أجهزة ”جي بي أس” أعدها سياح أجانب تباع في السوق السوداء
فشلت التدابير القانونية الجديدة التي اعتمدتها الحكومة منذ عام ونصف لفرض رقابة أمنية على تسويق واستخدام الآلاف من أجهزة “جي بي أس”، لتحديد الموضع عبر القمر الصناعي، يجري تداولها دون أن تكون هي أو أصحابها مقيدين في سجلات الجرد الرسمية، التي أصبح القانون يلزم المتعاملين في مجال استيراد وتسويق وتركيب هذه التجهيزات أن يستصدروا رخصة خاصة لمن يطلبها، ويودعوا لدى مصالح الأمن نسخا من سجلات الجرد التي تضم كل البيانات الدقيقة والمؤكدة للزبائن من الأشخاص والهيئات الذين يقتنون تجهيزات تحديد الموضع.
-
ويفسر ذلك جزءا من الأسباب الكامنة وراء إعلان وزير تكنولوجيات الإعلام والاتصال، موسى بن حمادي، مؤخرا، أن الحكومة تنوي الترخيص للجمهور الواسع اقتناء واستخدام أجهزة “جي بي أس” لتحديد الموضع عبر الأقمار الصناعية، في محاولة لتقنين واقع موجود فعلا بشكل غير معلن، فضلا عن أسباب أخرى تتعلق بالتزامات الجزائر تجاه الاتفاقيات والمواثيق الدولية، الخاصة بحرية التجارة، ومنها ما يرتبط بالانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة، وأخيرا يهدف المشروع الحكومي إلى تهيئة الأرضية القانونية للتعامل مع إشكالات أخرى سيطرحها مستقبلا بداية العمل برخصة استغلال شبكة الهاتف النقال من الجيل الثالث، التي قالت الحكومة إنها ستطرحها قريبا، ويسمح العمل برخصة الجيل الثالث لحاملي الهواتف الحديثة عالية التقنية من الاستفادة من خدمة “جي بي أس” بشكل فعال جدا وتلقائي، سواء رغبت الحكومة أم لا، حتى وإن كان خيار الحكومة هو حصر استخدام التقنية في مرحلة أولى في إرشاد السائقين في شبكة الطرقات داخل وخارج المدن، استخدام على نطاق واسع.
-
وقال الوزير إن خدمات الـ”جي بي أس” التي توفرها حاليا في السوق الجزائرية مؤسسات عمومية وخاصة “موجهة فقط للمؤسسات الناشطة في قطاع الخدمات لا سيما النقل، لتسمح لزبائنها من الشركات والهيئات بمتابعة وتحديد موقع عرباتها مثل الحافلات والشاحنات وسيارات الإسعاف في أي وقت”، وتوجد فعلا نحو 40 مؤسسة تعمل في هذا النشاط، غير أن تقنية تحديد الموقع مستعملة فعلا في الجزائر على نطاق أوسع من ذلك، لدوافع اجتماعية واقتصادية مختلفة، فهي متوفرة لكل حاملي هواتف وشرائح “ثريا” للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، في المناطق النائية والبعيدة، حيث لا تتوفر تغطية هاتف “جي أس أم”، ويوفر هاتف “ثريا” لحامله خدمة تحديد موقعه في الجزائر عبر “جي بي أس” من خلال ثلاثة أنواع من الهواتف مطروحة للبيع في السوق الجزائرية عبر ثلاث مؤسسات جزائرية وسيطة.
-
ويبلغ عدد المشتركين في هاتف ثريا نحو 3 آلاف مشترك، ما بين أشخاص ومؤسسات، وتصل تكاليف اقتناء الجهاز والشريحة ما بين 80 ألف و110 ألف دينار، فيما تقدر تكلفة المكالمة بنحو 100 دينار للدقيقة الواحدة، كما تطرح “ثريا” عبر وسطائها الثلاث في السوق الجزائرية جهازا آخرا للتواصل الالكتروني عبر الأنترنت في المناطق التي لا تتوفر فيها خدمة الأنترنت، يوفر هو الآخر خدمة “جي بي أس”، وهو عبارة عن محطة صغيرة يصل وزنها إلى 1,3 كيلوغرام تمكن صاحبها من استخدام بريده الإلكتروني وتصفحه والبحث في الواب.
