أجنة.. أشلاء وجماجم ممنوعة من الدفن
تعتبر مصلحة حفظ الجثث من أكثر الأماكن التي تشكل رعبا لدى الكثيرين، بل هي منطقة الخوف التي يتفادى الكثير من الزائرين للمرضى في المستشفيات الاقتراب منها، خاصة أن رائحة الموتى تعم أرجاء المكان وتبعث في النفس الكثير من الفزع، الشروق زارت أكبر مصلحة لحفظ الجثث في الجزائر بالمستشفى الجامعي مصطفى باشا، ورصدت حكايات رافقت بعض الجثث وأحداثا كانت المصلحة شاهدة عليها لتكون بذلك صفحة من تاريخ الجزائر.
انتابتني حالة من الخوف وأنا أهم بدخول مصلحة حفظ الجثث، وشعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي بمجرد أن وطئت قدماي عتبة المصلحة، لولا حب الاطلاع الذي دفعني لتجاوز تلك “الرهبة”، وكانت رائحة الموتى التي تنبعث من المبردات تعم أرجاء المكان…
طرائف وغرائب الجثث…
رغم أن الموت “مر” إلا أن بعض الجثث تحمل معها القليل من الطرافة والغرابة، على غرار إحدى الجثث التي استقبلتها المصلحة، والتي كانت لرجل تقدمت ثلاث نساء للمصلحة لاستلام جثته وأعلنوا أنهن زوجاته، وهنا وقع البروفيسور في حيرة لمن يقدم الجثة، فاستدعى الأمر تدخل وكيل الجمهورية أمام الشتائم وعبارات السب التي أمطرت بها النساء الثلاث صاحب الجثة الذي ارتبط بهن من دون أن يخبر ولا واحدة منهن بحقيقة زواجه من الأخرى، واللواتي خلقن فوضى في المصلحة وهن يصرخن ويوجهن عبارات الإهانة للجثة الهامدة.
حادثة أخرى لجثة بلغ وزنها نحو 350 كغ كنا شاهدين عليها في المصلحة لم يستوعبها المبرد نظرا لضخامتها، ما دفع بالموظفين هناك لربطها كليا ووضعها في قاعة التشريح وتشغيل جميع المكيفات حتى لا تتعفن الجثة، وهو ما يحرصون عليه جيدا حسب تصريحات البروفيسور بلحاج، كما أننا لاحظنا عند خروجنا أن عائلة المتوفى أحضرت صندوقا خاصا صنع لأجله ليستوعب حجم الجثة الضخمة.
جماجم وأجنة لم تتجاوز بضعة أشهر
ونحن نجول في المصلحة لاحظنا وجود بعض الجماجم والأجنة، التي أخبرنا العون عنها أنها تستعمل في التشريح وكذا بغرض الكشف عن الحمض النووي وكانت الأجنة موضوعة في علب زجاجية بطريقة تبعث “الرهبة”، كما تذكر بعظمة الخالق.
وقال البروفيسور بلحاج عن الأجنة إنها نتاج عن عمليات إجهاض وتمكث بالمصلحة أكثر من شهرين بغرض التحقيق والبحث عن الأم أو الأب من خلال فحص الحمض النووي، وهي أجنة يعثر عليها في غالب الأحيان مرمية في الشوارع والمزابل، وبالنسبة إلى الجماجم فتخص ضحايا عمليات القتل والموت.
جثث منسية ترقد منذ أكثر من عام
قال المتحدث ذاته إن المصلحة تحتضن عددا من الجثث المنسية التي تقبع فيها أكثر من عام، وهي في غالب الأحيان لأشخاص مشردين أو مرضى عقليا تخلى عنهم أقاربهم، وهي الجثث التي تبقى في المصلحة إلى حين اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة والتحقيقات القضائية، التي تستغرق وقتا كبيرا، لذا تمكث هذه الجثث في المصلحة إلى حين إصدار تعليمات بدفنها في حال تعذر على الجهات المعنية الوصول إلى أقارب الضحية، قائلا إن الموتى لا يسببون مشاكل بل الأحياء هم من يتسببون في ذلك، لذا لا يزعج القائمين على المصلحة أمر بقاء الجثث مدة طويلة فقط من الناحية الإنسانية لأن إكرام الميت دفنه، مشيرا إلى أن مصالحهم هي من تتكفل بدفنها في مقبرة العالية مع تسجيل عبارة جثة مجهولة الهوية وبيانات الوفاة مثل جنس الميت وتاريخ وفاته.
