الرأي

أحمد طالب الإبراهيمي… رجل خسرته الثقافة ولم تربحه السياسة 2/2

التهامي مجوري
  • 453
  • 0

أما خسارة الثقافة للدكتور احمد طالب، فلكون الحياة الثقافية لم تستفد منه بسبب انشغاله في الشأن السياسي والمعوقات المحيطة به، التي لا تسمح له بأن يظهر في الأنشطة الثقافية، كشخصية فاعلة توجه الحياة الثقافية الوطنية، رغم أن الرجل كان يمتلك من المؤهلات ما ليس للكثير من أبناء جيله، فقد أسس مع مجموعة من المثقفين الشباب مجلة “le Jeune Musulman” وترجمتها “الشاب الجزائري”، في إطار جمعية العلماء في سنة 1952، لغاية عالية وهي الاهتمام بالنخبة الجزائرية المفرنسة ووضعها في إطارها الوطني العربي الإسلامي، وقد كان له ذلك حيث كان من بين الكتاب الذين استقطبهم يومها للكتابة في المجلة: مالك بن نبي المفكر الجزائري المعروف، وعمار أوزقان الأمين العام للحزب الشيوعي… وغيرهما.

وفي إطار نشاطه أثناء الثورة، كان أول رئيس لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين، وأدخل السجن في سنة 1957 ولم يخرج منه إلا في سنة 1962.

وفي السجن لم يكن اهتمامه ليخرج عن هذا الهم الكبير وهو الهم الثقافي ومستقبل البلاد في ذلك…، فكانت مراسلاته من السجن في أغلبها مع الطبقة المثقفة، من إعلاميين وأكاديميين وفلاسفة ومفكرين وقساوسة، ولم تكن مراسلاته هذه لمجرد “الاطمئنان على الصحة والعافية”، وإنما كانت تتكلم عن بشاعة الاستعمار وشرعية الثورة وواجب المثقفين الجزائريين وغيرهم نحوها، وجميع خطاباته كلها تدور حول تثوير جميع القوى الحية في هذا الاتجاه خاصة في أوساط الفرنسيين، بما في ذلك الخطابات الخاصة التي كان يتوجه بها إلى أخيه محمد، كما لم يخف لومه لبعض المثقفين الذين يكثرون من المكاييل والموازين في التعامل مع الثورة، من الذين كانوا يتكلمون عن حقوق الإنسان والحريات والعدل، ولكن عندما يتعلق الأمر بالاستعمار في حربه بالجزائر، فإنهم لا يكلفون انفسهم مجرد الإدانة لما يشاهد العالم من مخازي، أو ربما يغضون الطرف عنه فيما يفعل من جرائم، ومن هؤلاء ألبير كامو الذي خصص له الدكتور طالب كلاما طويلا ليضعه أمام ضميره كمثقف في قضية الثورة، التي كانت في صورة دولة عظمى في مواجهة شعب أعزل وقوات مدججة بالسلاح والتأييد الأمبريالي في مقابل قطع سلاح صدئة ومسدسات وفوشيات وبنادق صيد…إلخ. مثلما هو الحال هذه الأيام في فلسطين جيش عصري قوي بدعم دولي أقوى في مواجهة مجموعات حركات المقاومة التي لا سند لها إلا شرعية القضية.

فهذا النوع من الخطاب كان أحمد طالب يوجهه في الغالب إلى الإعلاميين خصوصا ومناضلي حقوق الإنسان، أما الكتاب والفلاسفة فيثير معهم مواضيع أخرى أعمق وأدق في إطار مستواهم، من التنظير الفكري والعلمي، والخبرة التاريخية.

