وزارتان للطاقة في الجزائر.. ما هي المكاسب المنتظرة؟
قرر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أمس الأحد إجراء تغيير حكومي، بعد ترسيم سيفي غريب وزيرا أول وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، حيث انقسمت وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة إلى وزارتين مستقلتين: الأولى للمحروقات والمناجم (وزير دولة محمد عرقاب)، والثانية للطاقة والطاقات المتجددة (مراد عجّال).
يهدف هذا التقسيم الدقيق إلى تركيز المسؤوليات بشكل أكبر على كل مجال طاقوي. بمعنى آخر، يصبح لكل قطاع سياسة متخصصة وفريق عمل خبير، مما يحسن كفاءة الإدارة ويُسرّع تنفيذ المشاريع. فمثلاً، قد يتيح “وزير المحروقات والمناجم” التركيز على زيادة إنتاج النفط والغاز واستثمار الثروات الطبيعية، بينما يركز “وزير الطاقة والطاقات المتجددة” على تطوير مصادر كهرباء جديدة (كالشمس والرياح) وتحديث الشبكات الكهربائية.
هذه الاستراتيجية المتخصصة تساعد في توجيه كل ديناميكية عمل نحو أهداف اقتصادية واضحة، وبالتالي دعم تنويع الاقتصاد وزيادة النمو.
فوائد التخصص والتركيز القطاعي
- زيادة الإنتاجية والاستثمار: التخصيص الوزاري يسمح بوضع خطط واضحة لكل قطاع. مثلاً، في نيجيريا أنشأ الرئيس بولا تينوبو عام 2023 وزارة خاصة بالغاز الطبيعي بهدف تنمية موارد الغاز الضخمة في البلاد، مما أدى إلى تسريع العمل في مشاريع جديدة وزيادة الالتزامات الاستثمارية في القطاع.
وبالمثل، قد تجذب الجزائر عبر وزارة مخصصة للغاز والمناجم استثمارات دولية جديدة لتنمية إمدادات الطاقة وتعظيم العائدات.
- دعم الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة: وجود وزير مختص بالطاقات المتجددة يعزز فرص الاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة. في الهند، مثلاً، تم تأسيس وزارة منفصلة للطاقة المتجددة (MNRE) وحددت أهدافًا طموحة مثل الوصول إلى 500 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول 2030، هذا الانكشاف على تقنيات الطاقة المتطورة يساعد على خلق صناعات جديدة، وتوفير وظائف خضراء، وتنمية مناطق ريفية.
- تعزيز البنية التحتية والكفاءة: التخصص الإداري يقترن بتطوير البنى التحتية. على سبيل المثال، عملت مصر – التي لديها وزارة للكهرباء والطاقات المتجددة – على توسعة شبكات التوزيع بشكل كبير، فقد ارتفعت أطوال خطوط الجهد العالي (500 كيلو فولت) من 2364 كم في 2014 إلى 6006 كم في 2020، هذا التطور البنيوي المكثف جاء بفضل تركيز الوزارة على تحديث الشبكة الكهربائية، وهو ما يؤدي بدوره إلى تأمين إمدادات طاقة أكثر استقراراً للصناعة والمنازل، وتحسين مناخ الاستثمار في كافة القطاعات الاقتصادية.
- تنويع الموارد وتقليل المخاطر: فصل قطاعات النفط والغاز عن الطاقة المتجددة يعزز تنويع الاقتصاد الوطني. فالاعتماد الزائد على النفط والغاز يعرّض الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط العالمية، في حين يفتح الاهتمام المنفصل بالطاقة المتجددة مجالًا للموارد المتجددة والأقل تقلبًا مستقبلاً (كالطاقة الشمسية الهائلة في الجنوب الجزائري). هذه الخطوة تشبه تجارب دول طاقوية أخرى رأَت فيها فصل المجالس الإدارية بين مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة فرصة للتحوّل الاقتصادي بدون تعطيل الإنتاج القائم.
تجارب دولية مشابهة
- جنوب أفريقيا (2024): في تعديل وزاري، دمجت الحكومة وزارة “الكهرباء والطاقة” وأنشأت وزارة منفصلة للثروة المعدنية والبترولية، وقد كان لهذا التعديل دور في تمكين كل وزارة من التركيز على ملفاتها، فوزير الكهرباء والطاقة يعنى بإصلاح شبكة الكهرباء وضمان الاستقرار، بينما وزيرة المعادن والبترول تركز على تطوير المناجم وحقول النفط بكفاءة.
