أبو القاسم سعد الله… عالم رفض الأضواء
“إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء”، قول منسوب إلى سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، تمثلته حينما بلغني نعي شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي رحل عن عمر ناهز 83 عاما قضاها دون كلل ولا ملل طالبا ومدرسا وباحثا ومؤلفا، يصطاد جواهر التاريخ الوطني في أرجاء المعمورة الفسيحة، فما ترك عبر القارات الخمس، متحفا ولا مركزا علميّا ولا جامعة عالمية تحوي وثائق أو مخطوطات قديمة تتعلق بماضي الجزائر القريب والبعيد، وإلا وحط بها رحاله، منقّبا عن مآثر وآثار هذه البلاد التي عشقها منذ صغره، فعاش صوفيا متبتلا في محراب تاريخها التليد، ينفض عنه غبار الطمس والنسيان والتنكر، ولأجل تلك المهمة الجليلة التي تفرغ لها بإخلاص، رفض كل المناصب السياسية والمسؤوليات الرسمية التي تصرفه عن همّه النبيل، فقدم للجزائر بمفرده وجهده الشخصي ما عجزت كافة المؤسسات العلمية عن إنجازه طيلة عقود، ويكفيه شرفا وفخرا أنه جمع بعد سنوات طويلة من البحث والتمحيص “تاريخ الجزائر الثقافي” في تسعة مجلدات، وهو الحقل المعرفي السحيق الذي لم يطرقه سواه، لأنه خشي أن يجهل العالم إسهام الجزائر الثقافي في مجرى الحضارة الإنسانية عندما يُقرن تاريخها فقط بالبطولات الحربية والثورات العسكرية عبر القرون.
لا أظنّ أن رحم الجزائر ستلد رجلا آخر في مقام هذا العالم الكبير، ففقدانه اليوم هو ثلمة غائرة ستتهدم على أنقاضها عرى عديدة من تاريخ الجزائر، مع هذه الرفعة السامية والمشوار الحافل بالعطاء، فقد تميز الرجل بأخلاق العلماء الكبار الذين يتسمون بالتواضع ونبذ الشهرة والهروب من الأضواء التي لاحقته باستمرار، لكنه كان أسمى من الوقوع في درك الغرور وتقديس الذات.
زرته في شهر مارس من عام 2007 في مكتبه بالمركز الوطني للبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، بأعالي الأبيار، وجدته عند مدخل الباب ينتظرني في الموعد المحدد بالدقيقة، لأنه لا يستقبل ضيوفه وهو جالس فوق أريكته على طريقة المسؤولين، بل ينهض من مكانه ويتقدم للترحيب بزوّاره احتراما لهم، صافحته ثم هممت بتقبيل ناصيته كما يفعل الناس عندنا احتفاء بأهل العلم، فرجع قليلا للخلف، وأبى عليّ ذلك، ثم خاطبني “أعزّك الله يا بني”.
جلست إلى جنبه ثلاث ساعات كاملة، وتشعّب بنا الحديث الشيق عن أبحاثه ومؤلفاته ومسيرته العلمية، من مسقط الرأس بمدينة قمار إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مرورا بالزيتونة والأزهر وبغداد، لكني وجدت نفسي أمام عالم يتحفظ جدا في الحديث عن ذاته، فكنت المتحدث وهو المستمع!، وأقصى ما يهمس به، هو أن يؤكد معلومة أو يصوّب أخرى، ولم يتلفظ طيلة المجلس الذي جمعنا بكلمة واحدة، لا بالفرنسية ولا بالانجليزية ولا بالفارسية ولا بالألمانية، وهي اللغات التي أتقنها جميعها بهدف التمكن من الغوص في أعماق التاريخ الوطني، بل كان حريصًا على الكلام العربي الفصيح، وإن شذّ عن ذلك، نطق بلهجة محليّة من واد سوف، ما زال يرطّب بها لسانه الذي لم يتبدّل بعد 60 عاما من الغربة.
وفي غضون ذلك المجلس الطيب الذي سكب عليه من عطر روحه الزكية بنفحات العلم، أبلغتُ عالمنا الجليل أنه قد وقع عليه الاختيار من طرف اتحاد الطلبة لنيل “وسام الاستحقاق السنوي”، كأهم شخصية جزائرية خدمت الثقافة، وأن عليه حضور مراسيم الحفل البروتوكولي لاستلام الوسام الذي سيغطيه التلفزيون وتشارك فيه شخصيات حكومية، لمحت التأثر الواضح في نظرات عيونه، شكرني على المبادرة، لكنه رفض أن يشاركنا الاحتفالية، مؤكدا لي أنه لا يستحق التكريم جزاء خدمته للثقافة!، ثم اعتذر بلباقة، قائلا إن وقته لا يسمح بذلك، وحتى لا يحملني على العودة بخفيّ حنين، فأخرجُ من عنده منزعجا، أبدى لي عمدة المؤرخين الاستعداد لتقديم محاضرة مفيدة للطلبة في مناسبة أخرى، ما جعلني أفهم أن الرجل لا يحبّ الأضواء ويتحاشى مجالس المديح والثنايا، وقتها صدقت فعلا تلك الرواية المتداولة على نطاق واسع، والتي مفادها أن الدكتور أبو القاسم سعد الله رفض رفضا قاطعا أن يتولّى شؤون وزارة الثقافة بعد إلحاح شديد من المرحوم قاصدي مرباح، إنها أخلاق العلماء الكبار الذين يتواضعون بسموّ منزلتهم، ولا تزيدهم شهرتهم إلا تقديرا وتشبّثا بمكانة ونزاهة وشفافية رجل العلم الخالص.
رحم الله الشيخ سعد الله، وعوض الجزائر في مصيبتها وتاريخها خيرا.