أحمد بن بلّة كما عرفته
عرفت أحمد بن بلّه في القاهرة، كنت طالبا بجامعة القاهرة رفقة المرحومين قاسم زدّور المعروف بقاسم زيدون، ومولود قاسم نايت بلقاسم، وكنا الثلاثة ننتمي سياسيا لحزب الشعب الجزائري، وربطنا علاقة وثيقة معه نحن الثلاثة.
وصول أحمد بن بلّه للقاهرة 1953:
لم أنقطع قطّ عن التردد على مكتب المغرب العربي بالقاهرة، الذي انتقل من شارع صفية زغلول إلى شارع عبد الخالق ثروت، فقد وصل ممثلان جديدان لحزب الشعب هما محمد خيضر، وحسين آيت أحمد، وحلّ الأول محل الشاذلي مكي. ومن باب الانضباط الحزبي قبلنا قرار القيادة، لكن في قرارة أنفسنا تأسفنا للاستغناء عن خدمات الأستاذ الشاذلي، الذي عرفه الوطن العربي مشرقا ومغربا، بنضاله ونشاطه الهائل وفصاحته، فقد وصل القاهرة سنة 1945 هاربا من حكم الإعدام الذي أصدرته ضده محاكم الاستعمار الفرنسي، وشارك في تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة منذ 1947، ومثَّل حزب الشعب منذ ذلك التاريخ في هذا المكتب، وكوّن صداقات مع وزراء عرب وشخصيات عربية، مع عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية، وكان الصوت الفصيح والقوي للجزائر من 1945 وحتى سنة 1953، وهذا العزل دفعه إلى أن ينضم لمصالي وحوسب عليه.
ألقيت هذه الكلمة في الملتقى الدولي الذي عقد بتلمسان يومي 4 و5 ديسمبر 2016 بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده.
كنا طلبة معظمهم من دون انتماءات سياسية، وكان البعض ينتمي إلى “حزب البيان” دون أن يجاهر به، والبعض الآخر ينتمي إلى “حزب الشعب” ويجاهر بذلك. وأكثرية تتعاطف مع هذا الأخير. لكن ما إن اندلعت حوادث المغرب وتونس حتى عم الشعور بين معظم الطلبة بأن حزب الشعب هو الذي ينادي بالصواب. وأن الاستعمار لا يخرج من الجزائر إلا بقوة السلاح. كان الجدال يدور بين الطلبة في الشقة، ويستمر طويلا حول السياسة، وبخاصة مساء الخميس، وليلة الجمعة، كانوا بعد أن يتناولوا العشاء يجتمعون في البهو أو في غرفة من الغرف، يغني كل واحد منهم أغاني ناحيته بالجزائر، كانوا يمثلون نواحيَ متعدّدة من بلاد الجزائر. أو يتساجلون بالشعر، وكان هذا السجال يدوم طويلا، لأن دراستنا كانت في أغلبها أدبية، كانوا موزعين على كليات اللغة العربية والشريعة وأصول الدين والفلسفة والتاريخ.
وتوطدت العلاقة بيني وبين أحمد بن بلّه الذي كان يعمل في السر، لا يظهر اسمه في أي صحيفة، بل كان تردده على مكتب المغرب العربي قليلا. وعندما كنت أسأله: متى يا حميمد تندلع ثورتنا فأنت خير من يعرف، ألم تكن قائد المنظمة العسكرية الخاصة؟ كان يجيب: صبرا، ستكون الثورة، ينبغي علينا أن نستعدَّ لها.
اتصاله بجمال عبد الناصر
بعد أسابيع قليلة، قصد رئاسة الجمهورية المصرية وقدَّم نفسه على أنه يمثل المُعِدّين للثورة الجزائرية، تأثر الكاتب الذي استقبله وأخبر عبد الناصر أنه “شاب يختلف عن الزعماء الذين اعتدنا استقبالهم”، فحدّد له عبد الناصر موعدا واستقبله فأخبره بن بلّه أنه يمثل مجموعة من الشبان الثوار الجزائريين الذين قرّروا تفجير الثورة وتحرير الجزائر من الاستعمار، وأننا معتمدون عليك وعلى مصر لمساعدتنا بالسلاح، فشعر عبد الناصر أنه أمام شخص صادق فقال له: “لتقم الثورة الجزائرية ونحن مستعدُّون لدعمها”، ثم كلف ضابطا بربط صلة به.
