-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أسفارٌ على ظهور الغربيين

أسفارٌ على ظهور الغربيين

يزعم البعض أنه لولا الاحتباس الحراري ما كان لموجة الحر هذه أن تجتاح أوروبا. أوروبا ليست جنة الله في الأرض وليست محظية من دون بقاع العالم. ثم لماذا ننكر دور أوروبا الأول في هذا الاحتباس؟ أليس منها انطلقت الثورة الصناعية قبل قرون، وعبرها تراكمت الانبعاثات الغازية التي أوصلت كوكبنا إلى هذه الحال العسيرة؟ ينبغي أن لا نتوارى وراء إصبعنا ونهرب من مواجهة الحقائق، وأولاها أن يتحمل المتسبِّب الضمان، ويعمل على إصلاح الضرر. لأن الإرادة الإلهية تتدخل لحماية المخلوقات من الأخطار التي تهدد الحياة التي أبدعها الله على هذه الغبراء.

منطقُ الاستعلاء باد على الفرنسيين أمام ظاهرة الحر هذه، والتي هي بعض مما كسبت أيديهم، وكأنهم يقولون: “إن الحر ليس له أن يأتي إلينا، نحن الأوربيين محظيون على الدوام دون باقي البشر بأجواء منعشة”! أتعجب حقا من غفلة هؤلاء عن حرِّ جهنم، كما غفل عنه المخلّفون: “فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ”.

رغم ما لفرنسا من عقول متهوِّدة في إدارة المال، إلا أنها عاجزة أمام اقتصاد يزداد سوءا بسبب الإنفاق الذي يتجاوز الحدود، ليذهب شطرٌ منه لخدمة الدين. الحل بسيط لو أن عقلاء فرنسا ينتبهون إليه: أولها العمل في الإنفاق بقاعدة “اقتصد ولو كنت على نهر جار”، وثانيها التوقف عن القروض الربوية واستخدام بدائل تتيحها الصيرفة الإسلامية في الاستثمار. وثالثها، إلغاء كل الضرائب، واستبدالها بنسبة 2.5 % تُؤخذ كل عام من الأغنياء الذين يملكون ما يعادل 84 غراما من الذهب حال عليها الحول، شريطة أن تُنفق هذه النسبة على الفقراء الذين لا يملكون ذلك النصاب.

هنالك شيءٌ أراه مصدر شقاء هؤلاء الرومانيين جميعا، هو البحث عن المال بالهجرة إلى دول أوروبا الغربية، ولو كلفهم ذلك إهمال الوالدين وتركهما في دور العجزة، إنها خدعة الرأسمالية التي سوَّقت لهذا النموذج واستجلبت الخدم من أوطانهم. هذا المجتمع بئيس، وهو يحتاج إلى نمط آخر من العيش، عنوانه الرضا بما قسم الله، والتفاني في خدمة الآباء، والبحث عن الطمأنينة والأمان، حتى في مصير الإنسان بعد الممات.

إصلاحات نظام التقاعد كلها إدارة أزمة بأزمة أخرى، وهكذا دواليك، والخاسر في ذلك كله هو الحقيقة. والتي تبدأ من السؤال عن معدَّل العمر لدى الألمان والمهاجرين، وهو في الغالب لا يتعدى السبعين، مما يجعل التقاعد بحد ذاته ليس مجديا للشيخوخة، فقد لا يناله العامل مطلقا أو يناله ولكنه لا يكفيه. ثم لماذا نربط معاش الناس باقتصاد الدولة، التي قد تفلس أو تنهار أو تتعرَّض لأزمات كما هو شأن دول كثيرة؟ والأنفع للإنسان أن يرتبط مباشرة بنشاط حي يعمل على تنميته واستدامته ولا يفنى بفناء الدولة ولا بعجزها. إنّ أفضل ما يضمن له دخلا متواصلا ما خُلق لخدمة الإنسان ابتداء كالأرض والأنعام، أما الصناعات والخدمات فموسمية وتسيطر عليها الرأسمالية التي لا ترحم عاملا ولا متقاعدا.

قضيةٌ أخرى لها علاقة بسر الوجود والألمان عنها غافلون، تتعلق بالعلاقة الأسرية بين الأبوين وأطفالهما، فلماذا يستنكف الناس في الغرب عن الاستثمار في الأسرة؟ وما الذي يمنعهم من تربية الأطفال على البر الذي يجعل الأبناء يتكفّلون بآبائهم مدى الحياة؟ من المؤكد بأنه لا حل بإدارة سن العمل، الذي يبقى مرتبطا بقدرة الفرد على العمل مدى حياته لا بنظام الشيخوخة والتقاعد. وهنالك في الحضارة الإسلامية نظامٌ مالي رحيم، فيه عطاء ورزق، الأول تقاسم المال العامّ بالعدل، والثاني أجرة لقاء عمل. وقد وجد المسلم حينها إمكانية لأن يستثمر ماله بالتعاون مع آخرين شاركوا في هذه الحضارة، ولم يُطرح في تاريخها قطّ داءُ البطالة أو العنصرية الذي يعاني منه الغرب اليوم رغم أن مصلحة الغرب في الانفتاح الحضاري.

