-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أدب الرسائل

صالح عوض
  • 2201
  • 0
أدب الرسائل

النموذج الحضاري لا يتوقف عند حد معين من الأفكار والسلوكات والقيم والمفاهيم بل يمتد إلى كل تشعبات الحياة البشرية، ومن هنا كان التواصل البشري لقوم وأمة إنما هو نمط حضاري مرتبط بمنظومة القيم والمفاهيم الخاصة.. فكانت الرسائل وأدبها سلوكا إنسانيا وجد نماءه في دائرة الحضارة العربية الإسلامية، فالرسالة هي المعبر عن المراد والشارح للحال فكان الإسلام أعظم رسالة وأشملها وأوسعها..

وفي حياتنا في العقود الأخيرة من عمر أمتنا ابتلينا بالتباعد والافتراق بسبب الحروب والاستعمار، فأخذت الرسائل عندنا مداليل جديدة، فهي تعبر عن الأشواق وتشرح الحال وتخبر عن الوقائع ومجريات الأمور.. ومع نشاط حركة الرسائل بين المهاجرين وأهلهم تعمقت ثقافة الحنين والشوق أي نمو البعد الإنساني في المجتمعات.

لقد كنت واحدا ممن ابتلاني الله بأن أعيش وقائع أدب الرسائل، وحالي في ذلك هو حال ملايين الفلسطينيين والجزائريين والعرب عموما، فلقد تفرقت عائلتنا بسبب الحروب وتشتت أجزاؤها إلى أكثر من خمس دول، فيما كنا مسيّجون بأسلاك شائكة لا هاتف ولا بريد مباشر ونيران الحرب مستعرة.. فكانت الرسالة هي صاحبة الجلالة المهيمنة التي نالت من الحظوة ما لم ينله في حسنا شيء.. فكان شهر كامل لا يكفي حتى تصلنا رسالة من أحد أبناء العائلة المشتتين في بقاع الدنيا، ولكي تصلنا كان عليها أن تمر على عدة دول ثم أن تقع بين يدي ضابط المخابرات الصهيوني تصل بعد أن أعياها السفر، وتقلبت على الأعين الفاحصة يأتي بها ساعي البريد مبشرا ووجهه يضج فرحا وتفريحا، وكان لابد من أن يكرم بأي شيء كأس شاي، علبة سجائر أي شيء رغما عنه.. وبعد استلام الرسالة ينبري الأولاد المتعلمون بالتناوب على قراءة الرسالة للحاضرين والغائبين عند عودتهم ممن لا يحسنون قراءة الكتابة.. لم يكن الأمر سهلا.. فمن استمع للرسالة مرة يطلب إعادة الاستماع والتركيز على بعض المقاطع على فقرات معينة لاسيما عن حال المرسل وتبدأ التأويلات.. وعن ترتيب المعنيين بالتحية والسلام، فكان على المرسل أن يعتني تماما لكي لا يظهر ألما عنده أو معاناة أو مشكلة ما، وكان عليه أن يعتني تماما بترتيب أسماء المعنيين بتحياته، وفي حدوث أي خلل في هذا الصدد يغضب البعض ويتحسر البعض وينتشي البعض .. المهم تبقى الرسالة تدور على الأعمام والأخوال وأبناء الأعمام، فيما تحتضن الأم التي لا تعرف قراءة ولا كتابة الرسالة وتخبئها في ثوبها تحس بدفئها ونبضات قلب ابنها تقبلها من حين إلى آخر وتنهمر من عينيها الدموع وعلى لسانها الكلمات بدعاء خالص لرب العباد أن ييسر يوم اللقاء.

لايقف الحد إلى هنا.. فبعد أن تفعل الرسالة مفاعيلها على مدار أسبوع يستجمع القوم قوتهم وعواطفهم للشروع في كتابة الرد.. ويستدعى لذلك اد الأبناء النابهين للكتابة، فيعمل مسودة لرسالة يجيب فيها على عناصر الرسالة التي وصلت قبل أسبوع ويقرأها على الأقربين ولابد من تضمينها عناصر مهمة على رأسها “إننا بخير ولا ينقصنا سوى مشاهدتكم” والتركيز على أن فرج الله قريب وأن” أملنا كبير أن يكون العام القادم لنا لقاء هنا في…” وفي هذا النوع من الرسائل هناك جمل مكررة دوما، لكن الغريب أن لها سحر متجدد ومفعول مؤثر دوما.. تحتاج هذه الرسالة شهرا آخر لكي تصل إلى المعني.. وهكذا يحتاج المرسل شهرين أو أكثر لكي يتم الرد على رسالته.

الذي أريد أن أقوله كم كان هذا الفن بديعا وجميلا وفاعلا ومحركا في نفوس العائلة..هانحن نفتقده مع الفيسبوك والواتساب ووو.. كم خسرنا عندما كسبنا المسينجر؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!