بن بلّه كان يعمل في السر، لا يظهر اسمه في أي صحيفة وتردده على مكتب المغرب العربي كان قليلا. وعندما كنت أسأله: متى يا حميمد تندلع ثورتنا فأنت خير من يعرف، كان يجيب: صبرا، ستكون الثورة، ينبغي علينا أن نستعدَّ لها.
واندلعت الثورة في الموعد فاستقبل عبد الناصر بن بلّه وهنَّأه وأخبره بأنه أعطى أمرا بإعداد كمِّية ثانية من السلاح تكون تحت تصرفكم، وراح بن بلّه يقدم بيانات مفصَّلة عن نوع السلاح المطلوب. كما صدرت التعليمات لأجهزة الإعلام بدعم الثورة، وتقرَّر أن تخصص إذاعة “صوت العرب” حصة يومية للثورة الجزائرية، وبتوجيه من بن بلّه كُلفت أنا فجمعت مجموعة من الطلبة تحرِّر يوميا “كلمة الجزائر” تبث عبر إذاعة “صوت العرب”، وكنت أنا أول من بث بصوته هذه الكلمة.
وبعد شهرين من أول نوفمبر تم الاتصال بملكة الأردن دينا وطُلب منها أن يكون يختها الذي يحمل اسمها ناقلا للسلاح للثوار الجزائريين، تجنُّبا لرصد يخت ملكي من الجواسيس الفرنسيين، فاستجابت الملكة معبِّرة عن فخرها بالمساهمة في الثورة الجزائرية التي انتشرت سمعتُها بسرعة في أنحاء الوطن العربي. وفي يناير 1955 تحرَّك اليخت دينا وبه مجموعة من الطلبة وعلى رأسهم محمد بوخروبة الذي حمل اسم الهواري بومدين، حيث وصل بسلام وأنزل السلاح ووُضع في أيدي الثوار.
ومن القصص الرائعة، أنه عندما أطلق على بن بلّه رصاص ولم يصبه من مسدس كاتم للصوت بشارع قصر النيل بالقاهرة بتدبير من سفارة فرنسا، استدعاه عبد الناصر وقال له: “أمرت بأن تُخصص لك فيلاّ تقيم بها بعد محاولة اغتيالك من طرف الجواسيس الفرنسيين، إقامتك بغرفة لدى عائلة في الطابق السادس في شارع 26 يوليو خطرٌ على حياتك”. فكان جواب بن بلّه: “مصاريف الفيلاّ تُخصص للسلاح لأن المجاهدين الجزائريين احترقت أصابعُهم من بارود بنادق الصيد، إذا متُّ اختفى جزائري من بين الملايين، قررت الاستمرار في الإقامة بغرفة”. فأجابه عبد الناصر “إن ذلك سيكلفنا تخصيص حراسة لك بهذه الشقة”. وزادت قيمة بن بلّه ارتفاعا في نفس عبد الناصر.
أول وفد طلابي يمثل الثورة بالعالم
وبعد أشهر من قيام الثورة استدعيت من بن بلّه وناقشني في ضرورة المشاركة في مهرجان دولي وكلفني بإعداد وفدٍ أرأسه لتمثيل جبهة التحرير الوطني في أول مناسبة دولية. وألَّفت الوفد لتمثيل جبهة التحرير الوطني بالمهرجان الدولي للشباب الذي أقيم في فارسوفيا عاصمة بولونيا في أغسطس ـــ آب 1955، سافر الوفد رفقة الوفد المصري والوفد الطلابي الفلسطيني برئاسة ياسر عرفات على باخرة حطت بنا في ميناء برنديزي الإيطالي، ومنه انتقلنا بالقطار عبر شمال إيطاليا والنمسا إلى فرسوفيا. وُجِّهت من قيادة المؤتمر البولونية إلى مقر البعثة الجزائرية، حيث وجدت بعثة متكوّنة من 220 شاب وطالب قدموا من الجزائر وفرنسا يمثلون الشباب الجزائري، منهم فرنسيون ويهود أقدام سوداء… قابلتُ رئيس البعثة الجزائرية مصطفى كاتب الذي كان برفقة مصطفى الأشرف الذي حضر كأستاذ في التعليم الثانوي بباريس، عرضتُ عليه العلم الجزائري وكُتيبا بعدَّة لغات سبق أن وُزِّع باسم جبهة التحرير بمؤتمر باندونغ قبل أشهر، زوَّدني به حسين آيت أحمد في القاهرة الذي كان ضمن الوفد الجزائري بباندونغ، وطلب مصطفى كاتب مني إمهاله للاطلاع على الكتيب، وبعد ساعات استدعاني مصطفى كاتب ليقول لي ما يلي:
لقد اطلعت رئاسة البعثة على ما قدمه الوفد الطلابي الجزائري الآتي من القاهرة، وقررت: أولا: لا تستطيع البعثة التظاهر في افتتاح المهرجان بالعلم الذي أحضره الوفد لأنه غير متفق عليه، فهو يمثل علم حزب الشعب الجزائري، بينما العلم الذي يؤمن به حزب البيان، والعلم الذي يؤمن به الحزب الشيوعي الجزائري يختلفان عنه. أما المنشور أو الكتيّب الذي أحضره الوفد فرأي رئاسة البعثة أنه غير لائق لكي توزعه البعثة.
