-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تزيل الستار عن عائلة من ستة معاقين تحدّوا الفقر والمرض

أب يصنع من أبنائه المعاقين معجزة تحدّ وتفوّق أدهشت الأصحاء

الشروق أونلاين
  • 1678
  • 1
أب يصنع من أبنائه المعاقين معجزة تحدّ وتفوّق أدهشت الأصحاء
ح.م

عندما تفكر في زيارة عائلة “خبوط” في مدينة سيدي خالد غربي ولاية أولاد جلال، عليك أولا، أن تتحلى بالجلد والصبر وقوة تحمل لما تشاهده، لأنك كلما أردت أن تغمض عيناك عن معاناة هذا الابن إلا وأنساك ابن آخر، في معاناة الأول، وكلما حاولت ان ترتاح مع تحدّي وصبر هذا الولد، أدهشك صبر وتحدي الآخر، في دوامة اجتماعية وصحية غريبة، تحتاج فعلا ليد تمنحها بعض الإعانة نعم بعض الإعانة المعنوية، على حد تعبير رب الأسرة عمي لخضر الذي ابتلاه الله بستة أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، بين إعاقة الحركة والبصر، يسبحون.
ففي منزل حباه القدر بأن يتوسط المسافة بين مسجد بلال بن رباح ومسجد الشيخ عمر الشريف بسيدي خالد،يستقبلك منزل السيد خبوط لخضر بن أحمد، وهو منزل بناه المحسنون لهذه العائلة، في هذه المدينة، ليتحوّل مع مرور السنين إلى رمز للابتلاء وقوة الصبر وأيضا للإرادة والعزيمة.
عمي لخضر، هذا الأب الفقير الصابر المحتسب رُزق بأبناء جميعهم معاقون منذ الصغر، إمّا بصريا أو حركيا، ولكن هذه الإعاقة وتلك الظروف الاجتماعية القاهرة، لم تزد هذا الوليّ إلا إصرارا على بذل كل الجهود اتجاه أبنائه المعاقين من حيث التربية والتعليم والرعاية الاجتماعية،ليصبحوا قدوة لأقرانهم الأصحاء، في التحدي والتفوق الدراسي، بل حتى التميز من حيث الإبداع الفني، ومنهم الابن الطيب لا سيما في الإنشاد الديني والتجويد والترتيل والأذان، رغم الظروف الاجتماعية القاسية جدا، وقلة حيلة الأب، أمام هول التحديات المادية والمعنوية التي قد يعجز عن تحملها الأشداء المقتدرون من الأثرياء.

أبٌ اجتمعت فيه كل قوى الصبر أمام الابتلاء
من أقدار هذه العائلة أن الابن فيها يولد ضريرا،ثم يولد بعده طفل سليم معافى، ولكن من مشيئة الله وحكمته أن هذا الطفل السليم سرعان ما يبتلى بعد سنوات قليلة جدا بالإعاقة الحركية، ولكن هذه الإعاقة لم تكن يوما عائقا أمام هؤلاء الأبناء أو أمام والدهم عمي لخضر لكي يجعلهم يعيشون حياتهم مثل غيرهم من الأصحاء.
فهو كما يقول يحرص على أن يُدخل أبناءه الكتاتيب أولا، ليحفظوا ما تيسّر من القرآن، وإن أمكن حفظه كاملا، ثم يواصل حرصه من خلال تدريس أبنائه ثانيا، متحملا أعباء ذلك ماديا ومعنويا، خصوصا في غياب مدرسة خاصة بالمكفوفين بمدينة سيدي خالد، أو حتى ولاية اولاد جلال قاطبة، وبُعد المؤسسات التربوية من مسكن هذه العائلة الفقيرة والبسيطة جدا.
ومن ثمار جهد هذا الوليّ ومعه الزوجة الكريمة الصابرة المحتسبة نجد الابن زكرياء خبوط الذي تحدى إعاقته الحركية، وواصل دراسته على كرسي متحرك، إلى غاية مستوى ثالثة ثانوي، والابن إسحاق المعاق هو الآخر حركيا، الذي يعاني اليوم كثيرا في التنقل إلى متوسطته، وهو تلميذ متفوق في السنة الأولى متوسط، الذي استطاع هذا العام وبعد سنوات من المعاناة والانتظار الظفر بكرسي متحرك قديم، وبلا بطارية تحركه، وهو يعتمد عليه حاليا للتنقل لمزاولة دراسته بعد أن ظلّ يعاني لسنوات.
ونفس الشيء ينطبق على الابن عبد الباسط وهو الضرير المتمدرس حاليا في السنة الأولى ابتدائي، بمدرسة طه حسين للمكفوفين في بسكرة، فهذا الابن الأصغر الذي لا تزيد سنه عن سبع سنوات، أجبرته ظروف إعاقته على أن يبتعد عن عائلته في هذه السن، فهو يزاول الدراسة بنظام داخلي ببسكرة بعيدا عن مسقط رأسه، بمئتي كلم ذهابا وإيابا، ولكم أن تتصوروا عودته إلى بيته أو رحلته إلى مدرسته، برفقة شقيقته حفصة الضريرة التي تدرس في السنة الثالثة متوسط فتلعب معه دور الأم والأخت الكبرى والمساعدة وهي لا ترى شيئا.
وفي مدينة بسكرة وبجامعة محمد خيضر لا يزال ابن آخر لهذه العائلة، يزاول دراسته الجامعية، إنه بلال خبوط المعاق حركيا، الذي يتحدى هو الآخر إعاقته على كرسي متحرك قديم وبلا بطارية، ليصل إلى مستوى السنة أولى جامعي بكلية العلوم الإنسانية.
والمؤلم، أن هذه العائلة فقدت البنت الكبرى لها بعد أن دهستها شاحنة في سنوات قليلة ماضية، حيث عجزت عن تفادي سرعة الشاحنة المجنونة بسبب إعاقتها الحركية، وهي الذكرى الأليمة التي ينام ويصحو عليها عمي لخضر وزوجته الطيبة الصبورة.

