الحروب المركنتيلية الجديدة
منذ ما قبل العهد الفيكتوري في أوروبا، حيث ازدهرت التجارة البحرية، تجارة القارات المنفصلة، والمتصلة بالأبحر والمحيطات والمضائق البحرية، نتيجة الاكتشافات القارية، والخطوط البحرية نحو الأراضي الجديدة، لاسيما مع اكتشاف القارة الأمريكية بشقيها الجنوبي والشمالي، كانت البحار والمحيطات تمثل شريان حياة الأراضي البعيدة شرق أوروبا وغربها حتى قبل تجارة التوابل والبُنّ والشاي خلال القرنين الـ13 و14 وما بعدهما، مع تجارة العبيد.
كانت المضائق البحرية أو ما اصطلح عليه لدى العرب بـ”الزقاق”، ومنه مضيق “جبل طارق”، تمثل بلعم التوريد التجاري لأوروبا وحنجرة التنفس الرئوي للإمبراطوريات البريطانية والإسبانية والبرتغالية. لكن هذا الوضع كان سائدا أيضا في كافة القارات التي كانت تعرف النشاط التجاري ذاته، سواء أكان ذلك في شرق آسيا أم القوقاز حول البحر الأسود، أم في الشرق الأوسط حول مضائق البحر الأحمر بدءًا من باب المندب وانتهاء شمالا، حتى بعد حفر قناة السويس. الأمر نفسه ظل يحدث في الأمريكيتين بعد الاكتشاف القاري واستيطان اللاتين الإسبان والبرتغال في الجنوب والسكسون والفرنسيين في الشمال.
كما أنَّ أنشطة القرصنة البحرية سواء في أعالي البحار والمحيطات أم في المياه القريبة من اليابسة والخلجان والمضائق، بقيت لفترة، وسمًا تجاريًّا لفترة من الزمن لا تقلُّ عن ثلاثة قرون، شمل هذا في ما بعد البحر المتوسط من الحدود الإيطالية إلى جبل طارق.
في كل هذا، كانت التجارة القارية التي ازدهرت بعد عصر الاكتشافات، مدعاة لكل أشكال الحروب البحرية التي خاضتها الإمبراطوريات القديمة والجديدة من أجل توسيع عائداتها ونفوذها، فالتوسع والاحتلال والفتوحات كان يتطلب ثروات متزايدة بتزايد عدد الجيوش وعدد السكان الذين كان على القوى العظمى أن تلبِّيها لهم. كان الطلب المتزايد على الموارد خارج البلد الأصلي، يتطلب مزيدا من الإنفاق على القيادات والجيوش، وكلما ازدادت نزعة التوسُّع أزداد معها بشكل مضطرد النزوع نحو ضم أقاليم جديدة وأراض وثروات. من شأن ذلك أن كانت الحدود بين الأقاليم والدول وبين الإمبراطوريات، تتعرَّض إلى تحديات جسيمة أحيانا: حروب ضارية امتدَّت قرونا، ولنا في الحروب “البونيقية” وفي الحروب الإغريقية الفارسية وفي حروب العائلات الصينية واليابانية مثالٌ على هذه النزاعات الكبرى.
الحدود المائية، وجغرافيا البحار والمحيطات، والخرائط المائية التي رُسمت قديما وحديثا للكرة الأرضية عبر المكتشفين والرحالة، كانت تُظهر أهمية المضائق المائية على اعتبار أنها تختصر المسافات وتهدي إلى أقل الطرق تكلفة وأمنا، فكانت المضائق هي البلعوم الذي يمرُّ عبره الغذاء للجسد الإمبراطوري. لهذا، كان لزاما على هذه القوى أن “تعسكر” التجارة البحرية كما عسكرت من قبل تجارة القوافل البرية بغية تأمينها.
ما نشاهده اليوم، هو استمرارٌ لما مضى، وعودة للحروب المركنتيلية القديمة بين القارات والقوى المهيمنة على المضائق، وبداية كسر القواعد القديمة التي رسمتها أجندات القوى ضمن ما سُمِّي “القانون الدولي”، سواء أكانت القوانين التجارية البحرية أم البرية أم حتى الجوية.
الصراعُ القائم حاليا حول مضيق هرمز، صراعٌ تاريخي يعود اليوم بشكل جديد. وإذا كان هذا الصراع قائما سابقا على أساس تحكُّم البلدان المشاطِئة لهذا المضيق، التي كانت تنحصر في الصراع الإغريقي ـ الفارسي ثم الروماني البيزنطي ـ الفارسي، فإن هذا الصراع قد انتقل اليوم مع “العولمة” إلى صراع دولي تتزعمه الولايات المتحدة على أساس أنها دركي العالم التجاري وحراميه حتى ولو بدت حاميه، صراعٌ تجاري بين الشرق والغرب، بين الصين والولايات المتحدة وحلفائهما تمهيدا لما بعد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.