أبو القاسم سعد الله.. مفخرة الجزائر في هذا العصر
لم أحزن على أحد مثل حزني على الأستاذ الكبير أبو القاسم سعد الله الذي أحيا الله به الجزائر من خلال عشرات الكتب التي دوّنها وحقّقها ونشرها، والذي نفخ الروح بقلمه في صفحات تاريخها المجيد، فهو مؤرخ الجزائر بلا منازع ومعلي رايتها بين الأمم، ومثله لا يتكرر إلا مرة في القرن أو أكثر، ويكفيه فخرًا موسوعته “تاريخ الجزائر الثقافي” التي تنوء بها العصبة من المؤرخين والباحثين، وهي الموسوعة التي جعلت الجزائري يرفع رأسه عاليًا في سماء الفكر والثقافة، ويفخر بتاريخ أجداده وبلاده. فهل يكفي أن نصف الأستاذ بـ”حارس ذاكرة الجزائر” أو “شيخ المؤرخين الجزائريين” أو “مؤرخ الأجيال” أو “مؤرخ الجزائر الكبير”؛ فهو في الحقيقة فوق أي لقبٍ وفوق أي تكريمٍ.
عرفتُ الفقيد فعرفتُ التاريخ وأحببته، عرفتُ الأستاذ من خلال كتبه وعشتُ معه فيها بروحي ومشاعري، لا تمر عليَّ بضعة أيام دون أن أقرأ في أحد كتبه أو أبحث فيها عن أمر يشغلني أو عن مسألة تؤرقني، فلا أهدأ ولا أسكن حتى يشفي غليلي “سعد السعود” – كما كان يدعوه الإمام البشير الإبراهيمي -.
قرأتُ “يومياته” التي نشرها تحت عنوان “مسار قلم” فعرفته أكثر وأحببته أكثر؛ فرحتُ لفرحه وحزنتُ لحزنه، وتنقّلتُ معه بين الجزائر والقاهرة وأمريكا وفرنسا والأردن، كنتُ معه مقيمًا ومسافرًا، وشاركته أحلامه وأبحاثه، رافقته طالبًا مميّزًا ثم أستاذًا وباحثًا مبرِّزًا، رأيته شابًا وكهلاً وشيخًا، كما رأيته ابنًا وزوجًا وأبًا.
ومن آخر كتب الأستاذ الذي طبعتْ في حياته كتاب “حبر على ورق” (عالم المعرفة 2012)، وهو عبارة عن مقالات متنوِّعة نُشرت متفرِّقة في الزمان والمكان، فجمع سعد الله شملها بين دفتي كتاب واحد، يجد القارئ نفسه بين مقالات فكرية وذكريات عن شخصيات، وجولات ومشاهدات.
ومن أمتع ما في الكتاب حديث الدكتور عن رحلاته إلى أدرار وتندوف وغرداية والأغواط، لما فيها من صورة شيخ كبير لم يمنعه التقدم في العمر ولا المرض من الاستزادة من العلم والمعرفة بدل الركون إلى الراحة.
في المقدِّمة يُحدثنا “قدوة الباحثين الجزائريين” عن منزلة الكتابة من نفسه فيقول: (قلمي لا يهدأ له بال، ولا يستقر له بلبال… فالكتابة عندي هي دوائي وهي دائي، هي غذائي وهي هوائي، فإذا كتبتُ رضيتُ عن نفسي وإذا لم أكتب سخطتُ عنها ومرَّ اليوم كأنَّه سُرق من عمري)، إيه يا شيخنا يا ليت شباب الكتَّاب يقرؤون كلماتك، بل يا ليتهم يسمعون آهاتك .
وفي ختام المقدِّمة أهدى الدكتور الكتاب إلى أبناء جيله من الأحياء الذين استكانوا للراحة أو المرض وطلَّقوا القلم والقرطاس قائلا: (أهدي إليهم هذا الكتاب الذي سيقول لهم: اكتبوا حتى بأهدابكم وأظافركم إذا لم تُطعكم أقلامكم، ثم اذهبوا إلى ربِّكم وأنتم راضون أنكم قُمتم بمهمتكم الفكرية والإنسانية، ولكم مني كل التمنيات) اهـ، فبهذا القلم السيال وهذا الفكر الجوّال ساد الأستاذ ونبغ وتميّز، فرحمه الله رحمة واسعة.
ثم لا يمكن أن نتحدث عن الأستاذ سعد الله ونغفل أمرا مهما وهو: ذوقه الرفيع في اختيار ووضع عناوين كتبه، حتى أصبح متفرِّدًا في هذا عن غيره من الكتّاب؛ ولا شك أن العناوين المميَّزة تُوحي بالمضامين المميَّزة، فإن ذلك: “أفكار جامحة، خارج السرب، مجادلة الآخر، حاطب أوراق، حصاد الخريف، حبر على ورق، مسار قلم…”، ولا عجب فسعد الله يُعدُّ أديبًا وشاعرًا قبل أن يكون مؤرخًا، وكم هم جميل حين يكون المؤرخ أديبًا؟!!
وبعد، فقد مات سعد الله بجسمه المادي الفاني ولكن سعد الله الذي عرفتُ حيٌّ لم يمت، فهو حيٌّ معي من خلال كتبه التي تملأ عليَّ حياتي ومكتبتي، وعزائي أن العظماء لا يموتون بل هم أحياء بيننا بمآثرهم وآثارهم… رحم الله أستاذي الكبير وشيخي الجليل، وجزاه عني وعن الجزائر والجزائريين خير الجزاء، وجعل كل ما قدّمه من عملٍ وكل ما بذله من جهدٍ في ميزان حسناته.