الابن الطيب.. إعاقة وعالمية في التجويد والإنشاد
عائلة خبوط لخضر بن أحمد، رزقت بابن تحوّل مع مرور السنين إلى موهبة عالمية حقيقية بشهادة ذوي الاختصاص في مجال الإنشاد الديني والأذان والتجويد والترتيل وتقليد مشاهير المقرئين في العالمين العربي والإسلامي. الطيب من مواليد 18 أفريل عام 1999 بسيدي خالد، التحق بمقاعد الدراسة بصفة نظامية، بعد التحاقه بمدرسة طه حسين للمعاقين بصريا، بعاصمة ولاية بسكرة، ثم واصل دراسته في الطور المتوسط، وخلال هذه المرحلة من عمره بدأت مواهبه تظهر من خلال القدرة الفائقة على تقليد مشاهير القراء، من أمثال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وقد سمحت هذه الموهبة للطيب بالمشاركة في عدة مسابقات محليا في البداية، ومن ذلك مسابقة ترتيل القرآن الكريم، المنظمة سنة 2012 بالزاوية القادرية ببسكرة، وقد تمكن الطيب وعن جدارة واستحقاق من الفوز بالمرتبة الأولى ولائيا، وهي الجائزة التي حفزته على الانطلاق نحو مواصلة التألق في هذا المجال، وبعد نيله شهادة التعليم المتوسط عاد إلى مسقط رأسه ليدرس في ثانوية الشهيد البطل شقرة بن صالح، وفيها نال شهادة البكالوريا في شعبة آداب وفلسفة عام 2018، وخلال السنوات التي قضاها في الطور الثانوي، كان الطيب دائم الحضور في الأعياد والمناسبات الوطنية والدينية، منشطا ومنشدا ومرتلا للقرآن الكريم ومشاركا في المسابقات التي تنظم في هكذا مناسبات.
وفي كل مرة كان يشد الانتباه بصوته العذب الشجي الصداح، وبعد انتقاله إلى الجامعة نال عن جدارة واستحقاق شهادة الليسانس من كلية علم النفس تخصص عمل وتنظيم، كما واصل دراسته ونال شهادة الماستر 2 وبتقدير امتياز وبمعدل 18.5 من عشرين. وفي الجامعة استغل الطيّب خبوط الفضاءات والإمكانيات المتاحة لتطوير مواهبه، وتوسيع أفقه، من خلال مشاركاته الكثيرة مع العديد من الجمعيات الوطنية والمحلية، منها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما شارك في العديد من المسابقات منها مسابقة مزامير داوود لينال المرتبة الأولى في ماي من عام 2022م وقبلها المرتبة الخامسة وطنيا في تلمسان في أواخر رمضان عام 1443هـ، والمرتبة الثالثة وطنيا في الإنشاد.
كما كانت له تسجيلات إذاعية وتلفزيونية وطنيا وحتى دوليا، كما استطاع الطيب فتح قناة خاصة به على اليوتوب ومشاركته من خلالها في مسابقة دولية. ولأن موهبة الطيب كانت مميزة في مجال الإنشاد، انتقل مؤخرا إلى الاحترافية في هذا المجال من خلال أداء قصائد رائعة لشعراء مميزين من داخل الوطن وأيضا من الدول العربية مثل قطر وتونس وفلسطين والعراق والمملكة الأردنية الهاشمية وسوريا ومصر. ورغم قلة الإمكانيات إن لم نقل انعدامها استطاع هذا المنشد من إصدار أول ألبوم إنشادي له، صدر منه لحد الساعة أنشودة “جوهرة الخليج”، وهي قصيدة وطنية حماسية من بحر الهزج للشاعر الجزائري علي مويسات التي تغنى فيها بدولة قطر الشقيقة، إضافة إلى قصيدة سيد الشهور، التي أبدع فيها الطيب بصوته، تمجيدا لشهر رمضان المبارك، والقصيدة كانت للشاعر الجزائري الكبير مصطفى بورتاتة، كما أنشد الطيب خبوط أيضا قصيدة “قمر في علياء المجد” للشاعر القطري محمد السادة”.
وفي كل هذه القصائد، أظهر المنشد الطيب خبوط قوة صوته وعذوبته فهو يدغدغ المشاعر ويدخل القلب بلا استئذان. وفضلا عن هذا الإبداع الإنشادي نشير إلى أن الطيب خبوط برع أيضا في موهبة تقليد الأصوات والتعليق والومضات الإشهارية التي شارك فيها في بعض القنوات التلفزيونية العالمية، وفي كل مرة يبدع هذا الموهبة العالمية مما جعل المختصين يتوقعون له مستقبلا زاهرا في هذا المجال لو وجد اليد التي تأخذه نحو التألق أكثر وطنيا وحتى عالميا.

