-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من غارا جبيلات إلى الفوسفات المدمج.. الجزائر تسرّع استثمار ثرواتها المنجمية

فصل المناجم عن المحروقات.. خبراء يكشفون أبعاد القرار

محمد فاسي
  • 571
  • 0
فصل المناجم عن المحروقات.. خبراء يكشفون أبعاد القرار
الشروق أونلاين
قطاع المناجم في الجزائر (تعبيرية)

ـ فصل المناجم عن المحروقات.. بداية تحول اقتصادي
ـ مشاريع عملاقة تقود الاستراتيجية الجديدة
ـ غارا جبيلات والفوسفات في صدارة المشهد
ـ خبراء: المناجم بديل داعم للمحروقات
ـ رهان على التصنيع بدل التصدير الخام ونجاح التحول مرهون بالإصلاحات

شهد قطاع المناجم في الجزائر تحولا مؤسساتيا واستراتيجيا بارزا عقب تعديل وزاري جديد أعاد رسم خارطة تسيير قطاعي المحروقات والمناجم، بالتوازي مع تسريع تنفيذ مشاريع منجمية كبرى تهدف إلى تعزيز التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على المحروقات.

وفي هذا الإطار، عيّن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مؤخرا محمد عرقاب وزير دولة وزيرا للمحروقات، مع استحداث وزارة مستقلة للمناجم والصناعات المنجمية أسندت إلى مراد حنيفي، وتعيين كريمة طافر كاتبة دولة لدى وزير المناجم والصناعات المنجمية. كما تم تحويل قطاع المناجم من وزارة المحروقات والمناجم إلى قطاع مستقل تحت وصاية وزارة جديدة، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تعزيز الحوكمة المتخصصة للثروات المنجمية.

ويأتي هذا التغيير في سياق إعادة تنظيم سابقة لقطاع الطاقة، حيث كانت تسمية وزارة الطاقة والمناجم قد تحولت في سبتمبر 2025 إلى وزارة المحروقات والمناجم، مع الإبقاء على محمد عرقاب على رأسها، بالتوازي مع إسناد قطاع الطاقة والطاقات المتجددة إلى مراد عجال.

ويملك وزير المناجم الجديد مراد حنيفي خبرة طويلة في القطاع، حيث شغل سابقا مناصب عليا من بينها المدير العام للمناجم ورئاسة الوكالة الوطنية للنشاطات المنجمية، ما يعزز التوجه نحو إدارة تقنية متخصصة لهذا القطاع الاستراتيجي.

قراءة قطاعية: توسع نشاط المناجم يفرض استقلالية مؤسساتية

يرى الخبير الطاقوي أحمد طرطار أن فصل قطاع المناجم عن المحروقات يأتي كنتيجة طبيعية للتطور المتسارع الذي يشهده هذا المجال في الجزائر، في ظل بروز استراتيجية متكاملة تقوم على تطوير واستغلال الموارد المعدنية عبر مختلف مناطق البلاد.

وأشار الخبير في تصريح خصّ به “الشروق أونلاين” إلى أن تعدد المشاريع المنجمية الكبرى، على غرار مشروع الفوسفات ببلاد الحدبة بمنطقة الجنوب الشرقي الجزائري، ومنجم الزنك والرصاص بأميزور بالشمال الشرقي، ومنجم الحديد بغارا جبيلات بالجنوب الغربي، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الأخرى يعكس انتقال القطاع إلى مرحلة جديدة تستوجب إدارة مستقلة قادرة على مواكبة هذا التوسع.

كما أبرز أن التوجه الحالي لا يقتصر على استغلال الموارد التقليدية، بل يشمل أيضا السعي لتطوير استغلال المعادن النادرة مستقبلا، مثل الليثيوم، إلى جانب تكثيف جهود الاستكشاف وإعادة بعث صناعة الذهب وتطوير تقنيات استخراجه.

وأكد طرطار أن منح القطاع إطارا وزاريا مستقلا من شأنه تمكينه من أداء دوره الكامل ضمن الاستراتيجية الوطنية، بما يعزز مساهمته في تحقيق التنويع الاقتصادي وتفعيل استغلال مختلف الموارد المتاحة عبر التراب الوطني.

كما يساهم هذا التحول، بحسب الخبير، في دعم التنمية الاجتماعية المستدامة، ورفع مساهمة القطاع في تمويل الميزانية العامة، مع إمكانية تحوله تدريجيا إلى بديل جزئي للمحروقات في دعم النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.

قراءة اقتصادية: فصل المناجم عن المحروقات وإعادة تشكيل النموذج التنموي

من جهته يرى الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي أن قرار فصل قطاع المناجم عن المحروقات يمثل تحولا مؤسساتيا عميقا في مسار إصلاح الاقتصاد الوطني، يتجاوز البعد الإداري ليعكس توجها استراتيجيا نحو تقليص الاعتماد على الريع الطاقوي وتنويع مصادر الثروة.