- نيجيريا: أسست نيجيريا عام 2023 وزارة دولة مخصصة للغاز الطبيعي بشكل مستقل عن وزارة البترول، بهدف استغلال احتياطات الغاز الضخمة كـ”محرك” للنمو الاقتصادي، هذا التوجه أدى إلى تسريع تنفيذ مشروعات استراتيجية (مثل خطوط أنابيب الغاز والتوسع في محطات الغاز المسال) وجذب استثمارات جديدة، مما يدعم تحوّل نيجيريا إلى اقتصاد يعتمد أكثر على الغاز النظيف مقارنة بالنفط فقط.
- الهند: لديها عدة وزارات طاقة متخصصة (النفط، الفحم، الطاقة المتجددة، والكهرباء). على سبيل المثال، وزارة “الطاقة الجديدة والمتجددة” (MNRE) تمكنت من تحديد سياسات مستقلة لدعم الطاقة الشمسية والرياح، ووضعت أهدافًا كبيرة مثل تحقيق 500 غيغاواط متجددة بحلول 2030. أسهم هذا التخصيص في دفع نمو استثمارات الطاقة النظيفة وزيادة مساهمتها في توليد الكهرباء.
- مصر: تحظى وزارة منفصلة للكهرباء والطاقة المتجددة منذ سنوات. وقد شهدت مشاريعُها (سواء لتحديث الشبكة أو لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح) تقدماً ملحوظاً، وهو ما يؤكد قدرة الوزارة المتخصصة على تحقيق قفزات استراتيجية على صعيد الطاقة والكهرباء، مثل هذه الخبرات تثبت أن التجزئة الإدارية للقطاع الطاقي تتيح إحداث نقلة نوعية في الأداء الاقتصادي.
باختصار، تؤدي استراتيجية تخصيص وترتيب قطاعات الطاقة إلى مضاعفة التركيز الوطني على الموارد القائمة ومستجدات الطاقة النظيفة في آن واحد، مما يخدم الاقتصاد الجزائري عبر جذب استثمارات جديدة، وخلق فرص عمل، وتعزيز استقرار إمدادات الطاقة لدعم الصناعة والنمو المستدام
مراد عجال: وزير بخبرة ميدانية في قطاع الطاقة
يُعدّ مراد عجال، الوزير الجديد للطاقة والطاقات المتجددة، شخصية بارزة في قطاع الطاقة بفضل خبرته الميدانية والإدارية. يشغل حاليًا منصب الرئيس المدير العام للشركة الجزائرية لتوزيع الكهرباء والغاز “سونلغاز”، وهو المنصب الذي تولاه منذ ديسمبر 2021 خلفًا لشاهر بولخراص.
وسبق له أن تولى عدة مناصب قيادية، من بينها مدير التوزيع في مديريات تيسمسيلت، سيبوس بولاية عنابة، وسكيكدة. وفي سنة 2010، تم تعيينه على رأس مؤسسة الملكية العقارية للصناعات الكهربائية والغازية، ثم مديرا عاما لصندوق الخدمات الاجتماعية والثقافية لعمال الصناعات الغازية والكهربائية سنة 2012.
إلى جانب مساره المهني، حظي عجال بتقدير رسمي كبير، فقد أسدى له رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بتاريخ 3 جويلية 2025 وسامًا بدرجة عشير، نظير خدماته الجليلة والمشهود له بها في قطاع الطاقة، وإسهامه البارز في ترقية الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى ما يقدمه على رأس “سونلغاز” من خدمات لصالح المواطنين.
هذه المسيرة المهنية تمنحه رصيدًا مهمًا من الخبرة في إدارة ملفات الطاقة التقليدية والكهرباء، تجعل من مراد عجال شخصية مناسبة لقيادة التحول الوطني نحو الطاقات المتجددة، وتعزيز مكانة الجزائر كفاعل رئيسي في سوق الطاقة الإقليمية والعالمية.
باختصار، تؤدي استراتيجية تخصيص وترتيب قطاعات الطاقة إلى مضاعفة التركيز الوطني على الموارد القائمة ومستجدات الطاقة النظيفة في آن واحد، مما يخدم الاقتصاد الجزائري عبر جذب استثمارات جديدة، وخلق فرص عمل، وتعزيز استقرار إمدادات الطاقة لدعم الصناعة والنمو المستدام.