أبو عمار.. قائد نموذجي لشعب لا ينكسر
أبو عمار.. رجل المعارك والأهوال، المقاتل والفدائي والسياسي الذي لا يشق له غبار.. أب الوطنية الفلسطينية وصانع مؤسساتها وحافر خنادق المقاومة والهجوم.. لم يأت إلى صفوف قد انتظمت وأوضاع قد استقرت بل جاء ليبني الكيان السياسي ويصنع معالم الطريق ويرسم خريطة الوطن في عقله وضميره وعقل الشعب وضميره ثم وبروح المهندس العبقري ذهب ليجعلها واقعا في حياة الناس..
في قضية مثل فلسطين ليس صعبا أن تكون مرابطا فالمكان موحي بالعشق والنبل والقداسة ويصبح الرباط مسألة تلقائية لكل من تنفس عبير فلسطين واكتحلت عيناه بأرضها المباركة فهنا مقام النبي فلان وهنا ضريح الصحابي فلان وهنا مقام الولي والإمام فلان وهنا الخليل هنا ابراهيم عليه السلام.. هنا سارت خطوات محمد بن عبدالله من حائط البراق إلى قبة الصخرة وهنا احتشد الأنبياء جميعهم ليصلوا خلف الرسول الاكرم عليه وآله الصلاة والسلام.. وهنا ليس بعيدا خطوات المسيح عيسى بن مريم يجوب أزقة القدس يصدع بأمر ربه فيطارده يهوذا ويوشي به للرومان ليقتلوه.
ليس صعبا أن تكون في تلك الربوع مرابطا فالرباط هناك شرط آدميتك ولكن ما اصعب ان تكون قائدا.. أن تكون قائدا يعني ان تكون على وعي بالعالم كله وبكل قوى الشر فيه وأن تبسط ذراعيك لكل قوى الخير في العالم لأن المعركة هنا هي معركة الخير ضد الشر انها معركة الانسانية ضد العنصرية..
من هنا تكون صعوبة القيادة الاساسية.. لان القيادة في فلسطين تعني ان تكون مقداما بمستوى شعبك عنيدا بمستوى جبال الخليل وهدير بحر عكا بمعنى ان تكون بمستوى عبقرية التاريخ في تحويل الجغرافيا الى اساطير مقدسة ملهمة .. ان تكون قائدا في فلسطين يعني ألا تعرف ان لك خصوصيات وليس لك إلا وجه فلسطين تفتخر به وتعتز.. في فلسطين شعب حساس ونابه يميز فورا بين الاشياء والاشخاص ويحدد موقفه بجلاء فلا حب الا لمن تجرد له ولا ولاء إلا لمن كان في الصف الاول فيه ولا ثقة له إلا فيمن رفع شأنه وحافظ على كرامته وكانت فلسطين عشقه الأبدي.
إنها ثنائية صعبة.. ومن هنا جاءت صعوبة أن يرتقي الآخرون الى مستوى قيادة فلسطين ليس لعيب فيهم او خلل انما لان فلسطين فرس جموح لا يستقر على صهوتها الا من امتلك من اليقين ما يسكن عظام الكرام البررة الفاتحين الاولين والمحررين اللاحقين..
وهنا يسرع الاشفاق على كل من تجشم عبء القيادة في فلسطين فهو لن يبلغ مرماها إلا شهيدا او سجينا او متفجرا او مقصوفا بصواريخ شديدة التفجير ..اما ان يبقى مع الشعب من موقع لموقع ومن هضبة لواد فذلك كان فقط لياسر عرفات.
عرفات قال يوما: الجزائريون ارسلوني الى الامم المتحدة بطائرة جزائرية وطاقم امن جزائري وفي مرحلة كانت الجزائر تترأس مجلس الأمن، لأن الجزائر احبت ان تقول إن فلسطين شأن جزائري خالص.. رحم الله أبو عمار ورحم شهداء فلسطين والجزائر وحيا الله السائرين على خطى التحرير.. تولانا الله برحمته