وأكد الخبير في تصريح خصّ به “الشروق أونلاين” أن هذا الفصل من شأنه أن يمنح القطاع المنجمي استقلالية أكبر في رسم السياسات التنموية، بما يسمح بتطوير موارد استراتيجية مثل الحديد والفوسفات والذهب والزنك ضمن رؤية متخصصة، بدل بقائها تحت تأثير هيمنة قطاع المحروقات.

كما يساهم هذا التوجه، وفق تيغرسي، في تسريع وتيرة الاستثمار عبر توفير وضوح مؤسساتي أكبر يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، خاصة في المشاريع الكبرى مثل غارا جبيلات ومشروع الفوسفات المدمج. ويضيف أن تحسين الحوكمة يعد من أبرز المكاسب المرتقبة، من خلال تقليص البيروقراطية وتعزيز آليات الرقابة على تنفيذ المشاريع.

وأشار الخبير أيضا إلى أن استقلالية القطاع ستدعم مسار التنويع الاقتصادي، باعتبار المناجم ركيزة بديلة قادرة على خلق موارد بالعملة الصعبة وتوفير مناصب شغل جديدة، إلى جانب دفع عجلة التصنيع التحويلي بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

كما أبرز أن هذا التحول قد يعزز موقع الجزائر في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصا في ظل الطلب المتزايد على المعادن الاستراتيجية، ما يمنح البلاد تموقعا جيو-اقتصاديا أكثر قوة على المدى المتوسط والطويل.

وخلص تيغرسي إلى أن هذا الفصل يمثل خطوة استراتيجية لإعادة التوازن إلى الاقتصاد الوطني، غير أن نجاحه يظل مرتبطا بمدى مرافقة هذا التغيير بإصلاحات عميقة في مناخ الاستثمار وآليات الحوكمة.

برنامج وطني ضخم لتثمين الثروات المنجمية

تزامنا مع هذه التغييرات، تواصل الجزائر تنفيذ برنامج وطني واسع لتطوير واستغلال الثروات المنجمية، يرتكز على مشاريع كبرى في الحديد والزنك والفوسفات والذهب، بهدف بناء قاعدة صناعية منجمية متكاملة ذات قيمة مضافة.

ويعد مشروع منجم غارا جبيلات للحديد أبرز هذه المشاريع، إذ يمتد على مساحة تفوق 40 ألف هكتار باحتياطي يقدر بنحو 3.5 مليار طن من خام الحديد، ما يجعله من أكبر الاحتياطيات في العالم. ويشمل المشروع إنشاء خط سكة حديد بطول 950 كلم يربط المنجم بمدينة بشار، مع إنتاج أولي يقدر بـ5 ملايين طن سنويا قابل للارتفاع تدريجيا، واستثمارات إجمالية تتراوح بين 2.5 و3 مليارات دولار تشمل البنية التحتية ومنشآت المعالجة.

ومن المتوقع أن يوفر المشروع نحو 15 ألف منصب عمل مباشر ضمن قوة عاملة إجمالية تقارب 20 ألف عامل، مع دوره في تعزيز تنافسية الجزائر في سوق الحديد عالميا، خاصة في ظل الشراكات الدولية التي تجمع الخبرات الصينية والتركية ضمن رؤية حكومية لنقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل القيمة.

منجم الزنك والرصاص بواد أميزور: مشروع استراتيجي للتصدير

وفي قطاع المعادن الأساسية، يبرز مشروع منجم الزنك والرصاص بتالة حمزة ووادي أميزور بولاية بجاية كأحد أهم المشاريع الواعدة، باحتياطي يقدر بنحو 53 مليون طن، ونسبة تركيز تصل إلى 5.3% من الزنك و1.3% من الرصاص.

وقد انطلق المشروع في إطار شراكة بين المؤسسة الوطنية “سونارام” وشركة “تيرامين” الأسترالية، باستثمار يقارب 400 إلى 471 مليون دولار، مع توقع بدء الإنتاج الفعلي خلال السنة الجارية. ويستهدف إنتاج حوالي 170 ألف طن من الزنك المركز و30 ألف طن من الرصاص سنويا، إضافة إلى توفير نحو 780 منصب شغل مباشر وآلاف الوظائف غير المباشرة.

كما يعتمد المشروع على تقنيات حديثة صديقة للبيئة، ويُصنف ضمن أكبر رواسب الزنك غير المستغلة عالميا، مع عمر استغلال متوقع يقارب 20 سنة، وهيكل ملكية يقوم على 51% للجانب الجزائري و49% لشركة “تيرامين”.

مشروع الفوسفات المدمج: رهان صناعي وتصديري

وفي شرق البلاد، يمثل مشروع الفوسفات المدمج بولاية تبسة والذي سيدخل قيد الاستغلال نهاية هذا الشهر أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية، حيث يهدف إلى تحويل الجزائر إلى قوة عالمية في إنتاج الأسمدة. ويضم المشروع ثلاث ولايات: تبسة للاستخراج، سوق أهراس للتحويل الكيميائي، وعنابة للتصدير عبر منشآت مينائية مخصصة.