-
لكن خدمة معرفة الموقع التي تقدمها هذه الأجهزة، تصطدم بعائق كبير حيث أنها تكتفي بتقديم معطيات قاعدية تتعلق بالإحداثيات الخاصة بخطي العرض والطول إضافة إلى مقدار الارتفاع عن سطح البحر، وتلك الأرقام حتى وإن كانت كافية نظريا، إلا أن الاستفادة منها تحتاج لإسقاطها على خريطة خاصة، لأجل تعيين الموقع والمنطقة التي توافقها، لكن هذه الخريطة غير موجودة أصلا، لأن إعدادها بشكل يغطي كل التراب الوطني يتطلب مشروعا خاصا، أكبر بكثير من ذلك الذي بدأ العمل عليه الفوج المشترك ما بين وزارتي الأشغال العمومية وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، ويستوجب استحداثه تقسيم كل الولايات والبلديات والأحياء والشوارع في الجزائر، وإعطاء كل منها رقما ورمزا معينا وترجمتها إلى خرائط إرشادية.
-
-
”غوغل” يعوّض الخرائط الجزائرية المفقودة
-
وللتغلب على مشكلة غياب الخريطة الإرشادية المرمزة، أطلقت “ثريا” في الجزائر، قبل نحو سنتين، بالشراكة مع متعامل متخصص، خدمة تمكن من قراءة الإحداثيات جغرافيا وإعطاء اسم الموقع الذي يوافقها، بالاعتماد على الخرائط والصور الملتقطة من الفضاء، الخاصة بالجزائر، التي تقدمها خدمة غوغل للخرائط”غوغل ماب”، حيث يطلب من طالب الخدمة أن يرسل الإحداثيات والمعطيات القاعدية التي يوفرها له هاتف “ثريا” لتحديد الموقع، عبر رسالة “أس أم أس” على رقم خاص، لتقوم الخدمة الجديدة بتحديد الموقع الجغرافي الذي يوافقها وترسله مرة أخرى لصاحب الطلب، وهي عملية ليست فورية الاستجابة وتصطدم أحيانا بمشكلة غياب الأسماء والرموز، حيث أن كثيرا من المناطق والمواقع الجزائرية التي تظهر على خرائط وصور “غوغل” لا تحمل في الغالب أي أسماء أو رموز أو أنها تعطي أسماء قديمة، للمناطق النائية والبعيدة، إلا أن الخدمة المبتكرة من “ثريا” لقيت تجاوبا في السوق. وفي نفس الفترة تقريبا أطلقت “الجزائرية للاتصالات الفضائية” مشروعا شبيها يعتمد على نفس نظام الخرائط “غوغل ماب”، لتحديد موقع السيارة الشخصية للزبون يعمل من خلال جهاز “جي بي أس” منفصل يرّكب في السيارة مع هوائي وبعض الإكسسوارات الأخرى.
-
وحاولت بعض مواقع الأنترنت المتخصصة أن تطور الخرائط الجزائرية الخالية من الأسماء والرموز، التي يقدمها غوغل، من خلال إسقاط علامات عليها يجمعها ويتداولها سياح أجانب وهواة يزورون باستمرار المناطق السياحية في الصحراء، وهي علامات يمكن الاستفادة منها خاصة في الإرشاد إلى المسالك البعيدة.
-
والواقع أن تحديد الموقع يتم عبر أنظمة أخرى، ما عدا تقنية “جي بي أس”، منها شبكة الهاتف النقال “جي أس أم” نفسها، التي يمكنها تحديد الموقع بالاعتماد على الهوائيات الخاصة بالمتعامل التي ينصبها في بنايات وأماكن مرتفعة، لكنها إضافة إلى أنها لا تغطي سوى المناطق الحضرية وشبه الحضرية، تقدم معطيات غير دقيقة حول الوضعية مقارنة بتقنية “جي بي أس”، ففي حين لا تتعدى نسبة الخطأ لدى الأخيرة سوى ما بين 10 و100 متر، تبدأ نسبة الخطأ لدى “جي أس أم” من 200 متر إلى عدة كيلومترات، لأنها ببساطة تتعلق بكثافة وجود وانتشار هوائيات الشبكة في كل منطقة، وفعالية هذه الخدمة تستوجب توفر شبكة الهاتف النقال “جي أس أم” من الجيل الثالث، الأمر الذي مازال غائبا عن السوق الجزائرية بالرغم من إعلان الحكومة منذ فترة طويلة أنها ستطرح للبيع أول رخصة دولية لاستغلالها.