المصلحة تعتبر شاهدة على تاريخ الجزائر
كشف البروفيسور بلحاج أن المصلحة شهدت جميع أحداث الجزائر بما فيها الاعتداءات الإرهابية، وكذا الكوارث الطبيعية على غرار فيضانات باب الواد والزلازل، وهو ما جعلهم يستقبلون أشلاء وأعضاء ممزقة، في صور تبقى راسخة في أذهانهم وأثرت في نفسية الكثير من الموظفين الذين كانوا شاهدين على هذه الأحداث، خاصة أشلاء الأطفال الصغار، الذين يؤثرون كثيرا في نفسيتهم خاصة وسط عويل الأمهات ونحيب أفراد العائلة، الأمر الذي يلازمهم في عملهم، كما أنها من أصعب اللحظات التي يعيشونها في هذا المكان الغامض .
أكبر مصلحة في الجزائر تضم نحو 40 جثة
قال البروفيسور “رشيد بلحاج” رئيس مصلحة الطب الشرعي إن مصلحة حفظ الجثث بالمستشفى الجامعي لمصطفى باشا تعد أكبر مصلحة لحفظ الجثث على المستوى الوطني، حيث تضم نحو40 جثة، وتستقبل أكثر من 11 جثة يوميا، وتعمل على مدار 24 ساعة بنظام المناوبة.
وأضاف بلحاج أن المصلحة المعنية هي أول مصلحة تعتمد على نظام الإعلام الآلي في طريقة حفظ البيانات والمعلومات الخاصة بالجثث، تحتوي على نحو 40 ثلاجة، وقاعة للتشريح وقاعة لتغسيل الموتى وتكفينهم يشرف عليها متطوعون ومتطوعات، مؤكدا أنهم يحرصون على النظافة وعلى التخفيف من رائحة الموتى، وذلك من خلال تهوية النوافذ.
الموظفون في المصلحة.. كوابيس وهواجس وأناس يتجنبونهم
تحدثنا إلى “عباس موسى جلول”، هو موظف في المصلحة منذ نحو 33 سنة، فقال إنه في بداية عمله كان يصاب بحالة من الاكتئاب كلما حضر عملية التشريح، بل يتفادى الحديث إلى أفراد عائلته، وهو السلوك الذي ظل يلازمه طيلة هذه السنوات، حيث أصبح انطوائيا ومدمنا على التدخين والقهوة حتى ينسى الصور المؤلمة التي يشاهدها أثناء عملية التشريح لأعضاء ممزقة، وبعض الجثث المنكلة بوحشية، وهي الصور التي ترافقه أينما حل وأصبحت تشكل له هواجس وكوابيس.
وأكد عباس أن الكثير من الأشخاص الذين يلتقيهم ويعرفون أنه يعمل بمصلحة حفظ الجثث يتجنبون مصافحته والحديث إليه، بل يتهمه البعض بتعاطي المخدرات والمسكرات.
وبكيت عدة مرات وأثرت فيّ جثة جارتي التي كانت ستزف
وقال عباس إن عملهم يستدعي الكثير من الشجاعة فضلا عن برودة الأعصاب، حيث قال إنهم يخضعون لفحوصات في طب العمل كل عام ويعرضون على أطباء نفسانيين للتخفيف عنهم قليلا، مشيرا إلى أن أكثر الأحداث التي أثرت فيه كان اعتداء قصر الحكومة، الذي كان فيه شاهدا على أشلاء وأعضاء ممزقة، إلا أن صورة جارته التي كانت ستزف إلى بيت عريسها أسبوعا بعد الحادث أثرت فيه كثيرا، قائلا إنه لم يكن يعلم أنها هي حتى رأى عائلتها، وأضاف أن الموظف يمكن أن يستقبل أحد أفراد عائلته في أي لحظة، مؤكدا أنه بكى عديد المرات مع العائلات التي تتقدم إلى المصلحة بغرض استلام جثث مفقوديها، كما أثرت فيه الكثير من حالات الانتحار.

