آه يا ربيع يا عربي!
يحقّ الآن للغرب أن يمدّ رجليه وينام قرير العينين، مطمئنا على مستقبله وماضيه ومصالحه، فلقد غرق العرب والمسلمون في فنجان النفاق والشقاق، وغرقوا في مستنقع الفتنة والاقتتال، وأصبحوا يسبحون في الدماء والعياذ بالله، ولعلّ ما يجري في سوريا ومصر، دليل على ذلك ونحن في شهر رمضان الذي تصفـّد فيه الشياطين.
لم يعد العرب والمسلمون، قادرين على حلّ عقدة من لسانهم، ولم يعودوا قادرين على حلّ مشاكلهم بأنفسهم، عن طريق الحوار والتفاوض وبالسلم والسلام، وهذا ضعف يستغله هؤلاء وأولئك لتقوية أنفسهم، ومضاعفة وتيرة بثّ السموم ونهب خيرات وثروات الشعوب.
ما يسمى “الربيع العربي” تحوّل إلى خريف تتناثر فيه أوراق الدم والهمّ والغمّ، وإلى حدّ الآن، وبعد أكثر من سنتين، لم يخرج بعد الأشقاء في مصر وسوريا وليبيا وتونس، من “الفوضى الخلاّقة” ومن الصراعات والخلافات والقلاقل التي أوصلتهم إلى مرحلة استعمال السلاح لترجيح كفـّة النزاع!
إن ما يحدث من مآس هنا وهناك من الأقطار العربية الشقيقة والصديقة، لا يُمكنه إلا أن يسرّ العدوّ، وها هم الغلابى يدفعون الثمن بالنفس والنفيس وتكون حياتهم مقابل صراعات سياسوية وشخصوية، لا علاقة لها بالمطالب الشرعية والمشروعة لغالبية المتظاهرين والمحتجين!
عندما يصبح جزء من الشعب ضد الجزء الآخر من الشعب في نفس البلد العربي المسلم، فهنا يحقّ للحكماء والعقلاء أن يلعنوا هذه الديمقراطية والتعددية والسلطة التي تتهارش عليها فئات لا تهمّها شعوبها ولا استقرار بلدانها، وكلّ أولوياتها هو أن يكون ذلك البلد الآمن خاتما في أصبعها تحكمه مثلما تريد، وتحلبه كما تشاء بعيدا عن الأخلاق والقانون!
هل من الربيع أن يستمرّ الاقتتال في ليبيا، وتستيقظ الفتنة في تونس وتعمّ الفوضى الدامية في مصر، ويتواصل الدمار والخراب في سوريا؟ وهل من الربيع أن تنتشر روائح الأموات في الشوارع والأحياء ويقتحم الرعب القلوب وتسكن الأحزان البيوت!
.. ونحن في رمضان، شهر التوبة والغفران، والصيام والقيام، على كلّ الأشقاء الفرقاء أن يعودوا إلى رشدهم ويكفيهم من الغيّ والإصرار على تخريب بيوتهم بأيديهم، يكفيهم قتل بعضهم البعض، ويكفيهم تشريد أبناء بعضهم البعض، ويكفيهم تدمير بلدانهم الآمنة المسالمة التي ستسألهم ذات يوم بأيّ ذنب خرّبوها وقتلوها ونهبوها وأحرقوها!
سيصبح هؤلاء وأولئك في يوم من الأيام، على ما فعلوا نادمين، نادمون على التكسار وإشعال النار، على الفتنة وقتل المحنـّة في الأفئدة، ونادمون على تحطيم بلدانهم التي لن يجدوا لها بديلا ولا منافسا، وسيتذكرون حينها في لحظة حاسمة: بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وقومي وإن ضنوا عليّ كرام.
بعيدا عن الخلفيات السياسية والانتخابية، وبعيدا عن حكايات “شهريار؛ التي لا تنتهي بين النظام والمعارضة، وبعيدا عن شجرة الديكتاتورية التي تغطي غابة تقنين “الحڤرة” والإقصاء والفساد، هل هكذا يتورط هؤلاء وأولئك الإخوان في قطع أرجل بعضهم البعض، عوض أن يمدّوا أيديهم لبناء أوطانهم وخدمة شعوبهم وتقوية دولهم بما لا يجعلها مضحكة في الربيع وكلّ الفصول الأربعة؟