتصنيف، ثم قابلة للصعود فيه بصورة مستقرة؟ وهذا السؤال يكتسب أهميته لأن QS نفسه يؤكد أن التصنيفات ليست حكمًا نهائيًا على جودة الجامعة، بل أداة مقارنة مبنية على مؤشرات محددة، وأن عدم الظهور في تصنيف ما لا يعني بالضرورة ضعف المؤسسة، بل قد يعني فقط أنها لا تحقق بعدُ شروط الظهور في مؤشرات ذلك التصنيف بعينه.
خريطة التصنيفات العالمية الكبرى
عند النظر إلى خريطة التصنيفات الجامعية الأكثر حضورًا على المستوى الدولي اليوم، تبرز ثلاثة مراجع كبرى هي: Times Higher Education World University Rankings (تصنيف التايمز للتعليم العالي)، وAcademic Ranking of World Universities (التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم، المعروف بتصنيف شنغهاي)، وQS World University Rankings (تصنيف كيو إس العالمي للجامعات). وتُعد هذه التصنيفات من أشهر المراجع العالمية في تقييم الجامعات، غير أن كل واحد منها ينطلق من فلسفة مختلفة ويقيس جانبًا محددًا من الأداء الجامعي. يركز تصنيف التايمز أساسًا على الجامعات البحثية، ويعتمد في نسخته العالمية الحالية على ثمانية عشر مؤشرًا موزعة على خمسة محاور كبرى هي: التعليم، وبيئة البحث، وجودة البحث، والانفتاح الدولي، والصناعة. أما تصنيف شنغهاي، فيرتكز على ستة مؤشرات ذات طابع بحثي صارم، من أبرزها عدد الحاصلين على جائزتي نوبل وفيلدز، والباحثين الأعلى استشهادًا، والأبحاث المنشورة في مجلتي Nature وScience، والمنشورات المفهرسة في قاعدة Web of Science، إلى جانب الأداء العلمي للفرد داخل المؤسسة. في المقابل، يبدو تصنيف QS أكثر مرونة وملاءمة لقراءة أوضاع الجامعات التي لم ترسخ بعد حضورًا قويًا في التصنيفات العامة؛ إذ يجمع بين السمعة الأكاديمية، وسمعة أصحاب العمل، والاستشهادات العلمية، والانفتاح الدولي، وبعض مؤشرات التوظيف والاستدامة، كما أن تصنيفاته حسب التخصصات تُبنى على خمسة مؤشرات رئيسية تختلف أوزانها بحسب طبيعة كل مجال. وتزداد أهمية هذا التصنيف بالنسبة للجامعات غير المصنفة إجمالًا لأنه يتيح إبراز الجامعات التي قد لا تحقق حضورًا قويًا في التصنيف العام، لكنها تتميز في تخصص بعينه. ولهذا، فإن اعتماد QS نموذجًا للتحليل يبدو أقرب إلى الواقع عند الحديث عن الجامعات الجزائرية، ولا سيما فيما يتعلق بتصنيفات التخصصات.

منهجية QS في تصنيف الجامعات
لا ينبغي فهم آلية QS على أنها تصنيف تلقائي شامل لكل الجامعات، كما لا تقوم أيضًا على مجرد تقديم طلب إدراج بسيط من المؤسسة. فالتصنيف لا يشتغل بمنطق آلي خالص، ولا بمنطق شكلي قائم على المراسلة وحدها، بل يرتبط بتحقق شروط الأهلية والحدود الدنيا الخاصة بكل تصنيف، ولا سيما في تصنيفات التخصصات التي تتصل بالنشر، والسمعة، والبرامج الأكاديمية المتاحة في المجال نفسه. ومن الأمثلة على ذلك أن QS تشترط في بعض التخصصات حدًا أدنى من الإنتاج العلمي المفهرس في Scopus خلال خمس سنوات؛ ففي تخصص علوم الأرض يشترط حد أدنى قدره 80 بحثًا، بينما يرتفع هذا الحد في علوم الحاسوب إلى 140 بحثًا خلال الفترة نفسها، فضلًا عن ضرورة وجود برنامج جامعي في التخصص، وأن يكون قد خرّج ثلاث دفعات على الأقل قبل اكتساب أهلية الظهور. ومن ثم، فإن دور الجامعة لا يتمثل في “طلب التصنيف” فحسب، بل في ضمان تمثيلها الصحيح عبر بيانات مؤسسية دقيقة، وهوية بحثية موحدة، وقدرة فعلية على تحويل الجودة الداخلية إلى حضور دولي مرئي وقابل للقياس. وهذا ما يجعل فهم منهجية QS نقطة البداية الحقيقية لأي سياسة تحسين جادة.

