الرأي

آل المستبدين‮: ‬هامان وقارون‮ ‬

حبيب راشدين
  • 3360
  • 9

تحداني‮ ‬أحد القراء أن أعرج بالحديث عن الاستبداد،‮ ‬وكأني‮ ‬به‮ ‬يرى في‮ ‬ذلك سلوكا استثنائيا،‮ ‬بينما لم‮ ‬يحدث في‮ ‬التاريخ أن تعرض الاستبداد لانتقاد منهجي‮ ‬مستديم كما‮ ‬يحصل في‮ ‬زمننا هذا،‮ ‬حتى صار حديثا مملا مبتذلا‮ ‬ينتج عكس ما‮ ‬يراد له‮.‬

كنت أود أن‮ ‬ينتبه القارئ إلى أن الاستبداد سلوك ملازم للتجمع البشري،‮ ‬بل هو الغريزة الغالبة على الطبع،‮ ‬وانه متى استثنينا فترة الخلافة الراشدة،‮ ‬وبعض السير النادرة لحكام مستنيرين،‮ ‬كانوا استثناء أكد القاعدة،‮ ‬فإن التمدن البشري‮ ‬يشهد بهيمنة مطلقة لثقافة الاستبداد،‮ ‬الذي‮ ‬كان دائما استبداد جماعة متآلفة بمجموعة من الآحاد،‮ ‬والقلة المنظمة بالكثرة المهملة‮.‬

في‮ ‬الثقافة الإسلامية نتمثل دائما للاستبداد بحكم فرعون،‮ ‬ونسينا ما ذكرنا به في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬الذي‮ ‬ذكر طغيان فرعون في‮ ‬سبعين آية،‮ ‬منها ست وثلاثون آية جاءت بصيغة‮ “‬آل فرعون ـ وقوم‮  ‬فرعون ـ وفرعون وقارون وهامان‮” ‬ليبين لنا أن الاستبداد إنما هو فعل جماعة،‮ ‬وليس لفرد أن‮ ‬يستبد إلا بشوكة مناصرة،‮ ‬قد لخصتها لنا الآية‮ ‬39‮ ‬من العنكبوت‮ “‬وَقَارُونَ‮ ‬وَفِرْعَوْنَ‮ ‬وَهَامَانَ‮ ‬وَلَقَدْ‮ ‬جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ‮ ‬فَاسْتَكْبَرُوا فِي‮ ‬الْأَرْضِ‮ ‬وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ‮” ‬أي‮ ‬بتحالف أرباب المال والعسكر،‮ ‬ثم إن الآية‮ ‬127‮ ‬من الأعراف تشير إلى الطرف المحرض المشجع على الاستبداد‮: “‬وقَالَ‮ ‬الْمَلأُ‮ ‬مِن قَوْمِ‮ ‬فِرْعَوْنَ‮ ‬أَتَذَرُ‮ ‬مُوسَى وَقَوْمَهُ‮ ‬لِيُفْسِدُوا فِي‮ ‬الْأَرْضِ‮…” ‬وتلكم هي‮ ‬سيرة‮ “‬آل المستبدين‮” ‬من قبل ومن بعد‮.‬

ولأجل ذلك لا أرى في‮ ‬ما‮ ‬يدعيه دعاة التغيير إرادة حقيقية لاجتثاث الاستبداد وقد اختزلوه في‮ ‬شخص الرئيس،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يقوى ـ حسب اعترافهم ـ على الوفاء حتى بأبسط احتياجاته الخاصة،‮ ‬فكيف‮ ‬يقوى على الاستبداد بأربعين مليون مواطن،‮ ‬لولا المدد من‮ “‬هامان وقارون‮” ‬ولولا النصرة من‮ “‬آل النظام‮” ‬من القوم،‮ ‬ومن تبعهم طلبا للإحسان‮.‬

آل فعون في‮ ‬العصر الحديث وقومه‮ ‬يشكلون على الدوام الحزب الأقوى والأكثر حضوراّ‮: ‬عدة وعتادا واستعدادا،‮ ‬منتشرون في‮ ‬جسد الدولة والمجتمع،‮ ‬من حرس البلدية إلى‮ “‬حراس البوابة‮” ‬من ذوي‮ ‬الرأي‮ ‬والثقافة،‮ ‬وهؤلاء لن‮ ‬يسمحوا بالتغيير والتداول،‮ ‬إلا بقدر ما‮ ‬يكون عند طالب السلطة من استعداد لحماية‮ “‬القبيلة‮” ‬من أي‮ ‬تغيير‮ ‬يغير ما بالحال،‮ ‬يقولون قول السحرة‮: “‬أَئِنَّ‮ ‬لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ‮ ‬الْغَالِبِينَ‮”‬

في‮ ‬الستينيات من القرن الماضي‮ ‬أجرى الأمريكي‮ “‬ميلغرام‮” ‬اختبارا أثبت فيه مقدار استعداد الفرد العادي‮ “‬الطيب‮” ‬لكي‮ ‬يتحول إلى وحش كاسر،‮ ‬خادم للمستبد،‮ ‬يصعق أقرانه بشحنات كهربائية قاتلة،‮ ‬لمجرد أنه وضع في‮ ‬موقع‮ ‬يحتمي‮ ‬فيه بأمر من سلطة مفوضة‮.‬

والحال لا تمني‮ ‬النفس بقرب زوال الاستبداد،‮ ‬حتى تستشعر في‮ ‬نفسك ومن حولك القدرة على الجهر بإنكار المنكر حين‮ ‬يقع على‮ ‬غيرك قبل أن‮ ‬يكون عليك،‮ ‬وعصيان الأمر حين‮ ‬يخالف الشرع والأعراف حتى حين‮ ‬ينحاز إليك أو لأهلك،‮ ‬وما سوى ذلك هي‮ ‬دعوات لاستبدال مستبدين بآخرين‮. ‬فهل سمعت عن وصول فئة ما للسلطة،‮ ‬قبل أن تعقد حلفا مقدسا مع قارون وهامان؟

مقالات ذات صلة