الرأي

أخيرا‭.. ‬قررت‭ ‬فرنسا‭ ‬الاعتذار؟

الشروق أونلاين
  • 2783
  • 3

قد يكون من الصدف أن الربيع الجزائري والفرنسي يلتقيان هذا العام في تغريد انتخابي وخرير مياه سياسي وإشراقة على الناخبين في توقيت واحد، حيث أصبحت كل الطرق تؤدي إلى قبة زيغود يوسف أو قصر الإليزيه، وقد يكون من الصدف أن هذا الربيع السياسي هو الأهم في تاريخ الجزائر، لأنه آخر فرصة لتكون فيه الجزائر بعد نصف قرن من الشلل، أو لن تكون بعدها أبدا، وهو الأهم في ذات الوقت في تاريخ فرنسا، لأنه آخر فرصة بعد نصف قرن من تضييعها لجنّتها الجنوبية، من أجل أن تستعيد فرنسا مكانتها في العالم بعد أن تجاوزتها الأحداث وسقطت من معادلة الأمر والنهي بالضربة القاضية، ولكن بالتأكيد ليس من الصدف أن يكون التغريد الانتخابي الفرنسي بأصوات عنصرية وعواطف استعمارية حتى يُخيّل لمستمعيها أن الإفلاس السياسي الذي تعانيه الجزائر هو نِتاج عدوى مرضية من إفلاس سياسي فرنسي الذي يبدو أن لا برنامج لمترشحيه غير‭ ‬أحاديث‭ ‬اللحم‭ ‬الحلال‭ ‬والحجاب‭ ‬والحركى‭ ‬والافتخار‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬بأمجاد‭ ‬فرنسا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تغرب‭ ‬عنها‭ ‬شمس‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1830م‮.‬

فإذا كنا نتفهم إلقاء فرانسوا هولند لباقة ورد في نهر السين الذي كان ذات خريف مقبرة للجزائريين من أجل ربح بعض الأصوات، وإذا كنا لا نتفاجأ لشهية مارين لوبان لتعاطي لحوم الجيفة وتسميم اللحوم الحلال من أجل ربح بعض الأصوات، فإننا نذهل لإصرار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للرهان على الحركى الذين قال عام 2007م وهو يحلم يقصر الإليزيه أنه منهم، وأنه يعدهم بأن تعترف فرنسا بتهميشها وظلمها لهؤلاء، بل ووعد بالاعتذار لهاته الفئة وللأقدام السوداء التي تعرضت – حسبه – للتصفية والظلم من طرف الآخرين الذين لا مرادف لهم سوى الجزائريين، والاعتذار في العرف الفرنسي هو تمهيد للتعويض المادي والمعنوي والإداري وأيضا التاريخي الذي سيجعل الحركى أبطالا ضمن بطولات دولة استعمارية لن ترفض بعد ذلك الاعتذار عن جرائمها وإنما ستطالب من الآخرين الذي هم الجزائريين الاعتذار لها نظير ما سماه ساركوزي بظلم‭ ‬وتصفية‭ ‬الأقربين‭ ‬من‭ ‬حركى‭ ‬وأقدام‭ ‬سوداء‭ ‬وطبعا‭ ‬يهود‭.‬

 

يقولون في الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا يوجد اختبار لكشف السرائر أنجع من الحملات الانتخابية، حيث ينزع السياسي ثوبه الدبلوماسي ويُظهر ما في الصدور وخائنة الأعين، تماشيا مع سرائر الناخبين، وما يحدث في المشهد السياسي الفرنسي هذه الأيام يؤكد أن حرقة الفرنسيين لتضييعهم الجنة الجنوبية تزداد لهيبا مع مرور الوقت، وقد تحتفل فرنسا بعد نصف قرن من طردها من الجزائر بطريقتها الخاصة خلال الصائفة القادمة، بعد أن أصبح اللحم الحلال الذي يأكله الجزائريون يزعجها، والنقاب الذي ترتديه الجزائريات يزعجها، وحتى “أنين” الحركى يثيرها‭ ‬ويقضّ‭ ‬مضجعها،‭ ‬وتحوّل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬سياسية‭ ‬لأحزاب‭ ‬فرنسية،‭ ‬وحكام‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يبدأوا‭ ‬مسارهم‭ ‬عبر‭ ‬البوابة‭ ‬الجزائرية‭.‬

قد يكون من الصدف أن البرلمان الجزائري القادم الذي برغم تشاؤم الشعب الجزائري يبقى الأمل الأخير لتدخل الجزائر ربيعها تزامنا مع الذكرى نصف القرنية من الاستقلال، وقد يكون من الصدف أن الرئيس الفرنسي القادم سيحتفل بفوزه الانتخابي في الذكرى نصف القرنية لخروج فرنسا من الجزائر، لكن لن يكون من الصدف أن يصل الرئيس ببرنامج فيه الكثير من التاريخ، وأيضا من المستقبل في الشأن الجزائري، والذين يحلمون باعتذار فرنسا لجرائمها في الجزائر ستتحول أحلامهم إلى كوابيس تطالبهم بالاعتذار عن مقاومتهم للاستعمار، ففرنسا التي دخلت الجزائر‭ ‬بمروحة‭ ‬لها‭ ‬الآن‭ ‬عدة‭ ‬مراوح،‭ ‬فلكل‭ ‬رئيس‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬رئيسة‭ ‬حزب‭ ‬مروحة‭ ‬ينش‭ ‬بها‭ ‬ويضرب‭ ‬أيضا‮..‬؟

مقالات ذات صلة