خطوات عملية على المدى القريب
إذا كان الإلمام بمنهجية QS يمثل مدخلًا أساسيًا لتحسين موقع الجامعة في التصنيف، فإن من أنجع الخطوات بعد ذلك تحويل هذا الفهم إلى خطة مؤسسية قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بردود أفعال موسمية عند صدور النتائج. ويمكن أن تبدأ هذه الخطة، في المدى القريب، بتفعيل أو تطوير آلية مؤسسية دائمة تُعنى بالجودة والبيانات والتصنيف داخل كل جامعة، تتولى جمع المؤشرات وتحيينها وربطها بالتقارير السنوية والقرارات الأكاديمية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأن الجزائر تمتلك أصلًا أرضية تنظيمية في مجال ضمان الجودة، بما تتضمنه من آليات للتقييم الذاتي والتحسين المستمر، ومجالات تتصل بالتعاون الدولي والعلاقة مع المحيط السوسيو-اقتصادي. ومن ثم، يمكن القول إن التحدي لا يكمن فقط في إنشاء هياكل جديدة، بل أيضًا في توجيه البنية القائمة نحو بناء ملف مؤسسي متماسك للتصنيف، قائم على دقة البيانات، والمتابعة المنتظمة، وقابلية قياس المؤشرات دوليًا.
وتأتي بعد ذلك أولوية التركيز على التخصصات الواعدة بدل تشتيت الجهد على الجامعة كلها دفعة واحدة. فمدخل التخصصات هو الأقرب للجامعات التي لم تترسخ بعد في التصنيفات العامة، لأنه يسمح ببناء الظهور من الحقول التي تمتلك فيها الجامعة كتلة بحثية واضحة، أو سمعة أولية، أو علاقة أقوى بالصناعة والمجتمع. كما يمكن استثمار التصنيف العربي QS بوصفه مرحلة تمهيدية ذكية لبناء السمعة وتحسين المؤشرات واختبار الجاهزية قبل التوسع في التصنيف العالمي العام. بهذا المعنى، لا يكون الصعود في QS قفزة عشوائية، بل مسارًا يبدأ من النقاط الأقوى والأكثر قابلية للبروز.
تشمل الخطوات العملية العاجلة أيضًا حوكمة البيانات البحثية والمؤسسية؛ إذ إن جزءًا معتبرًا من الضعف في الظهور الدولي لا يعود إلى نقص الإنتاج العلمي في حد ذاته، بل إلى فوضى الانتسابات المؤسسية، وتعدد صيغ كتابة اسم الجامعة، وغياب توحيد ملفات الباحثين ومُعرّفاتهم. لذلك يصبح من الضروري اعتماد اسم إنجليزي رسمي موحد، وضبط الانتسابات المؤسسية للباحثين، وتعميم مُعرّف ORCID، ومتابعة الظهور الصحيح للبحوث في Scopus. فالجامعة التي تترك رصيدها البحثي مبعثرًا تخسر أثره من حيث لا تشعر، في حين أن الحوكمة الدقيقة للبيانات تمثل شرطًا أساسيًا للتمثيل العادل في التصنيف.
ولا يكتمل هذا المسار من دون تعزيز شبكة البحث الدولية على نحو موجَّه لا شكلي. فالشراكات التي ترفع الجامعة في QS ليست مذكرات تفاهم بروتوكولية، بل تعاونات بحثية حقيقية تنتج نشرًا مشتركًا، ومشاريع مخبرية ممتدة، وأطروحات مزدوجة الإشراف، وبرامج ما بعد الدكتوراه، وحركية علمية فعلية للأساتذة والطلبة. فالتدويل، في منطق QS، لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة الجامعة على بناء شبكات بحثية مستدامة ذات أثر ملموس.
ومن الخطوات الأساسية أيضًا تحويل العلاقة مع الاقتصاد إلى رصيد تصنيفي. ويتحقق ذلك عبر تتبع الخريجين، وتفعيل مجالس الشراكة مع أصحاب العمل، وتحيين البرامج وفق حاجات السوق، وتوسيع التدريب الميداني، وتشغيل دار المقاولاتية وحاضنات الأعمال، وتسويق نتائج البحث. فالجامعة لا تُقاس فقط بعدد ما تنشره، بل كذلك بقدرتها على أن تجعل أرباب العمل يلمسون أثرها في نوعية خريجيها وفي صلتها بالقطاعات الإنتاجية. ومن ثم، فإن تحسين صورة الجامعة لدى سوق العمل جزء لا يتجزأ من تحسين موقعها.