أما آن لعائلة خبوط أن تنعم بظروف أفضل؟؟
ونحن نغادر مدينة سيدي خالد، انهالت علينا حكايات من دون نهاية، حول عائلة خبوط بمعاناتها ومواهب أبنائها، وجدنا أن الجميع يشترك في اعتبار هذه العائلة مثلا ورمزا حقيقيين للتحدي والصبر، كما أن الجميع يؤكد أن الظروف التي تعيشها هذه العائلة، ومنذ سنوات طويلة وإلى اليوم، هي ظروف قاسية وصعبة جدا ماديا ومعنويا، فكل ابن منها يحتاج إلى ميزانية، فما بالك كل الأبناء الست المعاقين بل والعائلة ككل، وربّ هذه العائلة المكافحة ومعه زوجته الكريمة يستحقان التكريم حقا، من خلال التفاتة جادة وواسعة من قبل الهيئات المعنية أولا، ومن طرف المحسنين والمقتدرين ماديا، فكل من تحدثنا معهم يؤكدون أن عائلة خبوط وخاصة الوالد السيد لخضر يستحقون عيشا وحياة أفضل، بعد سنوات طويلة من التعب والمعاناة، فالظروف الاجتماعية التي عاشها ويعيشها حاليا عمي لخضر، هي قاسية جدا، ليضاف إليها ظروف أبنائه المعاقين، فكل هذه الصعاب تحمّلها هذا الرجل القوي بإيمانه وبعزيمته، ولكنه ومع تقدمه في السن لم يعد يقوى على تلك الصعاب خصوصا ماديا، في ظل الظروف الحياتية الحالية التي أصبحت تتطلب الكثير، وأبناؤه المعاقون ازدادت متطلبات حياتهم، وما يمنح لهم من منح الإعاقة لم تعد تكفي لتلبية ما يحتاجه الأبناء وما يتطلعون إليه في يوم واحد.
فأي التفاتة طيبة من المحسنين وأصحاب المال والأعمال قد تغير من حال هذه الأسرة الفقيرة، التي استطاعت رغم كل شيء أن تهدي مدينتها سيدي خالد وولايتها أولاد جلال وللوطن الجزائر منشدا عالميا وموهبة محاطة بإخوة متفوقين، كما وهبت هذه العائلة للجميع أيضا أبناء متمدرسين نجباء كانوا دوما مثلا وقدوة لبقية التلاميذ وفي كل الأطوار من حيث الصبر والمثابرة والنجاح، رغم كل شيء. والسؤال المطروح حاليا من قبل كل من تحدثنا معهم في مدينة سيدي خالد الكرماء أهلها، هو: “أما آن لعائلة خبوط أن تنعم بظروف حياتية أفضل” ؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • سعد

    المعجزات خاصة بالأنبياء فقط، والله من وراء القصد