أحمد طالب الإبراهيمي… رجل خسرته الثقافة ولم تربحه السياسة 1/2
منذ أكثر من عشرين سنة وبالضبط بمناسبة كسر جدار الخوف الذي خيم على البلاد سبعا، وفي إطار التعبئة لرئاسيات 1999، كتبت مقالا بعنوان “الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي: السياسي المثقف”، وأنا يومها لم ألتقه في حياتي ولو مرة قبل هذه القصة، ومع ذلك كنت أعرفه عبر ما قرأت له في سبعينيات القرن الماضي، فيما كان ينشر من مقالات ابن الحكيم وافتتاحيات مجلة الثقافة عندما كان وزيرا للثقافة والإعلام، وفي مجلة الأصالة، وكتابه رسائل من السجن وكتاب الحياة الثقافية في الجزائر، ومتابعة تصريحاته الرسمية التي كانت تعبر عن وعاء ثقافي كبير وأصيل..
وها هي الأيام تجري وتصدر مذكراته تباعا خلال العشرين سنة الماضية، وقرأت منها وما كتب عنها، لأكتشف المزيد عن قدرات الرجل السياسية وحكمته فيما أسند إليه من مهام في الدولة الجزائرية، فيما بين 1965 و1988، التي اختفى بعدها من المسرح السياسي لمدة عشر سنوات، ليظهر ثانية في رئاسيات سنة 1999، ولكن الواقع السياسي لم يكن ليسمح له بالبقاء في المسرح السياسي، وهو من الذين عارضوا انقلاب 1992 بقوة، وبقي موقفه ثابتا إلى اليوم على نفس الوتيرة وبنفس الصلابة، بحيث لم يُسمح له بإنشاء حزب السياسي بحجة أنه احتضن مناضلين من بقايا مناضلي الجبهة الاسلامية للإنقاذ المحظورة.
وما استنتجته من خلال قراءتي لهذه العقود الثلاثة في نضاله السياسي أن السياسة لم تربح الإبراهيمي، ولم تسمح له بالبقاء فيها، للاستفادة من قدراته وإمكاناته وخبراته الثقافية الغنية؛ بل استغنت عنه في عز حاجتها إليه بعد ازمة التسعينيات، عندما يئست من استدراجه لمساندتها؛ لأن حسابات السياسة أضيق من أن تتحمل مثقفا وما يحمل من أفكار ومشاريع وغايات سامية.
وفي المقابل خسرت الثقافة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي؛ لأنه لم يتمكن من دخولها بأدواته إلا بتمثيله للجزائر في معهد الحضارة الإسلامية مع المرحوم فؤاد سركيز، وإنما دخلها من باب السياسة والسياسة بطبيعتها المتسرعة لا تتلاءم دائما مع الثقافة، وكما نقل عنه الأستاذ بشير فريك قوله أيام كان وزيرا للإعلام والثقافة إن “وزارة الإعلام والثقافة آخر من يتولى توجيه الإعلام، فهناك الرئاسة والحزب وأخيرا الوزارة”. وأضاف: “لقد قلت لهم: إذا أردتم وزارة للإعلام والثقافة فاتركونا نعمل في هذا الاتجاه، أما إذا أردتموها وزارة للدعاية، فإننا لسنا من هواة الدعاية” [من مقال نشر في الشروق بتاريخ 01/07/2023]، أي أن الرجل كان مدركا لضلال السياسة وتضايقها من الثقافة.
فالرجل شارك في دواليب السلطة الوطنية وإدارتها منذ نشأتها، وتقلد فيها وزارات هامة وهي وزارة التربية الوطنية، والثقافة والإعلام، والخارجية، وهي وزارات مهمة ولها ثقلها، ولم يتولها لسنوات قليلة أو أشهر، وإنما تولاها طيلة 23 سنة، ولكن الأثر البارز للقناعات الثقافية التي يحملها الدكتور طالب وتشربها، لم تظهر بالقدر الكافي ولو بنسبة 30 بالمائة؛ لأن الرجل كان في السلطة، والسلطة بطبيعتها توفيقية وتلفيقية “بريكولاجية”…، لا تسمح كثيرا ببروز القناعات المتكاملة والمتناغمة مع ثقافة الشعب وجذورها الحضارية؛ بل إن وجود كل طرف فيها يشعر وكأنه في نظام مشترك يجمع بين قناعات مختلفة في أحسن الأحوال، وربما تكون هناك قوة ضاغطة، لا تسمح للجميع بالظهور والغلبة، الا وفق ما تحرص عليه السلطة وعلى بقائه، فيفرض على الجميع الكثير من التنازل من أجل بقاء القليل من الحق أو الأفضل والأكثر أهميةـ أو الأقل سوءا لكل طرف.
فلم تربح السياسة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ليس لعجز فيه أو عدم كفاءة، وقد عرض لقدراته ومساهماته في ذلك في مذكراته التي نشرها بعنوان “مذكرات جزائري” بأجزائه الأربعة، وإنما لأن الممارسة السياسية عبارة عن إدارة واقع قد لا يتجاوز فيها المناضل البحث عن الأقل سوء وليس من أجل السعي لتحقيق الأفضل، وحسب الواقع الذي تمر به البلاد وعلاقاتها الدولية وواقعها الإجتماعي…، هي عبارة عن إدارة أزمة، كما أن السياسة بطبيعتها أيضا أنها لا تتسع للنشاط الثقافي، الذي يقتضي عملية تربوية وحركية متفاعلة، لتحقيق طموحات المجتمع والمثقف وغايتهما الكبرى.