أشير على تكتل اليسار الذي تنتمي إليه البرلمانية ريما حسن ألا يكتفي بالصراخ من المضايقات والتي قد تجلب لمناضليه الرُّهاب من الملاحقة والاعتداء، وعليه أن يستهدف الجهات التي تمارس البلطجة السياسية والقضائية بملاحقات قضائية مضادة، وأن يتجرَّأ على فتح ملفات تعتبر “طابوهات” في الإعلام، ويعرفها الفرنسيون الخائفون من اللوبي اليهودي الذي يحمل سيفا مصلتا على رقابهم إذا ما أثاروها. إن تعويم قضايا النفوذ الصهيوني في أوروبا سياسيا وقضائيا يخفف الضغوط عن أحرار العالم وينقل المعركة إلى الطرف الآخر.

العلاقة بين أوروبا وإفريقيا تسوَّق وكأن للأولى حقا في الآخرة، أما بالعكس فتصوَّر على أنها هجرة غير شرعية ويجب مكافحتها، إذن ما مصلحة الاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة النائية عنه؟ وما رأي الجماعات الناشطة في الصحراء العظمى في هذا الصراع المسلح؟ وما موقف السكان الذين يخالطون الأطراف المتصارعة من دون أن يكون في موقفهم خوفٌ أو وجل؟

الحرية الحقة غير مطلقة، إنها تتمدد إلى حدود وتنحصر إلى أخرى أيضا، أن تكون حرًّا حقيقة يعني أن تمتك ميزانا تتحكم فيه بهذه الحرية، لأنك لن تستطيع أن تملك قرارك الحرَّ بالكامل دوما، لوجود قانون في الأرض يتعلق بالتدافع بين الحق والباطل؛ لذلك يتحول سؤال الحرية بهذا الاتجاه: ما هو هذا الميزان الذي به نقيس حدود الحقيقة؟ وممن نأخذ هذا الميزان؟ وما هي ضوابط استخدامه؟ ومن سيحاسبنا على استعماله؟ وقبل ذلك وبعده ما علاقة ذلك الميزان بمصير الإنسان في الحياة وبعد الممات؟

ما نستفيده نحن كمسلمين من سيرة هذا الرجل الدموي “ليندسي غراهام” منطقه المحرِّض على استخدام القوة في العلاقات الدبلوماسية، خلافا لما روَّج له الساسة الغربيون طويلا كذبا وبهتانا، بأن السلم العالمي مبني على احترام القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. سيجد الجبناءُ من حكام المسلمين حجةً بهذا الرجل كي يتشجعوا قليلا في التعامل مع الغرب، ولكي يتخلص دعاة الإسلام من الرهاب الذي ألجم ألسنتهم عن تبليغ الإسلام بصورته الكاملة للناس، حينما استبعدوا في مرحلة مضت القول إن الإسلام يعتدُّ بالقوة إذا لزم الأمر، وكأن الإسلام دينٌ لا دولة له ولا شوكة.

في مقياس التطور عبر التاريخ الإسلامي لم يكُ يتقدم المنجَز المادي على المعنوي، وإن كان حاضرا معه دوما، حضورا لا يتقدمه بل يتأخر عليه ويتبعه. ومن مخاطر التركيز على البعد الاستثماري في مسار الدول بروز المناكفة الحزبية وتنافسها اللجوج على إقناع المنتخَبين بجدوى مشروعها وتحقير ما لدى الآخر، بل قد تتدخل قوى قاهرة تحدُّ من التفوُّق المتسارع وقد تضرب أركانه بشدة، كما حدث لتركية لما تدنَّت قيمة عملتها الوطنية، وفي محاولة الانقلاب وفي الزلزال وفي الإرهاب… ولهذا، يجدر بالساسة الحكماء أن يولوا بناء الإنسان في أبعاده المتنوعة اهتمامهم الأول، وأن يرصدوا لتحقيق هذا المقصد السامي من الإمكانات المادية ما يلزم، لأن الإنسان هو رأس مال الأمة، وهو المنجز الباقي في نهضة أيِّ دولة.

الحرية الحقة غير مطلقة، إنها تتمدد إلى حدود وتنحصر إلى أخرى أيضا، أن تكون حرًّا حقيقة يعني أن تمتك ميزانا تتحكم فيه بهذه الحرية، لأنك لن تستطيع أن تملك قرارك الحرَّ بالكامل دوما، لوجود قانون في الأرض يتعلق بالتدافع بين الحق والباطل؛ لذلك يتحول سؤال الحرية بهذا الاتجاه: ما هو هذا الميزان الذي به نقيس حدود الحقيقة؟ وممن نأخذ هذا الميزان؟ وما هي ضوابط استخدامه؟ ومن سيحاسبنا على استعماله؟ وقبل ذلك وبعده ما علاقة ذلك الميزان بمصير الإنسان في الحياة وبعد الممات؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!