يضاف إلى ذلك حثّ أعضاء هيئة التدريس وطلبة ما بعد التدرج على جعل أعمالهم وأبحاثهم المنشورة، متاحة ومنظمة ومرئية، سواء على الموقع الرسمي للجامعة أو عبر مستودع مؤسسي رقمي. فالإنتاج العلمي لا يكفي أن يُنجز ويُنشر، بل يجب أيضًا أن يكون ظاهرًا بطريقة تسهّل اكتشافه وربطه بالجامعة. ولهذا، ينبغي أن تتحول المواقع الجامعية من واجهات إدارية جامدة إلى واجهات علمية حية تعرض المقالات المصنفة، والرسائل الجامعية، وروابط DOI، وصفحات الباحثين، وصفحات المخابر والمشاريع البحثية. فالظهور الرقمي المنظم للإنتاج العلمي يعزز سمعة الجامعة، ويسهّل اكتشافها أكاديميًا، ويمنحها صورة أكثر احترافية في الفضاء العلمي الدولي.
وأخيرًا، من المهم دفع عجلة مواضيع التخرج ورسائل الماستر والدكتوراه نحو مشكلات المؤسسات الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية، مع إعطاء أولوية لبراءات الاختراع والابتكار التطبيقي. فحين ترتبط البحوث الجامعية بحاجات الاقتصاد والمجتمع، يتحسن أثرها المهني والعلمي معًا، وتصبح الجامعة أقرب إلى منطق التصنيف الذي يربط بين المعرفة والتشغيل والأثر المجتمعي. ولذلك، فإن تشجيع المشاريع التطبيقية، ومرافقة الطلبة في تحويل بعض الأعمال إلى نماذج أولية أو براءات اختراع أو شركات ناشئة، يمثل رافعة مزدوجة للجامعة: أكاديميًا وتصنيفيًا.
الرؤية على المدى البعيد
أما على المدى البعيد، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تحسين بعض المؤشرات الجزئية أو اقتناص مواقع متقدمة في التصنيفات على نحو ظرفي، بل في إعادة بناء فكرة الجامعة نفسها على أسس أكثر وضوحًا وجرأة وفاعلية. فالجامعات التي فرضت حضورها عالميًا لم تصعد لأنها توسعت عدديًا فحسب، بل لأنها عرفت ماذا تريد، وحددت أين يمكن أن تتميز، واستثمرت بذكاء في البحث والكفاءات والبنية التحتية والتمويل الموجَّه. ومن هنا، تبدو الجامعة الجزائرية مطالبة بالانتقال من منطق التعميم المرهق، حيث تحاول كل مؤسسة أن تفعل كل شيء، إلى منطق التميّز المؤسسي الذكي، حيث تبني كل جامعة شخصيتها العلمية الخاصة، وتراكم قوتها في مجالات بعينها، وتطوّر أقطاب تميز حقيقية، ومدارس دكتوراه فاعلة، ومراكز بحث قادرة على الظهور الدولي والاستمرار فيه. كما أن المستقبل لن يُصنع من دون سياسات ثابتة لاستقطاب الكفاءات، داخل الوطن وخارجه، ولا من دون ربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع، وتحويل الجامعة إلى فضاء منتج للمعرفة والحلول والابتكار معًا. وبالموازاة مع ذلك، ينبغي أن تصبح الحوكمة، وجودة التكوين، والتدويل، والتحول الرقمي، والاستدامة، والمسؤولية المجتمعية، مكونات أصيلة في المشروع الجامعي، لا مجرد عناوين تجميلية تضاف عند الحاجة. فصورة الجامعة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد ما تنشره من بحوث، بل بقدرتها على أن تكون مؤسسة مؤثرة، جاذبة، مرئية، ومتصلة بالعالم من دون أن تفقد صلتها بأولوياتها الوطنية.
وفي ختام هذا العمل، يتبيّن أن دخول الجامعة الجزائرية إلى تصنيف QS لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية المسار، بل بوصفه بداية اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل الظهور الأول إلى تموقع مؤسسي مستدام. فالتصنيفات، مهما كانت أهميتها، ليست غاية في ذاتها، بل مرآة تعكس درجة نضج الجامعة في مجالات الجودة، والبحث، والحوكمة، والانفتاح الدولي، والارتباط بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي.

ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحسين الرتبة، بل في بناء جامعة جزائرية أكثر وضوحًا في هويتها، وأكثر انتظامًا في بياناتها، وأكثر أثرًا في بحثها، وأكثر حضورًا في شبكات العلم والإنتاج. وإذا نجحت الجامعات الجزائرية في الانتقال من منطق الإنجاز الظرفي إلى منطق الرؤية المؤسسية طويلة المدى، فإن حضورها في التصنيفات العالمية لن يبقى حدثًا موسميًا عابرًا، بل سيصبح نتيجة طبيعية لمسار إصلاحي عميق، يجعل من الجامعة فاعلًا استراتيجيًا في إنتاج المعرفة، وخدمة التنمية، وتعزيز مكانة الجزائر في الفضاء الأكاديمي الدولي.

مقالات ذات صلة