لقد شارك الابراهيمي في السلطة طيلة الفترة المذكورة 1965/1988، ولكن كان في جميع أنشطته خاضع لطبيعة النظام السياسي الذي يشتغل فيه، ولم يكن في تقديري يمارس كل قناعاته -الثقافية منها تحديدا- بحرية ومسؤولية، فقد كان من المناضلين في قضية التعريب، ولكنه لم يستطع فعل ما يؤمن به، لا في التعليم ولا في الثقافة والإعلام؛ بل إن خطاب السلطة نفسه كان في هذا الاتجاه، ومع ذلك لم يحقق الابراهيمي بجهده ما تريده الدولة الجزائرية؛ لأن الواقع السياسي والثقافي في الجزائر لم يبلغ مستوى التضحية المطلوبة في سبيل تحقيق الطموحات، سواء في ترقية قدرات القائمين على هذا الشأن، أو في مواجهة القوى المضادة لهذا الخيار، المتمثل في التيار الفرانكو-يساري. وقد حدثني يوما عن سلبية المعربين قائلا: ذات مرة تكلمت مع الرئيس بومدين عن قضية التعريب وسلبية المعربين…. فقال لي فليتحمل كل مسؤوليته… التعريب ليس مبنيا علينا أنا وأنت!!
قد لا يروق هذا الكلام للبعض الذين قرأت لهم ممن يتهمونه بالوقوف في وجه المعربين دعما للفرنسة والفرنسية، ولكن الذي تابعته في مسار الرجل لا يسمح لي بإلقاء هذه التهمة عليه؛ لأن ذلك يحتاج إلى معلومات لا أملكها.
لا شك أن الابراهيمي فيما كتب في مذكراته كان راضيا عن النظام الذي اشتغل فيه، وبالخصوص على الفترة البومدينية، وربما شعر بأنه قدم في المجال السياسي الكثير، ولكن إذا ما قورن ما تكلم عنه كمناضل جزائري في الإطار السياسي بمستواه الثقافي واهتماماته العالية خلال فترة الثورة، لا يعد شيئا مقارنة بما وصلنا من مواقفه شابا سجينا ونضج سياسي ثقافي قل نظيره؛ بل أزعم أن الجزائر خسرت الكثير بإبعاد الرجل عن الثقافة وتوريطه في الانغماس في السياسة بحكم وجوده في دواليب السلطة.
لا شك أن وضع الجزائر ربما لم يكن يسمح بالتركيز على الثقافة كمحور رئيس، بسبب الخوف من مكائد الاستعمار الذي يحسن التوظيف في الإطار السياسي بتجنيد العملاء والخونة، مثلما يمارس النظام السياسة اليوم وقبل اليوم بالعقلية الأمنية، بسبب الخوف المفرط من الاختراقات المحتملة، فخسرت الجزائر الثقافة بسبب السياسة، وخسرت السياسة بسبب المبالغة في التخوفات الأمنية.
إن طبيعة الدكتور احمد طالب وشخصيته ومستواه الثقافي، لا تساعده على أن ينجح في السياسة كما كان مرشحا للفوز بالثقافة؛ لأن السياسة بكل أسف رغم أنها فن نبيل كما يقال، إلا أن ممارساتها في الواقع أبعد ما تكون عن النبل، ومن ثم فإن مَنْ في مستوى الإبراهيمي ثقافة واخلاقا لا ينجح في السياسة، وربما لهذا لم يقاوم كثيرا ولم يغالب مَنْ وقف في وجهه في رئاسيات 1999 ومن كان سببا في حرمانه من اعتماد الوفاء بحجةٍ أقل ما يقال فيها “سفاهة من القوم”.
ومن الأمثلة التي يمكن استصحابها أيضا، في غلبة سلوك المثقف على السياسي، أنه في ديسمبر 1998 جاءته دعوة من أحد التنظيمات الشبابية تدعوه لحضور إحياء ذكرى وفاة الرئيس بومدين. فرد على الدعوة بعد الشكر والتقدير بقوله: “إن أخلاقي السياسية لا تسمح لي بالمشاركة”، وذلك لأنه قرر المشاركة في رئاسيات 1999 بعد إعلان الرئيس زروال عن تقليص عهدته في سبتمبر 1998.
وهذه العبارة لا تصدر إلا عن مثقف؛ لأن السياسي بطبيعته الإنتهازية يعتبرها فرصة له، ليُعرِّف بنفسه الجيل الجديد الذي نشأ بعد اعتزالٍ للشأن السياسي دام عشر سنوات [1988/1998]، خاصة وهو عازم على خوض غمار الرئاسيات.
قد يفهم من كلامي “لم تربحه السياسة”، أن فيه مجازفة تعرض اجتهادات الرجل خلال الفترة التي كان فيها في السلطة للغمط وعدم الاعتراف بالجميل، ولكن الحقيقة ليست كذلك؛ لأن نتائج فشل النظام السياسي في بلادنا واضحة يحملها النظام بذورا في طبيعته التي نشأ عليها وترعرع، والدكتور طالب أول من ينقد هذه الحصيلة المرة، التي لم تسمح للقوى الوطنية الصادقة بأن تقدم للبلاد ما تحتاج، على تفاوت بين المراحل بطبيعة الحال، وعندما أقول عن الإبراهيمي لم تربحه السياسة، فإنها لم تربح أيضا مهري وبن خدة وكيوان ومحساس وغيرهم كثير من رجال الحركة الوطنية، أي خسرت جيلا من أبناء الحركة الوطنية؛ بل وضحّت ببعضه في مواجهاتٍ الرابح فيها خاسر، ولم يكن ليعالجها إلا المستوى الثقافي والأخلاقي الذي تتمتع به الكثير من إطارات الحركة الوطنية المشبعة إخلاصا وصدقا في خدمة القضية الوطنية، وافتقر إليه النظام السياسي بعد الاستقلال.
يتبع..