أخرجوا لنا فضائكم!
في تقرير يقال أنه “أسود” لمنظمة “بلا حدود”، تمّ تصنيف الجزائر في مرتبة متأخرة في مجال حرية التعبير والصحافة، وفي هذا التصنيف، دون شكّ، إجحاف وتسويد للواقع، وإساءة غير مبررة للصحافيين الجزائريين الذين دفعوا الثمن غاليا من أجل افتكاك حرية التعبير والصحافة من فمّ الأسد!
لا ندري ما هو التعريف العادل لحرية التعبير، وما هو المقياس الحقيقي لحرية الصحافة، والحال أن الصحافة الجزائرية، فتحت كلّ الملفات وأسقطت كلّ الطابوهات وكشفت العديد من الفضائح، على الجبهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية وحتى الشخصية؟
نعم، هناك الكثير من النقائص والثغرات والهفوات و”السكوت عن الحقّ”، لكن بالمقابل هناك الكثير من التحامل والتطاول والقذف وتصفية الحسابات و”الافتراء” أيضا، فهل كل هذا جزء من حرية التعبير والصحافة؟
خلال زيارتي في وقت سابق إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي يُضرب بها المثل في الحريات والديمقراطية، زرت إحدى الجرائد العريقة والذائعة السيط والانتشار والمصداقية وسط القراء الأمريكيين، اعترف رئيس تحرير هذه الجريدة، بوجود “خطوط حمراء” تنظم عمل الصحافة في أمريكا!
..سألت هذه المسؤول الإعلامي، عن هذه “الخطوط الحمراء”، فردّ بسرعة ودون تفكير وبلا تردّد وهو في كامل قواه العقلية والنفسية: أمن أمريكا، خط أحمر، السياسة الخارجية لأمريكا خط أحمر، وحدة الشعب الأمريكي، خط أحمر، سمعة وهيبة أمريكا هي أيضا خط أحمر!
هذا حال نموذج من النماذج التي تصنفها تقارير “بلا حدود” في المراتب الأولى لحرية التعبير والصحافة، لكن عندما يتعلق الأمر بالجزائر أو غيرها من الديمقراطيات الحديثة، فإنهم يكيّفون تلك الحريات مع الفوضى ونشر الخراب والفتن ونشر الغسيل على مشاجب التدويل!
هل سمعتم أو شاهدتم في يوم من الأيام على قناة “السي آن آن” الأمريكية، تسليط الضوء على معاناة وشكاوى السكان الأصليين من “بقايا” الهنود الحمر في ضواحي نيومكسيكو؟ وقد وقفت شخصيا هناك على صرخة هؤلاء مما يسمونه “إبادة جماعية” لنسلهم وحقوقهم وتاريخهم!
هل سمعتم أو شاهدتهم على قناة “الجزيرة” في يوم من الأيام، ربورتاجا عن “القاعدة الأمريكية” في قطر؟ وهل ناقشت هذه الفضائية “المثيرة للجدل” خفايا وأسرار “الربيع العربي”؟ وهل فضحت هذه القناة “الجريئة” خبايا التسجيلات المفبركة والتصريحات المصطنعة المدفوعة الأجر!
هل سمعتم أو شاهدتم على قناة “المغاربية” في لندن، تحقيقا أو متابعة لشهادات أحد قيادات “الفيس” المحل الذي قال أن عباسي مدني استلم شيكا بملايين الدولارات من السعودية بداية التسعينيات، دون أن يظهر خبر له، وللوجهة التي سلكها، وأين تمّ استثمارها بعد حلّ الحزب ومغادرة رئيسه للجزائر باتجاه الخليج؟
هل سمعتم أو شاهدتم على القنوات الفرنسية، الريوع التي جنتها فرنسا من تونس وليبيا، في زمن زين العابدين والقذافي، والأسباب الحقيقية لحرب فرنسا على مالي و”مفاوضات الكواليس” بين هولاند و”سلطة الظل” في قصر الإليزيه، بشأن “غنائم” وفوائد مطاردة الإرهابيين والاستعانة بطائرات إسرائيلية بمنطقة الساحل، حيث تنام آبار البترول ومناجم الذهب والفوسفات واليورانيوم؟
..هذه بعض النماذج، لوسائل إعلام عالمية يُعتقد أنها مهد ولحد الحرية، لكن عندما يتعلق الأمر بالصحافة الجزائرية، تـُحوّل الحبّة إلى قبّة، ولا يُنظر سوى إلى الجزء الفارغ من الكأس!