-
وفي دول أخرى نشأت أزمات كبيرة ما بين الحكومة وشركات تسويق الهواتف النقالة بعد أن بدأت تلك الدول استغلال رخصة الجيل الثالث التي تمنح تلقائيا خدمة تحديد الموقع، خاصة في الهواتف عالية التقنية مثل “أيفون” و”بلاك بيري” أو هواتف تسوقها نوكيا، وأجبرت الحكومة في مصر مثلا شركة “آبل” على حذف خدمة “جي بي أس” من هواتف “آيفون” بعد أن أصدرت سنة 2003 قانون يمنع دخول الأجهزة ذات تقنية “جي بي أس” في أي مجال، قبل أن تعود الحكومة المصرية لتلغي القانون العام الماضي، وتسمح بتسويق واستعمال خدمة “جي بي أس”.
-
-
تخلف تقني وهواجس أمنية
-
أصبحت الجزائر بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والتقني جد متخلفة مقارنة بكثير عن جيرانها مع استمرار حجب خدمة تحديد الموقع “جي بي أس” عن الجمهور الواسع بالأسعار الطبيعية في السوق الدولية، وبذلك غياب الكثير من التطبيقات والخدمات المدنية الهامة المرتبطة بها، في تنظيم حركة السير واستخدامات النقل والزراعة والتجارة، بالأخص في بلد بشساعة الجزائر، وأبقى ذلك خدمة “جي بي أس” متوفرة فقط لفئة محدودة ممن لها الإمكانيات المالية لاقتنائها داخل المنظومة الرسمية الخاضعة للرقابة أو خارجها.
-
وفضلا عن التأخر الكبير في إطلاق رخصة الجيل الثالث، زادت الهواجس الأمنية من تردد وتأخر الجزائر في إتاحة خدمة تحديد الموقع لكل من يطلبها، وحاولت الحكومة فرض رقابة أمنية وقانونية على استيراد وتسويق وتركيب واستغلال أجهزة تحديد الموقع، وجاء ذلك في أعقاب اكتشافها لدى عدد متزايد من الإرهابيين وتجار المخدرات وتجار الآثار الأجانب ممن يدخلون البلاد في زي سياح، ولكل فئة من هؤلاء مبرره ودافعه وطريقة استغلاله لخدمة ”جي بي أس”.
-
فالتحقيقات الأمنية مع السياح الأجانب الذين تورطوا في عمليات نهب وتهريب الآثار في الصحراء كشفت أنهم كانوا يستعينون بتقنية “جي بي أس” عبر جهاز منفصل أو عبر هاتف ثريا أو غيره، كي يمكنهم التملص من صحبة الدليل الذي تضعه الوكالات السياحية تحت تصرفهم، حتى لا يكون هناك شاهد على عملية نهب وتهريب الآثار، كما أن من مهربي الآثار الأجانب من كان يدخل الجزائر عبر الحدود الصحراوية مع ليبيا أو تونس بطريقة غير شرعية ويخرج منها بنفس الطريقة معتمدا على تقنية “جي بي أس” لتحديد موقعه ومسلكه.
-
ونفس الأمر تقريبا لتجار المخدرات، خاصة كبار بارونات الكيف المغربي الذين ينقلون سنويا أكثر من ثلاثة أرباع بضاعتهم عبر الحدود الجنوبية الغربية للجزائر مرورا بالصحراء وصولا إلى ليبيا ثم مصر أو أوروبا مباشرة، وأصبح بارونات المخدرات يزوّدون سيارات الدفع الرباعي بأجهزة جي بي أس، لمعرفة موقعها حتى وهي بعيدة عنهم.
-
أما بالنسبة للإرهابيين فالأمر يبدو أخطر، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالبحث عن موقع أو مسلك صحراوي نائي، وتشك مصالح الأمن أنه مع تشديد الخناق على خلايا الإرهاب في المدن والمناطق الحضرية، وتفكيك أهم مجموعات الرصد والاستعلام، ستصبح تقنية “جي بي أس” الملاذ الوحيد للجماعات الإرهابية لتحديد النقاط التي تستهدفها بالتفجير والوصول إليها داخل المناطق الحضرية.