ففي إحدى رسائله لأحدهم عقب على تصريح لديغول الذي أجاب فيه عن سؤال وجه إليه من طرف صحفي حول مشابهة الحكومة المِؤقتة الجزائرية والحكومة المؤقتة الفرنسية خلال حربها مع الالمان في الإقامة بالخارج…، فرد ديغول بغضب واستهجان على السائل، قائلا: “لكنني لم ادرس في جامعة ألمانية، ولم أتزوج ألمانية، ولم أبحث عن أمتي الفرنسية بين المقابر!!” ويقصد بذلك عباس فرحات الذي كان رئيسا للحكومة المؤقة رحمه الله، الذي تخرج من الجامعة الفرنسية، وتزوج من فرنسية، وكتب مقالا في سنة 1936 أي قبل أكثر من عشرين سنة بعنوان “أنا فرنسا”، وكان مما قاله عباس فرحات يومها “بحثت عن الجزائر في المقابر….”. فعقب الدكتور أحمد طالب على تصريح ديغول بقوله “لو أن فرنسا عندنا احتلت الجزائر بالقوة ولم تقض على كل أثر الثقافة الوطنية، لوجد فرحات عباس المدارس التي يتعلم فيها العربية وحقيقة الوطن الجزائري”، بمعنى أن فرنسا هي التي كانت سببا في حرمانه هذا؛ لأنها هي التي أفقدته هويته بسبب سياسة الإقصاء التي كانت تمارسها فرسنا تجاه كل ما هو وطني جزائري بحيث لم يجد الطالب عباس فرحات من ذلك شيئا!، فاضطر للتعلم في المدارس الفرنسية واضطر للتزوج من الفرنسية؛ بل وبحث عن الجزائر ولم يجدها؛ لأن فرنسا هي التي محت وجودها من مقرراتها المدرسية، ويضيف الإبراهيمي قوله في حق فرحات عباس “وقد عاد فيما بعد على إثر اتصاله بشعبه ليكتشف ذاكرة أصوله”…، وكان ذلك منذ سنة 1936، عندما رد عليه ابن باديس بمقاله الذي يقول فيه “الجزائر ليست فرنسا، ولا تريد أن تكون فرنسا، ولن تكون فرنسا ولو أرادت، وقد زار فرحات عباس ابن باديس في هذه المناسبة كما أعلن عن ذلك ابن باديس بعد ذلك…؛ بل إن عباس فرحات تغيرت طروحاته ابتداء من المؤتمر الإسلامي 1936، وهذبت عباراته ومواقفه.

والمهم في القضية أن أحمد طالب أعاد الكرة إلى ديغول الذي أراد ان ينتقص من الثورة الجزائرية، باللمز في رئيس حكومتها المؤقتة، فرد عليه بأن فرنسا هي السبب؛ لأنها هي التي جهَّلت الجزائري وقمعته واستبدت به حتى نسي أصله وفصله…

كما كان يخص القساوسة ورجال الدين بخطابات أيضا تفرق بين الدين المسيحي الذي هو دين جدير بالاحترام باعتبار أصوله المنزلة، وبين الإستعمار الذي يستثمر في الدين بوصفه عاملا مساعدا على ارتكاب الجرائم في حق الشعوب المستعمرة، مثل الأدوار التي يقوم بها لافيجري وماسنيون وغيرهما من المستشرقين الذين يتعمدون إهانة الإسلام وأهله.

ومن بين مراسلاته أيضا لبعض المناضلين الذين لم يسمهم كلهم وإنما اكتفى ببعض الأسماء مثل مسعود آيت شعلال، حثهم على وضع فكرة التعريب في برامج الاستقلال، ووضع ذلك أولوية… كما عاتب البعض تجاهلهم في لقاءاتهم الرسمية للامتداد العربي الإسلامي للجزائر، لما بلغه أنهم اكتفوا بذكر الامتداد المتوسطي… كل ذلك كان أثناء الثورة، وربما رأى البعض أن ذلك غير مناسب؛ لأن الثورة مشتعلة وطبيعتها لا تعترف إلا بالعنف الثوري، ولكن مسؤولية المثقف تتجاوز هذه السطحية؛ لأن العنف الثوري إذا لم يجد من يستثمر فيه ويوجه نشاطه، فإنه لا يثمر شيئا، فهو كالنار التي تشتعل لتحرق، وإذا لم تجد ما تأكل فإنها تأكل نفسها؛ بل إن رسالة العنف الثوري ومهمته هي “ترهيب” العدو والخصم، إذا زاد عن الحد المقرر فإنه لا يثمر إلا الخراب.

إن الثورة الجزائرية ثورة شعب، لم تكن إلا من أجل استقلاله عن المستعمر واسترجاع سيادته على أرضه وبلاده، وذلك يقتضي توجيه الفعل الثوري بعد الاستقلال إلى نشاط في بناء تصور الدولة بعد الاستقلال، وبرامجها السياسية والثقافية والاجتماعية، وكل ذلك لا يتحقق بمجرد الفعل الثوري والسياسي فحسب، وإنما لا بد له من رافد ثقافي استقلالي حقيقي، وهو ما يستشف من رسائل الدكتور طالب التي كان يبعث بها للكثير من الجهات الوطنية والأجنبية، مساهمة في تنوير الرأي العام وفضح جرائم الاستعمار، والمساهمة في التحضير لبناء الذهنية التي ستبني الدولة بعد الاستقلال.

