آل المستبدين: هامان وقارون
تحداني أحد القراء أن أعرج بالحديث عن الاستبداد، وكأني به يرى في ذلك سلوكا استثنائيا، بينما لم يحدث في التاريخ أن تعرض الاستبداد لانتقاد منهجي مستديم كما يحصل في زمننا هذا، حتى صار حديثا مملا مبتذلا ينتج عكس ما يراد له.
كنت أود أن ينتبه القارئ إلى أن الاستبداد سلوك ملازم للتجمع البشري، بل هو الغريزة الغالبة على الطبع، وانه متى استثنينا فترة الخلافة الراشدة، وبعض السير النادرة لحكام مستنيرين، كانوا استثناء أكد القاعدة، فإن التمدن البشري يشهد بهيمنة مطلقة لثقافة الاستبداد، الذي كان دائما استبداد جماعة متآلفة بمجموعة من الآحاد، والقلة المنظمة بالكثرة المهملة.
في الثقافة الإسلامية نتمثل دائما للاستبداد بحكم فرعون، ونسينا ما ذكرنا به في القرآن الكريم، الذي ذكر طغيان فرعون في سبعين آية، منها ست وثلاثون آية جاءت بصيغة “آل فرعون ـ وقوم فرعون ـ وفرعون وقارون وهامان” ليبين لنا أن الاستبداد إنما هو فعل جماعة، وليس لفرد أن يستبد إلا بشوكة مناصرة، قد لخصتها لنا الآية 39 من العنكبوت “وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ” أي بتحالف أرباب المال والعسكر، ثم إن الآية 127 من الأعراف تشير إلى الطرف المحرض المشجع على الاستبداد: “وقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ…” وتلكم هي سيرة “آل المستبدين” من قبل ومن بعد.
ولأجل ذلك لا أرى في ما يدعيه دعاة التغيير إرادة حقيقية لاجتثاث الاستبداد وقد اختزلوه في شخص الرئيس، الذي لا يقوى ـ حسب اعترافهم ـ على الوفاء حتى بأبسط احتياجاته الخاصة، فكيف يقوى على الاستبداد بأربعين مليون مواطن، لولا المدد من “هامان وقارون” ولولا النصرة من “آل النظام” من القوم، ومن تبعهم طلبا للإحسان.
آل فعون في العصر الحديث وقومه يشكلون على الدوام الحزب الأقوى والأكثر حضوراّ: عدة وعتادا واستعدادا، منتشرون في جسد الدولة والمجتمع، من حرس البلدية إلى “حراس البوابة” من ذوي الرأي والثقافة، وهؤلاء لن يسمحوا بالتغيير والتداول، إلا بقدر ما يكون عند طالب السلطة من استعداد لحماية “القبيلة” من أي تغيير يغير ما بالحال، يقولون قول السحرة: “أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ”
في الستينيات من القرن الماضي أجرى الأمريكي “ميلغرام” اختبارا أثبت فيه مقدار استعداد الفرد العادي “الطيب” لكي يتحول إلى وحش كاسر، خادم للمستبد، يصعق أقرانه بشحنات كهربائية قاتلة، لمجرد أنه وضع في موقع يحتمي فيه بأمر من سلطة مفوضة.
والحال لا تمني النفس بقرب زوال الاستبداد، حتى تستشعر في نفسك ومن حولك القدرة على الجهر بإنكار المنكر حين يقع على غيرك قبل أن يكون عليك، وعصيان الأمر حين يخالف الشرع والأعراف حتى حين ينحاز إليك أو لأهلك، وما سوى ذلك هي دعوات لاستبدال مستبدين بآخرين. فهل سمعت عن وصول فئة ما للسلطة، قبل أن تعقد حلفا مقدسا مع قارون وهامان؟