وتُقدر احتياطيات منجم بلاد الحدبة بنحو 840 مليون طن، مع إنتاج مستهدف يصل إلى 10.5 ملايين طن سنويا من الفوسفات الخام، إضافة إلى خط سكة حديد بطول 422 كلم يربط مواقع الإنتاج بميناء عنابة. وينفذ المشروع عبر الشركة الجزائرية الصينية للأسمدة بشراكة بين مجمع “أسمدال” ومجمع “مناجم الجزائر” وشركات صينية، بما يعزز إنتاج الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية وتلبية الطلب الوطني والتصدير.

وتواصل الجزائر دفع وتيرة تنفيذ مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة ووادي الكبريت، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية الكبرى الهادفة إلى تطوير صناعة الأسمدة وتعزيز القيمة المضافة للموارد الطبيعية، في إطار التوجه الوطني نحو تقليص الاعتماد على تصدير المواد الخام وبناء قاعدة صناعية تحويلية متكاملة.

وفي هذا السياق، عقد وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب، ووزير المناجم والصناعات المنجمية مراد حنيفي، أول اجتماع تنسيقي بينهما خُصص لمتابعة مدى تقدم أشغال المشروع، والتأكيد على ضرورة تكثيف التنسيق بين مختلف الفاعلين لضمان احترام الآجال المحددة لإنجازه، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرامية إلى تثمين الثروات الطبيعية ودعم الصناعات ذات القيمة المضافة.

وشارك في الاجتماع كل من كاتبة الدولة لدى وزير المناجم والصناعات المنجمية كريمة بكير طافر، والرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك، نورالدين داودي، والمدير العام لمجمع سوناريم، رضا بلحاج، إلى جانب إطارات من قطاعي المحروقات والمناجم، حيث تم عرض مختلف مراحل التقدم المسجلة في المشروع.

وتناول اللقاء الجوانب التقنية واللوجستية المرتبطة بسلسلة المشروع، انطلاقًا من استغلال منجم بلاد الحدبة بولاية تبسة، مرورًا بعمليات تخصيب الفوسفات، وصولًا إلى مركب التحويل الكيميائي بوادي الكبريت بولاية سوق أهراس، الذي يُرتقب أن ينتج الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، بما في ذلك حمض الفوسفوريك وحمض الكبريتيك والأمونياك، وهو ما سيساهم في تلبية الطلب الوطني وفتح آفاق للتصدير.

ويُعد مشروع الفوسفات المدمج من أبرز المشاريع الهيكلية في القطاع المنجمي، نظرًا لدوره في دعم الأمن الغذائي عبر تعزيز إنتاج الأسمدة الزراعية، إضافة إلى مساهمته في خلق ديناميكية اقتصادية وتنموية عبر ولايات الشرق، وتوفير آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، بما يعكس التوجه الاستراتيجي للجزائر نحو تطوير صناعة منجمية متكاملة قائمة على التحويل والتثمين.

منجم الذهب بأمسماسة: انتقال نحو الاستغلال الصناعي العميق

وفي أقصى الجنوب، يشهد منجم الذهب بأمسماسة مرحلة تحول نحو الاستغلال الصناعي، حيث تقدر الاحتياطات الإجمالية في أمسماسة وتيرك بنحو 60 طنا من الذهب الخالص بقيمة تتجاوز 4 مليارات دولار، مع تركيز يتراوح بين 11.8 و18 غراما للطن.

وتشرف المؤسسة الوطنية للذهب (ENOR) التابعة لمجمع سوناريم على تسيير المنجم، مع خطة لإعادة إطلاق الإنتاج الصناعي العميق بحلول 2026، وصولا إلى أعماق قد تبلغ 400 متر، بدعم من شراكات دولية وتكنولوجيا متقدمة.

كما يستمر حاليا نشاط الاستغلال الحرفي عبر مؤسسات شبابية صغيرة، ساهمت في إنتاج أكثر من 128 كلغ من الذهب منذ 2021، في إطار منظومة تنظيمية تسمح بتجميع الخام وتحويله عبر وحدات المعالجة الوطنية.

توجه استراتيجي نحو تنويع الاقتصاد

في ضوء التحولات المؤسساتية وتسارع المشاريع المنجمية الكبرى، يتقاطع رأي الخبراء على أن فصل قطاع المناجم عن المحروقات يشكل خطوة استراتيجية تؤسس لمرحلة اقتصادية مختلفة، قائمة على تنويع مصادر الثروة واستغلال الإمكانات المعدنية غير المستغلة.

ويجمع المختصون على أن هذا القرار يعكس انتقال القطاع من موقع تابع إلى رافعة مستقلة قادرة على لعب دور محوري في الاقتصاد الوطني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!