-
ولذلك جاء المرسوم التنفيذي الجديد الصادر في ديسمبر 2009 الذي أضاف أجهزة تحديد الموقع إلى جملة من الأجهزة الحساسة التي أخضعها لشروط وإجراءات معينة عند ممارسة نشاطات الاتجار (تصدير، استيراد، صنع وبيع) وتقديم الخدمات (تركيب وصيانة وتصليح).
-
حيث تخضع لشرط الحصول على جملة من الرخص والاعتمادات تمنحها وزارتي الداخلية وتكنولوجيات الإعلام والاتصال بعد الأخذ برأي وزارة الدفاع ومصالح الأمن، ويخضع اقتناء أجهزة تحديد الموقع “جي بي س” من طرف الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين لأغراض الحيازة والاستعمال إلى رخصة تسلم من طرف مصالح وزارة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، كما يلزم القانون المتعاملين الموردين والمسوقين لهذه الأجهزة مسك سجلات مرقمة ومؤشر عليها من طرف مصالح الأمن المختصة إقليميا، تذكر فيها كل البيانات المتعلقة بهوية الزبون وعنوانه وغرضه الاجتماعي ومهنته، بناء على تقديم الوثائق الإدارية المؤكدة المتعلقة بها.
-
كما تشتمل هذه السجلات أيضا على البيانات المتعلقة بتعيين البيانات الخاصة بالتجهيزات ومنها الأرقام التسلسلية والعلامة والنوع، ويمنع منح استغلالها لشخص آخر تحت طائلة المسؤولية القانونية، ويلزم القانون حائز الجهاز في حالة سرقته أو ضياعه أن يعلم فورا مصالح الأمن المختصة إقليميا وكذا السلطات التي سلمت الرخصة.
-
لكن الحصيلة بعد عام ونصف لم تفعل سوى أنها حجبت الخدمة عن الجمهور الواسع وأبقته لمن يستطيع الدفع في السوق السوداء.
-
ما هو نظام ”جي بي أس”؟
-
نظام تحديد الموقع العالمي أو “جي بي أس” هو نظام يستخدم في تحديد الموقع الجغرافي في أي نقطة على وجه الأرض، بالاعتماد على المعطيات والإحداثيات التي تمنحها شبكة من 24 قمرا صناعيا تحوم حول الأرض على ارتفاع نحو 20 ألف كيلومتر، أسسته وتراقبه حتى الآن وزارة الدفاع الأمريكية، ودخل الخدمة المدنية رسميا سنة 1995، وكانت التطبيقات الأولى لنظام تحديد المواقع ”جي بي أس” عسكرية بحتة.
-
ويستخدم اليوم النظام في تطبيقات مدنية أيضاً. في توجيه الطائرات المدنية والملاحة البحرية. وأصبحت في الأسواق أجهزة استقبال جي بي إس للاستخدام الشخصي، ودخلت التقنية إلى بعض الهواتف المحمولة الحديثة، ووجدت شعبية كبيرة في أنظمة سير السيارات وإرشاد السائق إلى الهدف، كما أن للنظام تطبيقات مدنية وعلمية عديدة ومتشعبة.
-
وتوجد فوارق في دقة نظام تحديد الموقع العالمي، حيث أن التطبيقات العسكرية أكثر دقة من الجي بي أس المدني الذي يمكّن من الوصول إلى دقة بضعة أمتار (نحو 10 متر). حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقوم عمدا بالتشويش على إشارات الجي بي أس لمنع استعماله مدنيا والحد من جودتها في التطبيقات المدنية، إلا أنها توقفت عن ذلك منذ سنة 2000 موجهة التركيز على التشويش على رقع جغرافية محدودة.
-
وعكس ما هو مشاع فنظام “جي بي أس” يمكن أن يتوقف عن العمل مع وجود رطوبة شديدة وغيوم كثيفة وتشويش على موجات الاستقبال بشكل متعمد أو غير متعمد أو وجود أحد أقمار شبكة “جي بي أس” على خط واحد مع قمر آخر.