آليات مكلفة ماديا ونفسيا للقضاء على الشعور السلبي
أدى التضخيم الإعلامي والطبي للتوتر إلى تحوله إلى كابوس، يتحاشاه الناس، ويسعون إلى تفاديه، بكل السبل، حتى التي تعود لتؤدي إليه. فقد تم ربطه بالجلطات القلبية والدماغية والإصابة بأنواع السرطان والانهيار العصبي والاضطرابات النفسية، على غرار الاكتئاب والانهيارات العصبية.. ما يفسر التنافس في خلق حلول للحد منه، في البيت وبيئة العمل وحتى في الشارع.
ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي محتوى ثري جدا، يجمع فيديوهات الروتينات اليومية والتمارين الرياضية والدورات التدريبية.. التي تسهم في الحد من مشكل التوتر، وتجعل الأفراد أكثر تحكما في أعصابهم. تقول الأخصائية النفسية، عقيلة دبوب: “هذه الصورة المرعبة عن التوتر، جعلت القلق يبدو كقاتل متربص يلاحق الأفراد. وهذا الأمر، في حد ذاته، أكثر ما يسبب لهم التوتر. مع العلم، أن الشعور بالتوتر المعتدل ضروري للتكيف، وواجب للإنجاز. وهو إشارة نفسية تدل على أن الشخص متزن وطبيعي”.
بالرغم من هذه الحقيقة العلمية المثبتة بالدراسات، يلاحظ المستخدم لمواقع التواصل المختلفة، الكم الهائل من الهاشتاغ والترندات واسعة المشاركة، محتواها عبارة عن نصائح موجزة للابتعاد عن الوقوع في التوتر، أو التخلص السريع منه، مثل المشي بهدوء silentwalking ترند عالمي، بات يستخدم لتنشيط الإدراك الحسي، وتعويد الجسم على تأخير عملية التفاعل مع الأحداث والأشخاص المستفزين، وترندات العناية بالذات self care reels، التي تشجع الأشخاص من مختلف الأعمار والفئات، على القيام بتمارين التنفس العميق يوميا، وأخذ قسط من الاسترخاء، واتباع روتين صباحي ثابت، يتعود عليه العقل ويمنع من التوتر، فضلا عن آلاف الوصفات الغذائية وأساليب العناية.. التي خرجت مؤخرا، عن إطارها العلمي والإنساني، لتصبح وسيلة لجلب المشاهدات ورفع التفاعل ليس إلا. فهي وصفات غير مدروسة، يزعم أصحابها أنها قادرة على تعديل هرمون التوتر.
محاربة التوتر تضع الناس في قلب الشعور به
الرواج الكبير ميدانيا، وعبر المواقع، لسلوكيات محاربة التوتر، رفعت من متطلباتها كثيرا، فباتت تتوقع من الفرد العصري أن يبذل مجهودا ليكون سعيدا دائما، بارد الشعور هادئا في ردود أفعاله، وراقيا متزنا نفسيا وعاطفيا أمام كل الظروف، ورسخت أفكارا تنافي طبيعة الخلق، كالحق في الراحة الدائمة، وأن التعرض للتوتر هو خطر على الصحة يجب ترك أي وسيلة تتسبب فيه، حتى أصبح معظم الناس يعتقدون أن أي شعور سلبي أو انفعال زائد، هو فشل شخصي وعدم قدرة على مسايرة الذات وضبطها، ليجدوا أنفسهم أمام قلق جديد.
تجارة العافية النفسية
الرعب من التوتر، والإيمان المطلق بآثاره على الصحة الجسدية والنفسية، وانعكاساته على إنجازات المرء وعلاقاته، مهدت الطريق لصناعة جديدة، فأصبح الترويج لأخطاره في صالح تجار العافية النفسية، الذين يبيعون دورات إدارة التوتر دون تلقين الناس وجود اختلافات طبيعية في مستوى تفاعلهم النفسي مع الأحداث، ويسوقون لتطبيقات رقمية، ووصفات سحرية للاسترخاء في قلب الأزمة، واكتساب التوازن النفسي.. والأدهى، أنهم يكتسحون السوق بمنتجات التهدئة وتبريد الأعصاب، التي غالبا ما تكون أقراصا أو مشروبات، بمكونات طبيعية، لكنها باهظة الثمن، مقارنة بقيمتها الحقيقية ومفعولها. حول هذا، تشير الخبيرة الاجتماعية والنفسية، الأستاذة كريمة رويبي، إلى أن: “هذه التجارة، بما تزرعه من أفكار، جعلت الأفراد يتداولون قناعة أن التوتر آفة العصر. وهذا، ما لا يمكن إنكاره، لكنه، في المقابل، ليس حالة مرضية، إذا كان بمستويات طبيعية تفرضها تحديات العصر، وليس كل توتر اضطرابا نفسيا، يجب علاجه بالروتينات والأدوية، كما أن الإنسان الطبيعي ليس في حاجة إلى أن يكلف نفسه عناء الوقاية المبالغة من التوتر”.
ما يتفق عليه الخبراء والمختصون، أنه من الجيد أن يتبع المرء في عصرنا نمط حياة صحيا، يحميه من الانفعالات الزائدة، ويضمن له توازنا نفسيا وصحة بدنية، لكنه، لا يجب أن يفعل ذلك بدافع القضاء التام على أي شعور سلبي يشوبه، ما لم يكن مستمرا وغير مرتبط بسبب واقعي. فالقلق والتوتر أحيانا يكون منبها للتطور ومحفزا للإنجاز وأداة للحماية من أخطار أكبر.