عندما تعرض بن بلّه لمحاولة اغتيال بالقاهرة بتدبير من سفارة فرنسا، اقترح عليه عبد الناصر الإقامة في فيلاّ فكان جواب بن بلّه أن تخصص مصاريف الفيلاّ للسلاح لأن المجاهدين الجزائريين احترقت أصابعُهم من بارود بنادق الصيد.
وعندما قلتُ له إن الذي يقود الثورة الآن هم عناصر حزب الشعب في إطار جبهة التحرير التي تضم كل المواطنين، وأن العلم المرفوع فوق الجبال هو هذا العلم، وأن الكتيّب وزعه في مؤتمر باندونغ الوفدُ الذي كان يمثل الثورة، أجاب مصطفى كاتب قائلا:
يوجد الحزب الشيوعي الجزائري بالأصنام (الشلف حاليا) يرفع العلم الشيوعي وليس هذا العلم. وفي هذه الفترة هرب ضابطان فرنسيان شيوعيان من الجيش الفرنسي هما النقيب لوبان والملازم مايو بشاحنة أسلحة في جبال الأصنام، والتحق بهما مناضلون شيوعيون، اختاروا منطقة قريبة من البحر، هدفهم تلقّي المتطوعين والسلاح من العالم الشيوعي، والسيطرة على الثورة الجزائرية، لكن جيش التحرير الوطني رفض التعامل معهم، فحاصرتهم القوات الفرنسية وقضت عليهم في أشهر. وقتلت الضابطين الفرنسيين الشيوعيين.
وأدركت أن الذي يحدثني شيوعي، وأن جل أعضاء البعثة شيوعيون، وأنهم عائدون للجزائر ويخشون المحاسبة من السلطات الفرنسية إن هم تظاهروا بالعلم، أو وزعوا كتيب (?What is Algeria، ما هي الجزائر؟)، وأن البعثة تضم عناصر تمثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كالشيخ محمد الصالح رمضان، وعناصر تمثل حزب الشعب كمحمد عبد اللاّوي ومصطفى الأشرف… وهم يمثلون أقلية من البعثة. واضطررتُ لتوزيع الكتيب عن طريق البعثة الفلسطينية والبعثة المصرية، أما العلم فقد سارت البعثة الجزائرية براية من المخمل حمراء مكتوب عليها بالفرنسية (الشباب الجزائري)، بينما استعرض الطلبة الفلسطينيون برئاسة الطالب ياسر عرفات بالعلم الفلسطيني. وعندما عدت للقاهرة قدَّمت تقريرا لابن بلّه.
والخلاصة أنه بعد أشهر من اندلاع الثورة لا زال العديد مقتنعا بأن الثورة تحوط بها علامة استفهام النجاح، لم تضرب جذورها بعدُ في الأرض. وبعد أشهر وفي مايوـ أيار 1956 أي بعد ثمانية عشر شهرا من اندلاع الثورة، تأكدوا من نجاحها فقاموا بالإضراب الطلابي المشهور الذي توقف فيه الطلاب الجزائريون بالمدارس والجامعات الفرنسية عن الدراسة والالتحاق بالثورة، بينما نجد طلاب المدارس الشعبية العربية والزيتونة والقرويين وحفظة القرآن وعلى رأسهم طلبة جمعية العلماء ومعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، قد التحقوا بجيش التحرير الوطني منذ انطلاق الثورة وكوَّنوا إطاراته الذي كان جنوده من الفلاحين. وتشاء الأقدار أن يلتحق بالقاهرة هؤلاء الطلبة المضربون الذين وُجد بعضُهم في المهرجان المذكور أعلاه وأن يترأسوا اتحاد الطلبة الجزائريين، ويكوّنوا إطارات الحكومة المؤقتة.
.. يتبع