-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشاب بدر الدين منظف جسور قسنطينة لـ"الشروق":

“أبكي مثل الأطفال عندما أشاهد القمامة في شوارع بلادي”

الشروق أونلاين
  • 1322
  • 0
“أبكي مثل الأطفال عندما أشاهد القمامة في شوارع بلادي”
ح.م
تعبيرية

المتجول في مدينة قسنطينة من مواطنين وسياح، وخاصة قرب جسورها الساحرة من جسر “باب القنطرة” إلى جسر المصعد، يشاهد أحيانا شابا في الثلاثينات من العمر، يحمل أكياسا بلاستيكية وفأسا ورفشا “بالة”، منهمكا في عمله، إلى جواره أطنان من الفضلات والقاذورات التي جمعها، وحيد منهك، لا همّ له سوى تنظيف تلك المناطق، والأغرب أنه لا يملّ ولا ييأس، حتى عندما يعود إلى ذات المكان فيرى أن الأوساخ قد عادت، فيعود إلى عمله التطوعي.
اسمه قارة بدر الدين مصطفى من أبناء قسنطينة، أصيب مطلع سنة 2025، لمدة ستة أشهر بوعكة صحية، أقعدته الفراش ومنعته عن السير، فلم يكن يخرج من بيته إلا لبضع دقائق، يمشي بمساعدة عكازين، حتى فقد الأمل في العودة للمشي، لكنه استعاد صحته في نهاية الربيع الماضي، وبعد أن تجاوز محنته الصحية، قرّر أن يحقق حلما قديما، وهو تنظيف مدينة قسنطينة ومناطقها السياحية الجميلة، من جهده وماله.

“أحلم بجزائر مضرب المثل في الجمال والنظافة”

يشتغل بدرالدين في مصنع للتعليب في ولاية قسنطينة، يُقسم وقته بين بيته، فهو أب لطفلين دون الثالثة من العمر، وبين العمل في المصنع وعمله التطوعي. جرّه المرض العضوي إلى استعمال الدراجة الهوائية لتأهيل عضلات قدميه، فصارت رفيقته البيئية، تنقله يوميا من بيته بحي بومرزوق إلى عمله أو مكان تطوعه، ويأمل في أن تتحول الدراجة الهوائية إلى أسلوب حياة وثقافة بالنسبة لعامة أبناء المدينة وبقية ولايات الوطن.
سألناه عن الدافع الذي جعله يخوض هذه التجربة، فأرانا فيديو وصله من كندا، عن شاب زار مدينة قسنطينة لأول مرة.
هذا الشاب راسل بدرالدين وأخبره بأن المدينة عجيبة ورائعة ولم يشاهد مدينة مثلها في حياته، وهو كثير الأسفار. وبعد مقال طويل جميل عن المدينة، أنهى السائح الأجنبي غزله بجملة هزت بدر الدين، مع صورة للقمامة المنتشرة في أسفل الجسور المعلقة وعلى الحواف.

“ديننا يحثنا على أن نكون قدوة للعالم”
يقول بدر الدين: “هناك أشياء عندما أشاهدها ليس في قسنطينة فقط، بل في كل مدن الجزائر، أذرف الدموع، أرى أن ديننا يحثنا عل أن نكون قدوة للعالم بإيماننا، هم من يأخذوا منّا النظام والنظافة، ولكننا، للأسف، نحن نقدم أسوأ نموذج”.
فكرة التنظيف التي ألهمته العمل الخيري التطوعي، ليست وليدة المرحلة، بل هو معروف منذ طفولته في الحي الذي يقطن فيه، يغرس الأشجار وينظف الأحياء وجوانب المدارس، وعندما اشتغل خارج المدينة لمدة قاربت 15 سنة، كان كلما عاد إلى بيته إلا وخرج ليلا يريد التنظيف وغرس الأشجار، ويختار الأماكن العامة حتى لا يحرج الناس.
يعترف السيد بدرالدين في حديثه لـ”الشروق اليومي”، عن بعض المساعدة التي تصله من مندوب القطاع البلدي بحي التوت، وبعض المواطنين الذين يشاركونه أحيانا عمله التطوعي، وما يثير فيه حماس المواصلة والتفاني، هو إيمان الكثيرين بفكرة “أن ننظف مدينتنا بأنفسنا”.
عمله في المصنع يتنوع زمنيا فأحيانا يشتغل ليلا وأخرى صباحا أو مساء، وهو يقسّم وقته، وعادة ما يصلي الصبح ويحمل المئات من الأكياس البلاستيكية السوداء الكبيرة، وفأسا ورفشا وينطلق بدراجته، مع قطعة ساندويتش أو فاكهة وماء، ولا يعود إلا بعد الظهر إلى بيته، وقد أنجز مهمة رفع القاذورات من محيط جسر أو حديقة عمومية.
أحيانا تتوقف سيارة قربه، ينزل رجل، ويشير لبدر الدين بأنه مستعد أن يُعطيه ما يريد من المال لشراء المستلزمات، فيرفض، فيهمّ هذا الرجل للمساعدة، وربما حمل أكياس القاذورات ونقلها إلى الحاويات العملاقة. وقرب المدارس تهبّ أمهات التلاميذ وحتى التلاميذ لمساعدته. يقول بدرالدين: “هذا يكفيني، الطيبون كثيرون جدا، يريدون المبادرة، ويسيرون على نهجها”.
لا يريد بدرالدين الانتماء لجمعية خيرية، فوقته لا يسمح، يرى أن الخير واجب وفرض، ورفع كيس بلاستيكي، أو قارورة مرمية في الشارع يكفي لفعل الخير.
يتمنى بدرالدين أن ينجز في قسنطينة “درب السياح”، حيث يراه الأعجوبة التي ستغير وجه الجزائر سياحيا ويتمنى أن كل حواف الطرقات في كامل الجزائر تكون مغروسة بالأشجار حتى لا يرى السائر ومستعمل السيارة غير الاخضرار، هي أمنيات قالها بدرالدين، وقد استسمحنا ليكمل تنظيف محيط جسر “الملاح” أو المصعد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!