كما كان الدكتور طالب مهتما بمواضيع الساعة، ومن ذلك علاقة المستشرقين بالدراسات الإسلامية، فكان يفرق بين جماعات المستشرقين ويصنفهم إلى فئات ثلاث: فئة المستشرقين الاستعماريين، الذين خدموا الفكرة الاستعمارية بنشاطاتهم المتعلقة بدراسة الإسلام وعلومه والشعوب الإسلامية، وفئة درست الاسلام وعلومه وشعوبه وكانت أقرب إلى المسلمين بفضل ما عرفت من طبيعة الدين الإسلامي، وفئة ثالثة تمثل المستشرقين الجدد الذين اتسموا بالهوى اليساري الماركسي، وذلك ما لاحظه الدكتور طالب لأن المستشرقين، إذ لم يكونوا على مستوى واحد في التعامل مع الفكر الإسلامي ومع المسلمين، فمنهم من كانت له مهمة لا تخرج عن المهمة الاستعمارية مثل ماسنيوين، ومنهم من كان صادقا ومخلصا في دراسته للإسلام، مثل جاك بيرك الذي كانت له الكثير من الدراسات للإسلام والفكر الإسلامي، ومنهم من توجه توجها آخر بما يشبه عملية الحداثة مثل ماكسيم رودنسون الذي كان مستشرقا ولكن لمسات اليسار فيه واضحة، إضافة إلى توجهه الاستشراقي.

وقد بقي الدكتور طالب وفيا لهذا النهج وهو الحنين للنشاط الثقافي إلى اليوم. لقد اتصلت به ذات يوم أظن في سنة 2010 بطلب من بعض شباب من جمعية العلماء في شعبة تلمسان لإلقاء محاضرة فرفض، ولكن بمجرد أن قلت له إن الجهة التي طلبتك هي طلبة في الجامعة وليس عامة الناس، تراجع عن رفضه وأبدى استعداده على الفور، ولكن الإخوة في الشعبة تراجعوا بسبب تخوفاتهم من رد فعل السلطة، المشحونة ضد الدكتور طالب، وهم يعرفون جيدا الموقف الرسمي من الدكتور طالب، وموقف الرئيس بوتفليقة تحديدا منه.

وأثناء الإنتخابات الرئاسية سمعت بأن الدكتور طالب عازم على تأسيس حزب سياسي، فانزعجت من الخبر…؛ لأنني أراه شخصية وطنية هامة لا ينبغي حصرها في حزب لتصبح طرفا سياسيا، وهو في تقديري أكبر من ذلك… واستحييت من الاتصال به للتأكد رغم أنني كنت على اتصال به مباشرة… فاتصلت بمساعده الأيمن وسألته في الموضوع فلم يجبني، ولكنه سألني وأنت ما رأيك؟ قلت له رأيي بصراحة… فرد علي بقوله: هذا رأي من الآراء المطروحة، فعلمت أن المشروع حقيقي، ويظهر أن بعض المحيطين بالدكتور طالب هم من وراء الموضوع… وما أظن الرجل كان حريصا على ذلك…، فقدر الله وما شاء فعل.

والاعتراض على تأسيسه هو شخصيا لحزب سياسي، لا دخل له بالأهلية، وإنما لأن من الرجال من بلغ مستوى لا يليق به الانتماء الحزبي؛ لأنه بلغ مستوى المرجع للمجتمع وليس مجرد سياسي ينافس من أجل الوصول إلى السلطة…، وحتى إذا طلب المجتمع منه ذلك كما وقع الأمر في حراك 2019 الذي دعا فيه أغلب الشعب الدكتور طالب للترشح، إنما لينقذ البلاد بما رأى فيه من كفاءة عالية وصدقية متميزة، وليس ليكون طرفا في صراع سياسي تغلب عليه الانتهازية.

وهذا الرأي كان عندي منذ الإعلان عن الانفتاح السياسي سنة 1989، فقلت يومها في إحدى المناسبات أتمنى من الرجال الذين لهم مكانة في الحياة السياسية ألا يدخلوا المعترك السياسي كأطراف سياسية لأنهم أكبر ذلك وربما سيقابلون بجيل لا يعرف لهم قدرهم، وذكرت بالإسم: احمد طالب الابراهيمي، حسين آيت أحمد، أحمد بن بلة، وبن يوسف بن خدة… فهذه الأسماء كلها كانت وبقيت مراجع لا يمكن تجاهلها، ولذلك كانت بيوتهم كالمزارات للسياسيين على تفاوت بينهم… ولعل من نتائج عدم الاصطفاف الحزبي للدكتور طالب كان تعلق قاعدة عريضة من الشعب به، ثم كانت زيارة الرئيس تبون له… فلو كان رئيس لحزب لوفاء ما وقع الذي وقع.

مقالات ذات صلة